مراثي الوقت الضّائع
ثمّة أشياء حين تضيع، يمكن العثور عليها في مكانٍ ما.
المفاتيح مثلاً، أو الرّسائل القديمة، أو حتى بعض البشر الذين تعيدهم المصادفات إلينا بعد سنواتٍ طويلة من الغياب.
أمّا الوقت… فهو الشيء الوحيد الذي إذا غادر، أغلق الباب خلفه إلى الأبد.
لا شيء أكثر قسوةً من الزمن حين يمضي.
إنه لا يلتفت وراءه، ولا يتردد، كما لا تمنعه دموع الندم، ولا ترجوه الأمنيات.
يمرّ كقافلةٍ عمياء فوق أعمارنا، يترك في أرواحنا غبار السنين، ثم يختفي بعيداً بينما نظل نحن واقفين على أطلال لحظاتٍ لم نُحسن عيشها.
والمأساة أن الإنسان لا يشعر بانهيار عمره دفعةً واحدة، ولكن ببساطةٍ ينهار ببطءٍ شديد، بطريقةٍ تكاد لا تُرى.
تضيع السنوات كما تضيع قطرات الماء من إناءٍ مثقوب؛ قطرةً قطرة، حتى نصحو ذات يوم فنجد أن نصف الحياة قد تسرب من بين أيدينا دون أن ننتبه.
كم يبدو الزمن كريماً في البدايات.
يعطي الإنسان وهمَ الاتساع، فيتصرف المرء وكأن العمر لا ينتهي.
يؤجل أحلامه إلى الغد، ويؤخر الحب إلى وقتٍ أنسب، والاعتذار إلى فرصةٍ أخرى، والكتابة إلى يومٍ أكثر صفاء، والعيش نفسه إلى حينٍ لا يأتي أبداً.. ثمّ فجأةً يكتشف أن الغد الذي كان يظنه بعيداً، صار ماضياً مزدحماً بالندم.
إن أكثر ما يحطم الروح ليس فشل الإنسان، ولكن شعوره أنه لم يعش كما كان ينبغي له أن يعيش.
هناك فرقٌ هائل بين من خسر وهو يحاول، ومن خسر عمره كله في الانتظار.
فالانتظار الطويل لا يسرق الوقت فقط، وإنّما يسرق ملامح الروح أيضاً.
يجعل الإنسان يشيخ من الداخل قبل أن يظهر الشيب على رأسه.
ولعلّ أكثر المقابر امتلاءً في هذا العالم ليست مقابر الموتى، ولكن مقابر الأحلام المؤجلة.
كم من موهبةٍ دفنتها الخشية؟
وكم من قصة حبٍّ ماتت لأن أحدهم تأخر في قول كلمة؟
وكم من إنسانٍ عاش عمره يراقب الحياة من بعيد، كأنه ضيفٌ عابر لا يحق له أن يشارك الآخرين فرحتهم؟
إن الوقت لا يرحل وحده، فهو يأخذ معه نسخةً منا في كل مرة.
كل دقيقةٍ تمضي تحمل معها إنساناً كنّا نستطيع أن نكونه، وحياةً كان يمكن أن نعيشها، وكلمةً كان يجب أن تُقال، وطريقاً لم نجرؤ على السير فيه.
ولهذا يبدو الندم ثقيلاً إلى هذا الحد؛ لأنه ليس حزناً على ما مضى فقط، ولكن حزنٌ على ذواتٍ كاملة ماتت داخلنا دون أن تولد حقاً.
ما أشدّ مرارة أن يكتشف الإنسان متأخراً أن الحياة لم تكن تنتظره.
كان يظن أن أمامه متسعاً هائلاً من الوقت، بينما كانت الأيام تُطوى بصمت خلف ظهره.
فالزمن لا يتوقف لمن يتردد، ولا يبطئ خُطاه لأجل الحائرين، ولا يمنح نسخةً أخرى لمن أضاع نسخته الأولى.
وحين يكبر الإنسان، لا تؤلمه السنوات بقدر ما تؤلمه الفراغات التي تركها فيها.
يتذكر الأيام التي مرّت بلا معنى، والساعات التي أُهدرت على أشياء تافهة، والقلق الذي استنزف قلبه دون جدوى، والمعارك الصغيرة التي ظنّها يوماً عظيمة ثم اكتشف لاحقاً أنها لم تكن تستحق دقيقةً واحدة من عمره.
في لحظةٍ ما، يدرك المرء أن العمر لم يكن طويلاً كما تخيّل.. وأن الحياة لم تكن تلك المساحة اللامحدودة التي تسمح بكل هذا التأجيل.
يدرك أن اللحظات العادية التي مرّت عليه بلا اكتراث، كانت في الحقيقة أثمن ما يملك.
ففنجان القهوة مع شخصٍ نحبه، وحديث الأم العابر، وضحكة الأصدقاء، والمشي في طريقٍ مألوف، والأيام التي بدت عاديةً جداً… كانت الحياة نفسها، لكننا لم نكن ننتبه.
نحن لا نخسر الوقت فقط، نحن نخسر أنفسنا داخله.
فكل يومٍ يمرّ دون معنى يترك في الروح فراغاً خفياً، وكل حلمٍ مؤجل يتحول مع الزمن إلى حسرة، وكل خوفٍ يمنعنا من العيش يصبح سجناً نبنيه بأيدينا ثم نشتكي من ضيقه.
ولأن الزمن لا يعود، فإن أكثر ما يخيف الإنسان ليس الشيخوخة، ولكن فكرة أن يصل إلى نهايته دون أن يشعر أنه عاش فعلاً.
أن يكتشف في آخر الطريق أن أيامه كانت مجرد عبورٍ باهت بين الصباح والمساء، وأن عمره تبخر في الانتظار والخوف والتردد.
لهذا، ربما ليست الحكمة أن نعيش طويلاً، ولكن أن نعيش بامتلاء.
أن نعطي اللحظة حقها قبل أن تتحول إلى ذكرى بعيدة.
أن نقول ما نشعر به قبل أن يصبح الكلام متأخراً، وأن نبدأ قبل أن يستهلكنا التردد، وأن نفهم أخيراً أن الحياة لا تؤجل نفسها لأحد.
فالوقت، على قسوته، عادلٌ جداً.
إنه يمنح الجميع المقدار ذاته من الساعات، ثم يرحل، تاركاً لكل إنسان مهمة الإجابة عن السؤال الأصعب:
ماذا فعلتَ بعمرك قبل أن يصبح مجرد ذكرى؟
الرابط المختصر هنا ⬇