ملاحظات حول الانتخابات المحلية البريطانية
أحدثت نتائج الانتخابات المحلية البريطانية جدلًا واسع النطاق في الساحة السياسية. كما خلّفت الهزيمة التاريخية غير المسبوقة التي مُني بها حزب العمال البريطاني الحاكم في المجالس المحلية تداعيات خطِرة على الحكومة نفسها.
فقد كان لافتًا تصدّر اليمين الشعبوي ممثلًا في حزب “الإصلاح” الذي يقوده نايجل فاراج أحد عرّابي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، نتائج الانتخابات في مشهد جديد وصادم للبريطانيين، بعدما كانوا يختارون في العادة أحد الحزبين التقليديين، المحافظين والعمال.
وبهذا الصدد تجدر الإشارة إلى بعض الحقائق التي قد غفلت عنها التحليلات التي تناولت نتائج هذه الانتخابات وتداعياتها.
أولًا: كرّست الانتخابات معطًى أساسيًّا سيلقى اهتمامًا كبيرًا ودراسة لأبعاده في المرحلة السياسية القادمة في بريطانيا، كما في أوروبا عمومًا
وهي فكرة الإصرار على “تغيير الحكومات القائمة”.
ويتعلّق الأمر هنا بمزاج انتخابي ساد خلال السنوات القليلة الماضية، ويتمثل في نزوع الناخب، كلما ذهب إلى صناديق الاقتراع، إلى التصويت ضد الحكومة القائمة، سواء أكانت محلية أم وطنية.
وتجلى ذلك واضحًا في انتخابات 2024 التي جاءت بحزب العمال، ثم الانتخابات المحلية في 2025 و2026 التي تقدّم فيها اليمين الشعبوي. ويعتقد المراقبون أن نزعة الإطاحة بأي حكومة قائمة، باتت السمة الأساسية التي تطبع التوجه الانتخابي للناخبين. وقد سُمّيت سنة 2024 سنة “الموجة المضادة للحكومات القائمة” Anti-Incumbency، وشهدنا ذلك في ألمانيا وفي فرنسا وفي إسبانيا وفي هولندا ورومانيا المجر وبولندا.
وتشير تقارير إلى أن 54 بلدًا جرى فيها “التصويت ضد الحكومات القائمة” من بين 70 دولة شهدت انتخابات في 2024. وثمة خشية من أن يكون هذا المزاج سببًا في عدم استقرار سياسي وحكومي في بلدان عديدة.
وتحكم نزعة الإصرار على “التغيير” هذا السلوك الانتخابي، الذي يعكس حالة احتجاجية وحتى انتقامية، دون وضوح في دوافع الاختيار خلال عملية التصويت. وزاد دور وسائل التواصل الاجتماعي في تفاقم هذه الظاهرة التي لها تداعيات كبيرة على المشهد العام في العديد من البلدان.
وانتقل هذا المزاج التغييري من الحكومات إلى الأحزاب. فمثلًا شهدت الأحزاب البريطانية تغييرات كبيرة في الزعامات في مدة وجيزة لا تتجاوز الأشهر أحيانًا.
ثانيًا: أكدت الانتخابات المحلية أن بريطانيا غادرت بوضوح نظام الثنائية الحزبية الذي ساد لأكثر من قرن تقريبًا
هذا التحول في المشهد الحزبي، عرفته دول أوروبية أخرى على غرار فرنسا وألمانيا وإيطاليا. ويشير هذا التحول إلى مجموعة من المتغيرات تتعلق بانحسار الأيديولوجيات التقليدية، لمصلحة تعددية حزبية مبنية على فلسفة سياسية مختلفة.
كما تشير نهاية الثنائية الحزبية إلى حقيقة أن الأحزاب التقليدية استُهلكت وتآكلت، ولم تعد قادرة على الاستجابة بفعالية للتحولات العميقة داخل المجتمعات الأوروبية، وبينها المجتمع البريطاني.
أضف إلى ذلك أن احتكار الأحزاب التقليدية للسرديات السياسية، ووسائط التواصل مع المجتمعات، كُسر لمصلحة وسائل تواصل جديدة مختلفة، همّشت في كثير من الأحيان وسائل الاعلام التقليدية. فباتت وسائل التواصل الاجتماعي المتاحة، رافعة للعديد من الكيانات السياسية الجديدة، وتتقن استعمالها واستغلالها بطريقة فعالة، ما مكّنها من التحوّل إلى رقم صعب في المعادلات السياسية في وقت قياسي.
ثالثًا: بعد نحو عشر سنوات على استفتاء “البريكسيت” لا يزال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يلقي بظلاله على المشهد العام في البلاد
إذ تشير عدة قراءات في الانتخابات المحلية بأن حزب “الإصلاح” الذي يتزعمه نايجل فاراج حقق أفضل نتائجه في الدوائر التي صوّتت في 2016 بكثافة لمصلحة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، رغم التداعيات السلبية الكبيرة التي تسبب فيها هذا الخروج.
ورغم تراجع جاذبية فكرة “البريكسيت” كرؤية سياسية، فإنها عادت بقوة للواجهة. ففضلًا عن الدعوات المتزايدة لإعادة تقييم “البريكسيت”، تدافع قوى سياسية اليوم -ويشمل ذلك حزب العمال- من أجل علاقة قوية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.
وأعلن زعيم حزب العمال كير ستارمر بوضوح في خطابه بُعَيد نتائج الانتخابات المحلية أن العمال “سيضعون بريطانيا في قلب أوروبا”، وأن “البريكسيت جعلنا أكثر فقرًا وأكثر ضعفًا وأقل أمنًا”.
ويمثل هذا التوجه المضاد لحزب فاراج جزءًا من استراتيجية مواجهة هذا الحزب. إذ يرى العديد من المراقبين أن الاتحاد الأوروبي يمثل حصانة وحماية للدول الأوروبية من الانزلاق نحو اليمين المتطرف والقوى الشعبوية، بما يمتلكه من آليات التأثير والتصحيح.
رابعًا: تجدّد الانتخابات المحلية وما أفرزته من نتائج الجدل بشأن النظام الانتخابي المعتمد
إذ يكاد هذا النظام الانتخابي أن يكون معبرًا أساسًا عن الأقلية لا الأغلبية. فحزب “الإصلاح” اليميني الشعبوي الذي تصدّر نتائج هذه الانتخابات، لم يحقق إلا 26 في المئة من أصوات الناخبين. وهو ما يبدو بعيدًا كل البعد عن الأغلبية المطلقة.
في حين تتجاوز نتائج الأحزاب الوسطية مجتمعة 65 في المئة. وهي نسبة من حيث حجمها، تمثل بشكل جدي أصوات الناخبين. وهذا الخلل في النظام الانتخابي تجلى أيضًا في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 2024، إذ دخل 84 في المئة من الفائزين البرلمان بنتائج دون الأغلبية المطلقة. واكتسح حزب العمال البرلمان بنحو ثلثي المقاعد، ولكن بنسبة أصوات لم تتجاوز 34 في المئة.
بيد أن هذا النظام الانتخابي على ما عليه من مؤاخذات يبدو نظامًا مفتوحًا يتيح للأقليات فرصة المشاركة والتنافس في الانتخابات، وهو ما يفسّر دخول العديد من المرشحين العرب والمسلمين المجالس المحلية، وقبلها البرلمان. وهو ما يحفّز القيادات المسلمة في المجتمع البريطاني على تشجيع مسلمي البلاد على الانخراط الفاعل والايجابي في الشأن العام، من خلال الأحزاب السياسية، موقنين بقدرتهم على مراكمة حضور فاعل في المؤسسات العامة، محليًّا ووطنيًّا، بما يتماشى وتطلعهم لخدمة البلاد والمساهمة في صناعة القرار فيها.
اقرأ أيضاً:
- رسائل الانتخابات المحلية البريطانية للعرب والمسلمين
- بعد تفوق “ريفورم” في الانتخابات المحلية.. هل تعود إنجلترا إلى حضن الفاشية؟
- نتائج الانتخابات المحلية 2026 بعيون الإعلام البريطاني
الرابط المختصر هنا ⬇