ماذا لو لم تكن عربيًا؟
ماذا لو استيقظت ذات صباح، ولم تكن عربيًا؟
ماذا لو لم تحمل في لسانك تلك اللغة التي تشبه قصيدةً قديمة، ولا في ذاكرتك صهيل الخيل، ولا في حكايات جدّتك أسماء المدن التي عبرت بها القوافل، ولا في قلبك ذلك الحنين الغامض إلى أرضٍ ربما لم تطأها يومًا، لكنك تشعر، على نحوٍ لا تفسير له، أنها جزء منك؟
ماذا لو لم تكن عربيًا؟
ربما كنت ستعيش أخفّ وطأةً منّا؛ فلا تُطالب كلما نطقت أن تشرح تاريخك، ولا كلما أحببت أرضًا أن تبرر انتماءك إليها، ولا كلما حملت جرحًا أن تثبت للعالم أنك لست هذا الجرح وحده.
لكنّك، في المقابل، كنت ستفقد شيئًا لا يُرى بسهولة.
كنت ستفقد تلك القدرة العجيبة على أن تحمل في كلمةٍ واحدة أجيالًا كاملة.
فالعروبة، في معناها الأعمق، ليست دمًا يسري في العروق، ولا حدودًا رُسمت على الخرائط، ولا رايةً تُرفع في المناسبات. إنها ذاكرة طويلة، أحيانًا أثقل من أصحابها؛ ذاكرة امرئٍ وُلد وفي داخله شيءٌ من المعلّقات، وشيءٌ من رائحة الخبز، وشيءٌ من نحيب الأمهات، وشيءٌ من كبرياء الصحراء، وشيءٌ من المدن التي كلما حاول التاريخ أن يمحوها أعادت كتابة نفسها.
ماذا لو لم تكن عربيًا؟
لما عرفت أن اللغة يمكن أن تكون وطنًا.
فالعربي قد يُنفى من مدينته، ويُقتلع من بيته، ويعبر البحار، ويستيقظ في بلدٍ لا يعرف أسماء شوارعه، ثم يجد نفسه، حين يقول: «أشتاق»، قد عاد إلى شيءٍ لم يستطع المنفى اقتلاعه منه.
هذه اللغة ليست وسيلةً للكلام فحسب؛ إنها بيتٌ واسع، كلما ضاقت بنا الأرض اتسعت لنا الكلمات.
فيها قال شاعرٌ إن الحب موتٌ صغير، وقال آخر إن الوطن ليس ترابًا، ولكن ما يسكن في الروح منه. وفيها حفظنا القرآن، وتغنّينا بالشعر، وكتبنا الرسائل إلى الغائبين، وسمّينا أبناءنا بأسماء من سبقونا، كأننا نرفض أن تنقطع السلسلة.
ماذا لو لم تكن عربيًا؟
لربما لم تفهم لماذا تستطيع أغنيةٌ قديمة أن تهزم أعوامًا كاملة من النسيان.
ولما فهمت لماذا تدمع العين حين نسمع موالًا عن أمٍّ تنتظر ابنها، أو عن وطنٍ بعيد، أو عن حبيبٍ غاب ولم يعد.
لأننا، نحن العرب، لم نتعلم الحنين؛ لقد ورثناه.
ورثنا من الأندلس سؤال العودة، ومن بغداد وجع السقوط، ومن القدس معنى أن يبقى المكان حاضرًا حتى حين يُغلق دونه الطريق، ومن دمشق ذاكرةً لا تشيخ، ومن مصر صلابة الأهرامات، ومن كل مدينةٍ عربيةٍ حكايةً تقول إن الإنسان قد يخسر كل شيء، لكنه يستطيع أن يحتفظ باسمه في قلبه.
غير أن العروبة ليست مجدًا خالصًا؛
وهنا تكمن المفارقة.
فنحن أبناء حضارةٍ عظيمة، لكننا كثيرًا ما نقف عاجزين أمام حاضرٍ لا يشبه ماضينا. نحمل أسماء العلماء، ثم ننسى أن العلم مسؤولية. نفتخر بالشعر، ثم نهجر الكتاب. نتغنى بالأمجاد، ثم ننسى أن الحضارات لا تعيش على الذكرى، بل على ما تصنعه أيدي أبنائها كل صباح.
فماذا يعني أن تكون عربيًا اليوم؟
ربما يعني أن تتوقف عن اعتبار الماضي وسادةً للنوم، وأن تجعله جسرًا للمستقبل.
أن تفهم أن ابن الخيام ليس أعظم منك لأنه سبقك، وإنّما لأنه علّمك أن تسأل. وأن ابن الهيثم لم يكن مجده في أنه عربي فقط، ولكن في أنه جعل من الشك طريقًا إلى اليقين. وأن المتنبي لم يخلّد لأنه قال الشعر فحسب، وإنّما لأنه جعل اللغة قادرةً على أن تكون موقفًا وكبرياءً ووجودًا.
أن تكون عربيًا يعني أن تعرف أن الهوية ليست قفصًا.
فالذي يولد عربيًا ليس أفضل من غيره لمجرد مولده، كما أن الذي يولد في أرضٍ أخرى ليس أقل شأنًا. الإنسان لا يختار مهدَه، لكنه يختار ماذا يفعل بالميراث الذي وصل إليه.
ولهذا، ربما يكون السؤال الحقيقي
ماذا ستفعل لأنك عربي؟
هل ستجعل لغتك أكثر جمالًا؟
هل ستجعل وطنك أكثر عدلًا؟
هل ستحمل ثقافتك إلى العالم بوصفها معرفةً لا تعصبًا، وذاكرةً لا قيدًا، وحضارةً لا ذريعةً للتعالي؟
هل ستكتب تاريخك بيدك، أم تترك الآخرين يكتبونه عنك؟
ماذا لو لم تكن عربيًا؟
ربما كنت ستعيش بلا كل هذه الأثقال.
لكنني أظن أنك كنت ستفقد أيضًا تلك النار الخفية التي تجعلنا، مهما ابتعدنا، نعود إلى شيءٍ في داخلنا لا نعرف له اسمًا.
شيءٌ يشبه رائحة التراب بعد المطر،
يشبه صوت أمٍّ تنادي ابنها من آخر البيت،
يشبه بيتًا قديمًا لم يعد قائمًا، لكنك تستطيع أن تغمض عينيك فتراه،
يشبه لغةً تقول لك، كلما أرهقك العالم:
أنت لست عابرًا.
لقد سبقك إلى هذه الأرض أناسٌ كثيرون، وتركوا فيها شيئًا منك، كما ستترك فيها شيئًا لمن سيأتي بعدك.
وربما كان أعظم ما في أن تكون عربيًا، أنك لا تولد وحدك.
تولد ومعك أجدادك، وأغنياتهم، وخطاياهم، وأحلامهم، وانتصاراتهم وانكساراتهم، وتولد وفي عنقك أمانةٌ لا تظهر في شهادة الميلاد:
أن تكون حلقةً في سلسلة طويلة،
فإن لم تستطع أن تضيف إلى مجدها، فلا تكن حجرًا في طريقها، وإن عجزت عن صناعة التاريخ، فلا تكن ممن يهدمون ما صنعه السابقون.
فالعروبة ليست أن تقول: كان لنا.
العروبة أن تستطيع يومًا أن تقول:
سيكون لنا.
الرابط المختصر هنا ⬇


