العرب في بريطانيا | مقتل نوفاك: توظيف "الغضب الأبيض" كسلا...

مقتل نوفاك: توظيف “الغضب الأبيض” كسلاح يهدد بجرّ بريطانيا إلى الهاوية

مقتل نوفاك: توظيف "الغضب الأبيض" كسلاح يهدد بجرّ بريطانيا إلى الهاوية
جو جيل يونيو 9, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

الأسبوع الماضي، دعا زعيم حزب “ريفورم يو كية” (Reform)، نايجل فاراج، إلى “غضب بارد نقي” بعد نشر لقطات كاميرا جسد الشرطة أثناء اعتقال هنري نوفاك البالغ من العمر 18 عامًا وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة متأثراً بطعنات نافذة في كانون الأول/ديسمبر الماضي. وقد تجاهل فاراج نداء والد نوفاك بعدم استخدام وفاة ابنه لزيادة انقسام البلاد. ويوم الثلاثاء الماضي، هاجم النازيون الجدد الشرطة في ساوثهامبتون بعد ساعات من دعوة فاراج التحريضية٬ لقد كان يعلم ما كان يفعله.

الغضب هو عملة السياسة اليمينية المتطرفة في بريطانيا٬ إنه أداة للتطرف، تغذيها تشويه وسائل الإعلام اليمينية ضد المهاجرين والمسلمين وطالبي اللجوء على مدى سنوات عديدة. سياسة الغضب تجتاح كل شيء٬ الغضب لا يحتاج إلى حقائق. إنه يعمل على مستوى عاطفي، ويتغذى على الخوف٬ نحن نتعرض لـ “غزو”٬ يجب علينا أن “نقاتل أو نموت”٬ وهذا النوع من التأطير المتطرف أصبح الآن سائدًا في بريطانيا. وعادة ما يتم تأطير التطرف على أنه مشكلة المجتمعات المسلمة، ولكن في بريطانيا، لا توجد حملة تطرف أكبر من تلك التي يروج لها المحرضون من اليمين المتطرف على وسائل التواصل الاجتماعي من إيلون ماسك إلى تومي روبنسون، والتي تمنحها وسائل الإعلام المرموقة الأكسجين لتكبر.

وعلى مدى عقود من الزمن، كانت الهجرة هي عامل الخوف الذي أذكته الصحافة والسياسيون، بيد أن أعداد المهاجرين آخذة في الانخفاض بسرعة منذ طفرة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (وهو الأمر عينه الذي كان من المفترض أن يمنعه البريكست). كما انخفضت أيضًا أعداد القادمين عبر القوارب الصغيرة مع تعاون بريطانيا وفرنسا للقضاء على تهريب البشر وبدء حكومة حزب العمال في تقليص تراكم طلبات اللجوء التي تركها المحافظون. وقد استغل المحافظون في الحكومة فشلهم في معالجة طلبات اللجوء ووضع المهاجرين غير النظاميين في الفنادق لإذكاء سياسة الانقسام وتشتيت الانتباه. لقد كانوا بحاجة إلى هذا لإخفاء الأسباب الحقيقية للفقر، وارتفاع تكاليف المعيشة وفشل الخدمات العامة – أي سياساتهم الخاصة.

دخول ماسك وفانس على الخط 

إن عمليات الطعن الجماعية المروعة التي تعرضت لها طالبات المدارس قبل عامين في ساوثبورت شكلت سابقة لليمين المتطرف في استخدام الحوادث المميتة لإثارة خوف البيض القوميين من “الآخر”. وتلت ذلك أعمال شغب٬ وارتفعت الهجمات العنصرية بشكل حاد. وحتى لو كان الجناة قد ولدوا هنا، فإنهم يطابقون المواصفات العرقية للغريب الخطير بيننا.

ويركز نظام بيئي من وسائل التواصل الاجتماعي التي يغذيها الغضب حنقه على هذه الحالات، في حين يتجاهل حوادث العنف التي لا تتماشى مع رواية “العنصرية ضد البيض”، أو عمل الشرطة على مستويين ضد البيض، أو عنف المهاجرين. وتعج وسائل التواصل الاجتماعي بالشكاوى حول “DEI” (التنوع والمساواة والشمول) – وهي كلمة لحركة ماجا (MAGA) الأمريكية وإدارة ترامب، والتي أسقطها الآن محرضون وكتّاب أعمدة غاضبون في الخطاب السياسي لبريطانيا. 

وقد تدخل الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، الذي يؤدي التحية النازية، مرة أخرى، محاولاً إثارة غضب البيض بشأن الحادث. وقال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن مقتل هنري نوفاك على يد فيكروم ديغوا، وهو سيخي ولد في بريطانيا، كان بسبب “غزو المهاجرين”٬ وقد حُكم على ديغوا بالسجن مدى الحياة.

واضطرت شرطية اتُهمت خطأً بأنها كانت في الخدمة ليلة مقتل نوفاك إلى الاختباء لأنها تعرضت لكشف هويتها وتهديدها، على الرغم من أنها كانت قد غادرت سلك الشرطة. هذه هي سياسة المعلومات المضللة التي تحولت إلى تحريض وتهديدات قاتلة٬ تركز سياسة الغضب حنقها دون خوف من أي عواقب على العدالة والحقيقة ومشاعر أسر الضحايا. 

ليست هناك حاجة لانتظار التحقيقات لمعرفة ما حدث: فاليمين لديه الجناة بالفعل. وتتعرض التوجيهات الأخيرة للشرطة لمعالجة شكاوى تعود لعقود من الزمن بشأن انحياز الشرطة ضد الأقليات العرقية للهجوم، مع دعوات واسعة النطاق للعودة إلى عمل الشرطة القائم على “المنطق السليم”. ويفشل وزراء حزب العمال في الطعن في الادعاء بأن معاملة نوفاك نجمت عن توجيهات مناهضة للانحياز، وليس عن لامبالاة وعجز الشرطة التقليديين. وقد يسلط التحقيق في الحادث الضوء على السبب الحقيقي – ولكن كما هو الحال دائمًا، فإن مثيري الغضب على الإنترنت قد حسموا أمرهم منذ فترة طويلة: مظلومية البيض هي اسم اللعبة.

عندما يكون القاتل أبيض

هناك الكثير من الجرائم البشعة التي لا تثير غضب اليمين المتطرف٬ خذ على سبيل المثال الطعن القاتل الذي تعرض له إبراهيم سيك البالغ من العمر 14 عامًا في مانشستر في حزيران/يونيو الماضي بينما كان في طريقه للعب كرة القدم. حيث طارده مراهقون بيض وطعنه أحدهم حتى الموت. وحُكم على ثلاثة مراهقين في شباط/فبراير. أو مقتل الطالب السعودي محمد القاسم، 20 عامًا، “دون استفزاز وبشكل غير مبرر”، والذي طُعن في الرقبة في كامبريدج في آب/أغسطس. وقال الادعاء إن المواطن المحلي تشاس كوريغان هاجم القاسم بسكين مطبخ بعد “أمسية من شرب الخمر وتعاطي المخدرات”. وحُكم على كوريغان بالسجن مدى الحياة في 4 حزيران/يونيو. هل سيُنظر إلى مقتل القاسم كدليل قاطع على الطبيعة العنيفة للشباب البريطانيين البيض؟ أو المرأة السيخية التي تعرضت للاغتصاب الوحشي والترهيب في منزلها على يد رجل متطرف بسبب كراهية المسلمين. وخلال الهجوم في والسال، ضرب جون أشبي المرأة بعصا، بينما كان يصرخ أيضًا بشتائم مناهضة للمسلمين، لاعتقاده الخاطئ بأنها مسلمة٬ وحُكم على أشبي بالسجن مدى الحياة في نيسان/أبريل.

لم تصدر أي دعوات من فاراج للغضب٬ ولا توجد أعمال شغب جماعية٬ أو عندما هدد كالوم مكينالي، 22 عامًا، رجالاً ونساءً وأطفالاً يصلون في مسجد بورتسموث بسكين في آب/أغسطس، ولكم مصليًا مسلمًآ. وتم اعتقال الرجل الأبيض البالغ من العمر 29 عامًا وتوجيه تهمة الاعتداء المفتعل بوازع عنصري إليه. وحُكم عليه بالسجن 20 شهرًا في تشرين الأول/أكتوبر٬ ولم تكن هناك تغطية إعلامية شاملة.

 يخبرنا فاراج ووسائل الإعلام اليمينية أن عمل الشرطة على مستويين يضطهد البيض. وتوقف شرطة هامبشاير السود بمعدل 5.1 مرة أكثر من البيض، ولكن لا يهم. عندما يكون الجناة بيضًا والضحايا سُمرًا، تتغير الرواية. ربما ينبغي ببساطة أن تتعامل الشرطة مع جميع الاعتداءات وجرائم القتل بجدية، وألا يستخدمها الانتهازيون مجرد أسلحة لإثارة الغضب والخوف والكراهية والانقسام. لقد كان سلوك الشرطة مشكلة بالنسبة للمجتمعات السوداء والآسيوية لعقود من الزمن. ويعرف سكان لندن الشباب من السود والسُمر عن عمل الشرطة على مستويين. أنا أعرف شابًا من عرق مختلط أوقفته الشرطة وفتشته في شوارع لندن مرات عديدة على مر السنين لمجرد “السير وهو أسود”٬ ولم توجه إليه أي تهمة قط٬ هذا مضيعة لوقت الشرطة، فضلاً عن كونه مضايقة لشاب يمارس حياته الطبيعية.

تجاهل الحقائق، أو اختلقها

وقد رفض كير ستارمر تدخل فاراج التحريضي، قائلاً إن هذا “وقت العمل الجاد، وليس الغضب” وأنه “لا يوجد مبرر لمزيد من العنف والفوضى”. كما انتقد ماسك لـ “محاولته إثارة الانقسام” بشأن مقتل نوفاك٬ هذا تحول متأخر لمواجهة اليمين المتطرف، بدلاً من الانجرار إلى سياستهم كما فعل سابقًا.

إن هناك حاجة إلى سياسة التضامن والحقيقة لمواجهة سياسة الغضب٬ فالسياسيون ينكمشون في مواجهة الهجوم الضاري من الصحفيين والصحف اليمينية٬ وينبغي عليهم الرد وطرح أسئلة بسيطة. فالقفز إلى الاستنتاجات وتغيير السياسات بردود فعل متهورة في مواجهة الغوغاء العنصريين هو التعريف الدقيق للسياسة السيئة. لم يكن هنري نوفاك أول شخص يموت في الحجز بينما كانت الشرطة تتفرج وتتجاهل توسلاته. ينبغي على الشرطة أن تحاول حماية أفراد الجمهور، والاستماع عندما يقولون “لقد طُعنت” و”لا أستطيع التنفس”. هذا هو جوهر الخدمة العامة، سواء كان الشخص الذي يقول ذلك أبيض اللون أم لا. 

والسؤال الأكبر هو ما إذا كان فاراج قد تمادى الآن، وما إذا كان الاعتدال والتسامح الشهيران للشعب البريطاني سيفرضان نفسهما ويوقفان مسيرته نحو داونينغ ستريت (رئاسة الوزراء). إن تاريخ الاستعمار وسيادة البيض هو الوجه الآخر لبريطانيا الذي يغذي السياسات المناهضة للمهاجرين، ويضرب بجذوره عميقًا في ماضٍ قبيح٬ وتدريس الأطفال هذا التاريخ في المدارس قد يكون بداية٬ وحتى الآن، لا يزال التدريس يقتصر على أسرة تيودور والنازيين، دون ذكر للإمبراطورية. 

ويثبت العمل الموحد ضد العنصرية، كما ظهر في مسيرة “معًا” (Together) الضخمة في لندن هذا الربيع، أن هناك اشمئزازًا شعبيًا من فاراج واليمين المتطرف٬ والآن كشف عن نفسه كزعيم غوغائي، كما كان دائمًآ وراء ذلك السحر المتملق. إن ملاحقة الأصوات العنصرية لحزب “استعادة بريطانيا” (Restore) قد دفعته إلى المعسكر نفسه٬ لقد سقط القناع. وفقط الرد المنسق والجاد هو الذي سيملك فرصة لوقف مسيرة سياسة الغضب نحو داونينغ ستريت.


 

 

اترك تعليقا