العرب في بريطانيا | حماية الطفل من التحرش.. مسؤولية مَن؟

حماية الطفل من التحرش.. مسؤولية مَن؟

من وعي الأسرة إلى حصانة المجتمع

من وعي الأسرة إلى حصانة المجتمع
سامي بن محمد السيابي أكتوبر 8, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ليس أخطر ما قد يتعرض له الطفل أن يؤذيه أحد، بل أن يقع الأذى ثم يكتشف أنه لا يعرف كيف يصفه، أو يخشى أن يتحدث عنه، أو لا يجد كبيرًا يحسن الإصغاء إليه. عندئذ لا تكون المشكلة في فعل المعتدي وحده، بل في منظومة حماية لم تُبنَ كما ينبغي؛ في أسرة لم تفتح باب الحديث، أو مدرسة لم تؤسس لثقافة الخصوصية، أو مجتمع جعل بعض الموضوعات من المحظورات حتى حين يصبح الصمت عنها خطرًا.

ومن هنا فإن الحديث عن التحرش بالأطفال لا ينبغي أن يُختزل في سؤال: كيف نعلّم أبناءنا حماية أنفسهم؟ فهذا السؤال، على أهميته، يضع الطفل في آخر السلسلة ثم يطالبه بمعالجة خلل صنعه الكبار. والسؤال الأسبق والأعمق هو: كيف نبني مجتمعًا لا يُترك فيه الطفل وحيدًا أمام الأذى؟

فالطفل لا يختار البيئة التي يعيش فيها، ولا الأشخاص الذين يحيطون به، ولا الأنظمة التي تحميه، ولا الفضاء الرقمي الذي يفتح له أبوابه. ولذلك فإن حمايته ليست شأنًا أسريًا خاصًا، ولا مهمة مدرسية عابرة، وإنما مسؤولية تتوزع بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات والمجتمع؛ لأنها في جوهرها اختبار لمدى احترامنا لكرامة أضعف أفراده وحدودهم.

الحماية لا تعني صناعة الخوف

قد نخطئ في الاتجاهين: إما أن نتجنب الحديث مع الطفل بدعوى المحافظة على براءته، وإما أن نفرط في تحذيره حتى نجعل العالم في عينيه مكانًا مخيفًا.

وكلاهما لا يصنع حماية ناضجة.

فليس المطلوب أن يشك الطفل في أقاربه ومعلميه وجيرانه، ولا أن يتعلم أن كل غريب مصدر خطر؛ وإنما أن ينشأ وهو يفهم معنى الحدود. يحب الناس ويحسن الظن بهم، لكنه يعرف أن المحبة لا تلغي الخصوصية، وأن القرابة لا تبيح تجاوزها، وأن المكانة الاجتماعية أو التعليمية أو الأسرية لا تجعل السلوك غير المناسب مقبولًا.

وهنا تنتقل التربية من تصنيف الأشخاص إلى تقييم السلوك؛ وهي نقلة مهمة؛ لأن الطفل ليس مؤهلًا أصلًا ليقرر من «الطيب» ومن «السيئ»، لكنه يستطيع تدريجيًا أن يتعلم أن هناك قواعد للخصوصية ينبغي أن يحترمها الجميع.

قبل أن نعلّمه أن يقول «لا»

تبدأ الوقاية من تفاصيل تبدو صغيرة: أن يتعلم الطفل طرق الباب قبل الدخول، والاستئذان قبل استعمال أشياء غيره، واحترام خصوصية الغرف والملابس والجسد، وأن يفهم أن احترام الكبير لا يعني إلغاء حدوده الشخصية.

وهذا المعنى ليس غريبًا عن ثقافتنا الإسلامية؛ فالقرآن الكريم يربي الأسرة على الخصوصية منذ الطفولة، فيتحدث عن ﴿الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾، ويقرر لهم الاستئذان في أوقات مخصوصة، ثم تتسع هذه الخصوصية مع البلوغ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾.

إنها تربية مبكرة على معنى بالغ العمق: للإنسان مساحة لا يدخلها الآخر إلا بإذن.

وعندما نقرأ الاستئذان، وستر العورة، وغض البصر، والحياء، وحرمة الأذى، والطاعة في المعروف، لا نحتاج إلى تحميل النصوص ما لا تحتمل لنجد فيها «نظرية في التحرش»، وإنما نجد شيئًا أعمق: منظومة أخلاقية تحترم الإنسان وحدوده وخصوصيته.

البيت الآمن قبل الطفل الواعي

غير أن تعليم الطفل القواعد وحده لا يكفي.

قد يعرف الطفل أن تصرفًا ما غير مناسب، لكنه لا يخبر أمه؛ لأنه يخشى غضبها. وقد يحفظ قاعدة «أخبر شخصًا كبيرًا»، ثم يصمت لأن تجربته السابقة علمته أن اعترافه بالخطأ ينتهي بالصراخ أو العقوبة.

ولذلك ينبغي لنا قبل أن نسأل الطفل: لماذا لم تخبر؟ أن نسأل أنفسنا: هل صنعنا له بيئة يستطيع أن يخبر فيها؟

إن الحماية الحقيقية تبدأ بعلاقة يشعر فيها الابن أن أباه وأمه هما المكان الذي يعود إليه عندما تتعقد الأمور، لا المكان الذي يخشاه فوق خوفه من المشكلة نفسها.

وقد تكون عبارة بسيطة يكررها الأب لابنه: «مهما حدث، تستطيع أن تأتي إليّ»، بابًا عظيمًا من أبواب الوقاية؛ شريطة أن يثبت الأب صدقها عندما يأتي الطفل فعلًا.

فإذا أفصح الطفل عن أمر مقلق، فإنه لا يحتاج في اللحظة الأولى إلى محقق، ولا إلى ثورة غضب، ولا إلى سؤال يحمّله الذنب: «كيف سمحت بذلك؟»، وإنما يحتاج إلى من يستمع إليه ويطمئنه ويأخذ كلامه بجدية، ثم يضع أمر الحماية والتقييم في يد من يحسن التعامل معه.

وهل نحمل الطفل مسؤولية نجاته؟

نعلّم أبناءنا أن يقولوا «لا» للتصرف غير المناسب، وأن يبتعدوا ويطلبوا المساعدة، وهذا مهم. لكن ثمة كلمة ينبغي ألا تسقط من خطابنا:

«إن استطعت».

قل لا إن استطعت، وابتعد إن استطعت، وأخبر عندما تستطيع.

فالطفل قد يخاف، وقد يتجمد، وقد يتفاجأ، وقد يكون الطرف الآخر أكبر منه سنًا أو قوة أو مكانة، وقد يُستدرج تدريجيًا حتى لا يدرك ما يحدث منذ بدايته. وعندئذ يصبح من الظلم أن تتحول دروس الوقاية نفسها إلى محاكمة له: لماذا لم تصرخ؟ لماذا لم تهرب؟ لماذا لم ترفض؟

إن عجز الطفل عن منع الاعتداء لا ينقل إليه مسؤولية الاعتداء.

ولذلك فإن إحدى أهم الرسائل التي ينبغي أن يسمعها أبناؤنا: إذا لم تستطع الرفض أو الابتعاد، فأنت لست المذنب؛ أخبر عندما تستطيع.

الحياء الذي يحمي.. والحياء الذي يُساء فهمه

وفي مجتمعاتنا قيمة عظيمة اسمها الحياء، لكن الخلل قد يقع حين نخلط بين الحياء والصمت.

فالحياء يحفظ الخصوصية، لكنه لا يمنع المظلوم من الكلام. والستر يصون الإنسان، لكنه لا يعني ترك الضرر مستمرًا. والطاعة تربي على الأدب، لكنها ليست تفويضًا مفتوحًا لكل كبير في أن يفعل ما يشاء بالصغير.

ومن هنا ينبغي أن نراجع بعض الرسائل التي نرسلها للأطفال دون قصد. فحين نجعل الطفل يعانق أو يقبّل كل من نطلب منه ذلك حتى لو أبدى رفضًا مهذبًا، فإننا قد نعلمه ضمنيًا أن مشاعر الكبير مقدمة دائمًا على حدوده الجسدية. وحين نقول له: «لا ترد على الكبير أبدًا»، دون بيان أن الطاعة في المعروف، فإننا نبني أدبًا ظاهريًا قد تكون له كلفة في موضع آخر.

ولا يعني ذلك تفكيك قيم احترام الكبير وصلة الرحم؛ وإنما يعني أن نربي على أدب له حدود، وطاعة لها ضوابط، وحياء لا يمنع طلب النجدة.

من أسرار البيت إلى أسرار الهاتف

ولم تعد القضية اليوم محصورة في مكان مادي.

فالنافذة التي كان الآباء يخشون أن يدخل منها الغريب إلى البيت أصبحت شاشة يحملها الطفل معه. وقد يبدأ الاستدراج برسالة لطيفة، أو لعبة، أو اهتمام متكرر، ثم ينتقل إلى طلب السرية أو الصور أو المعلومات الشخصية.

وهنا تصبح التربية الرقمية جزءًا من التربية الأخلاقية، لا مجرد معرفة تقنية.

والأهم أن يعرف الطفل أنه إذا وقع في خطأ رقمي يستطيع العودة إلى أسرته. فقد يكون الخوف من عقوبة الأب سببًا في استمرار الابتزاز؛ لأن الطفل يخشى مصادرة هاتفه أكثر مما يفهم طبيعة الخطر الذي وقع فيه.

ولذلك ينبغي أن تكون القاعدة الأسرية: الأمان أولًا، ثم تأتي المعالجة التربوية.

المدرسة ليست مكانًا للتوعية فقط

وإذا كانت المدرسة ستعلّم الطفل الخصوصية وطلب المساعدة، فمن حق الطفل عليها أن تكون هي نفسها مستعدة عندما يطلب تلك المساعدة.

فليس كافيًا أن نقدم محاضرة بعنوان جميل، ثم لا يعرف المعلم ماذا يفعل إذا قال طفل بعد انتهائها: «حدث لي شيء مشابه».

الحماية المؤسسية تعني وجود إجراءات واضحة، وأشخاص مؤهلين، ومسار معلوم للتعامل مع الإفصاح، وحفظ خصوصية الطفل، والفصل بين الاستماع إليه وبين التحقيق في الواقعة.

وبذلك تنتقل المدرسة من تعليم الحماية إلى ممارستها.

حين تصبح «السمعة» خصمًا للطفل

تبقى واحدة من أكثر المناطق حساسية: ماذا يحدث عندما يقع الأذى فعلًا؟

قد تتحرك بعض الأسر تحت ضغط السمعة، أو القرابة، أو الخوف من كلام الناس، فتبحث عن إغلاق الموضوع قبل البحث عن حماية الطفل. وهنا قد تتحول قيمة اجتماعية مقصودها حفظ الناس إلى غطاء يستمر خلفه الضرر.

إن الستر قيمة أخلاقية رفيعة، لكنه لا يكون على حساب سلامة طفل، ولا ينبغي أن تصبح سمعة الأسرة أثمن من أمن أحد أبنائها. وعندما توجد شبهة إساءة حقيقية، فإن الأمر يتجاوز «حل الموضوع بيننا» إلى مسؤولية الحماية والإجراءات المختصة.

فالمجتمع الذي يصمت حمايةً لسمعة المعتدي المحتمل، ثم يطلب من الطفل أن يتجاوز ما حدث، لا يحل المشكلة؛ وإنما ينقل ثمنها من الكبير إلى الصغير.

لا حماية بلا عدالة

وفي الاتجاه المقابل، فإن حساسية القضية لا تبرر التسرع في الاتهام.

فليست كل لمسة اعتداء، ولا كل هدية استدراجًا، ولا كل تغير في سلوك الطفل دليلًا قاطعًا على التحرش. المؤشرات تدعونا إلى الانتباه والفهم والاستعانة بالمختصين، لا إلى إصدار الأحكام على الناس.

وهذه الموازنة بالغة الأهمية؛ لأن المجتمع الآمن ليس الذي يحمي الطفل فقط، وإنما الذي يجمع بين الحماية والعدالة: لا يستهين بإفصاح الطفل، ولا يدين الآخرين بالشبهة وحدها.

المسؤولية أوسع من الأسرة

إن حماية الطفل في النهاية ليست مقررًا نقدمه للصغار، بل ثقافة نبنيها للكبار.

مسؤولية الأسرة أن تصنع الثقة والحدود، ومسؤولية المدرسة أن تعلم وتحمي، ومسؤولية المؤسسات أن تضع الإجراءات وتطبقها، ومسؤولية الإعلام أن يرفع الوعي دون إثارة أو تهويل، ومسؤولية الخطاب الديني أن يعزز معاني الكرامة والستر الصحيح وحرمة الأذى، ومسؤولية المجتمع أن يتوقف عن جعل الصمت مرادفًا للحياء، أو السمعة مقدمة على السلامة.

وعندئذ لا يعود السؤال: هل علّمنا الطفل كيف يحمي نفسه؟

بل يصبح السؤال الأجدر بمجتمع ناضج:

هل صنعنا له بيئة تستحق أن يشعر فيها بالأمان؟

فالطفل لا يحتاج إلى مجتمع يكرر عليه كل صباح: «احذر»، بقدر ما يحتاج إلى مجتمع تقول له أسرته ومدرسته ومؤسساته وقيمه، بالفعل قبل القول:

أنت مكرَّم، وحدودك محترمة، وإذا تكلمت سنسمعك، وإذا احتجت إلينا سنحميك.


 

اترك تعليقا

↑