العرب في بريطانيا | مسلمو بريطانيا بين الانتماء وتصاعد العنصرية: “ه...

مسلمو بريطانيا بين الانتماء وتصاعد العنصرية: “هذا وطننا”

مسلمو بريطانيا بين الانتماء وتصاعد العنصرية: “هذا وطننا”
مصطفى الدبّاغ مايو 22, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ثمة شيء شديد الزيف في فعالية ترفع شعار “توحيد المملكة”، بينما تفسح المجال لخطاب يخبر المسلمين البريطانيين بأنهم لا ينتمون إلى هذا البلد، ويسخر من ملابس النساء المسلمات.

ما شهدته لندن هذا الأسبوع لم يكن مجرد حدث مسيء، ولا حلقة إضافية في مشهد الجدل العام الموسوم بالتسمم والانقسام. بل كان إنذاراً واضحاً بشأن الاتجاه الخطير الذي تنزلق إليه بعض جوانب السياسة والثقافة الإعلامية في بريطانيا.

حين تتخفى الإسلاموفوبيا في ثوب الوطنية

Far-Right Rally And Stand Up To Racism Counterprotest Takes Place In Central London
مظاهرات لليمين المتطرف في وسط لندن. ( Paul Grover-The Telegraph)

عندما تُغلَّف الإسلاموفوبيا بشعارات الوطنية، ويُتحدث عن مجتمعات كاملة وكأنها تهديد يجب إقصاؤه أو تقييده أو هزيمته، فنحن لم نعد أمام خلاف سياسي طبيعي أو نقاش ديمقراطي حاد.

نحن أمام عملية متعمدة لنزع الإنسانية عن ملايين المواطنين، وهو طريق أثبت التاريخ مراراً أنه لا يقود إلا إلى الظلام.

وقد وثّق تقرير حديث صادر عن مؤسسة “رَنيميد تراست” (Runnymede Trust) تصاعد الإسلاموفوبيا في بريطانيا خلال السنوات الأخيرة، خاصة في أحداث الشغب التي شهدها صيف عام 2024.

كما أظهرت استطلاعات عديدة حجم المشكلة، إذ كشف أحد التقارير العام الماضي أن واحدة من كل ثلاث نساء مسلمات تعرضت بشكل مباشر للإسلاموفوبيا أو العنصرية أثناء استخدام وسائل النقل العام.

المسلمون البريطانيون، الذين يشكلون أكثر من 6 بالمئة من سكان البلاد، ليسوا ضيوفاً في هذا الوطن. هذه بلادنا أيضاً.

نحن ندرّس في مدارسهم، ونتلقى العلاج في مستشفياتهم، ونعمل في مؤسساتهم العامة، وندير شركاتهم، ونتطوع داخل مجتمعاتهم، ونربي أبناءنا هنا. نحن نتشارك مع بقية البريطانيين القلق نفسه، والطموحات نفسها، والإحباطات نفسها، والمستقبل نفسه.

والقول بغير ذلك ليس مجرد تعصب، بل تزوير لحقيقة بريطانيا نفسها.

المخاوف الحقيقية… والاستغلال السياسي

لكن يجب أن نكون واضحين: المواطن العادي القلق من تكاليف المعيشة، أو الأب الخائف على تعليم أطفاله، أو المريض المنتظر طويلاً للحصول على العلاج، أو البريطاني الذي يشعر أن السياسة لم تعد تصغي إليه… هؤلاء ليسوا أعداءنا.

كثير من هذه المخاوف نتشاركها جميعاً، مسلمين وغير مسلمين.

العائلات المسلمة أيضاً تعاني من ارتفاع الفواتير، وأزمة السكن، وتكاليف رعاية الأطفال، وضغط الخدمات العامة، والشعور بعدم اليقين تجاه المستقبل. نحن نقف في الطوابير ذاتها داخل المستشفيات، ونرسل أبناءنا إلى المدارس نفسها، ونعيش في الشوارع نفسها، ونواجه الضغوط ذاتها.

المأساة الحقيقية أن هذه المخاوف الواقعية يجري توظيفها سياسياً من قبل أشخاص لا يملكون حلولاً حقيقية.

فهم لا يقدمون خططاً جدية لإصلاح هيئة الصحة البريطانية NHS، أو بناء مساكن جديدة، أو خفض فواتير الطاقة، أو تحسين التعليم، أو رفع الأجور، أو استعادة الثقة بالحياة السياسية.

بدلاً من ذلك، يقدمون “كبش فداء”.

إنهم يوجّهون الغضب الذي يفترض أن يُوجَّه نحو فشل السياسات والأنظمة، باتجاه الأقليات. ويقنعون الناس بأن جيرانهم هم المشكلة، لا الخيارات السياسية والاقتصادية التي أوصلت هذا العدد الكبير من المواطنين إلى الشعور بالتهميش.

الوطنية الحقيقية لا تُبنى بالكراهية

يدّعي هؤلاء أنهم يتحدثون باسم الوطنية. لكنهم في الحقيقة يقوضون البلد الذي يزعمون الدفاع عنه.

فقوة الدول لا تُقاس بقدرتها على إقصاء الآخرين، بل بمتانة نسيجها الاجتماعي: بالثقة بين الجيران، وبالكرامة التي تُمنح لكل مواطن، وبقدرة المجتمعات المختلفة على الوقوف معاً في الأوقات الصعبة.

وهذا مهم لأن بريطانيا تواجه بالفعل تحديات جدية: خدمات عامة مرهقة، ومجتمعات تشعر بالتجاهل، وثقة متراجعة بالمؤسسات، وعالم يزداد اضطراباً من حولها.

وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الانقسام رفاهية خطيرة لا يمكن تحملها. فالبلد المنقسم داخلياً يصبح أضعف بكثير في مواجهة الضغوط القادمة من الخارج.

الإسلاموفوبيا ليست قضية ثانوية

UK Daily Life 2024

لهذا السبب، يجب على السياسيين ووسائل الإعلام والسلطات العامة أن تتوقف عن التعامل مع الإسلاموفوبيا باعتبارها قضية هامشية أو ثانوية.

فلو استُخدمت اللغة نفسها ضد أي أقلية أخرى، لكانت قد أثارت غضباً واسعاً وتحقيقات وعواقب سياسية وقانونية واضحة. والمسلمون البريطانيون يستحقون القدر نفسه من الحماية والكرامة والاعتراف.

القانون يجب أن يُطبق على الجميع بالمعايير نفسها. والإدانة العلنية يجب أن تكون ثابتة ومتسقة.

كما يجب التوقف عن تبييض خطاب الكراهية تحت شعارات “الجدل” أو “حرية التعبير”، بينما هو في حقيقته شيطنة لمجتمع ديني كامل.

لكن الحل لا يمكن أن يكون قانونياً أو مؤسساتياً فقط، بل يجب أن يكون مجتمعياً أيضاً.

نحن بحاجة إلى سردية أفضل عن بريطانيا، مختلفة عن تلك التي يروّج لها من يستثمرون في الانقسام. فالمواطنة لا ينبغي أن تكون مشروطة أبداً.

بريطانيا التي نريدها

طفل مسلم يشعر بالأمان والانتماء داخل بريطانيا لا يجعل أي شخص آخر أقل بريطانية. والمسجد الذي يخدم مجتمعه المحلي لا يضعف البلاد.

التنوع، حين يقوم على الاحترام المتبادل والمواطنة المشتركة، ليس تهديداً للتماسك الوطني، بل جزءاً من الواقع البريطاني المعاش.

British Muslims | Muslim Council of Britain | Representing British Muslims

مهمتنا ليست اتهام كل مواطن قلق بأنه عنصري أو كاره، ولا إنكار وجود مشكلات حقيقية داخل بريطانيا. بل مهمتنا أن نميز بين المخاوف المشروعة وبين من يستغلون هذه المخاوف لنشر الكراهية.

علينا أن نخاطب قلق الناس دون أن نغذي الأحكام المسبقة، وأن نبني قضية مشتركة حول ما يهم فعلاً: خدمات عامة لائقة، ومجتمعات آمنة، ومستقبل مستقر، وبلد لا يُعامل فيه أحد كغريب داخل وطنه.

المسلمون البريطانيون مستعدون للمشاركة في هذا المشروع، كما كانوا دائماً.

فنحن نقف ضد الكراهية الموجهة لأي مجتمع، ليس فقط لأنها خطأ أخلاقي، بل لأننا نؤمن ببريطانيا أقوى: بريطانيا لا يُدفع فيها الناس إلى الخوف من جيرانهم، ولا يتحول فيها الخلاف إلى نزع للإنسانية، ولا تصبح فيها “الوحدة” مجرد رفع للأعلام بينما تُمزَّق المجتمعات من الداخل.

اليمين المتطرف يقدم الانقسام ويسميه قوة.

أما نحن، فعلينا أن نقدم شيئاً أفضل: التضامن، والكرامة، ومستقبلاً مشتركاً للجميع.

المصدر: ميدل إيست آي


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا