لويز هيغ أقوى امرأة في بريطانيا
حين ترفع صحيفة «أوبزرفر» صورة لويز هيغ لتتوّجها على غلافها بلقب «المرأة الأكثر نفوذاً في بريطانيا»، متكئةً على تصريحها الحاسم الذي تقارن فيه حزمها بحزم رئيس الحكومة آندي بيرنهام: «أنا أشدُّ منه حزماً وقسوة»، فإن الإشعار هنا لا يستدعي مجرد تغييرٍ في موازين القوى داخل «داونينغ ستريت» والمطبخ الحكومي الضيق، بل يوقظ فوراً طيف مارغريت تاتشر المستقر في الذاكرة السياسية لبريطانيا.
غير أن مقارنة «صلابة شيفيلد» (Sheffield steel) التي تحملها هيغ بـ«حديد» تاتشر ليست مجرد استعادة مجازية لصلابة النساء في سدة الحكم؛ بل هي تفكيك لمفهوم السلطة ذاته في بريطانيا ما بعد البريكست، وما بعد انهيار الثقة الشعبية في الطبقة السياسية التقليدية.
تاتشر انتزعت الحديد لتصوغ منه عقيدة نيوليبرالية صدامية أعادت هندسة المجتمع بالقوة والحزم، وفرضت حضورها عبر خطاب أبوي مباشر، لا يترك مجالاً للالتباس فيمن يمسك بالمقود.
كانت «المرأة الحديدية» هي الواجهة، وهي القرار، وهي الصوت الذي يعلو فوق كل الأصوات. لويز هيغ، في المقابل، لا تحتاج إلى لقب درامي لتثبت نفوذها؛ فهي تمارس قوتها من موقع مختلف بالكامل، موقع «المهندس الفعلي» الذي يدير الآلية المعقدة للحكومة بدقة جراحية، من خلف الستار، بوصفها السكرتيرة الأولى ووزيرة الدولة الأولى، أي النائبة الفعلية لرئيس الحكومة، واليد الضاربة التي تشرف مباشرة على عصب مجلس الوزراء وتوجيه أولويات الدولة.
هيغ ليست مجرد وزيرة بارزة في حكومة بيرنهام؛ ترتيب اسمها في القائمة الرسمية لوزراء الحكومة الصادرة عن الخدمة المدنية يأتي مباشرة بعد رئيس الوزراء، وفوق وزير المالية ووزير الخارجية ووزير الداخلية، أي فوق أصحاب المناصب التي اعتاد البريطانيون أن ينظروا إليها بوصفها قمّة الهرم التنفيذي.
حين غاب بيرنهام بعد وفاة والده مطلع هذا الشهر، لم تهتز ماكينة الدولة؛ جلست هيغ على رأس الطاولة وترأست مجلس الوزراء، كما لو أن النظام نفسه كان يختبر قدرته على العمل تحت قيادة «العقل الثاني» الذي لا يظهر كثيراً في الصور، لكنه حاضر في كل قرار.
هذه المرأة التي تقول بثقة شبه ساخرة: «أنا أكثر حزمًا منه بكثير، فأنا أنهي عملي في الغالب في الوقت المحدد»، ليست حازمة فقط في إدارة الوقت؛ بل حازمة في إدارة معنى السلطة.
ووجودها اليوم يفكك القصة الفلكلورية المتعلقة بنظرة ونستون تشرشل للمرأة، فعندما كانت البريطانيات يخرجن في احتجاجات للمطالبة بحقهن الانتخابي، سأل أحد مساعدي تشرشل عن الإجراء المناسب لمواجهة هذه الاحتجاجات، فرد بغطرسته المعهودة وعنصريته ضد النساء بأنه سيخرج غداً مع حفنة من الرجال في تظاهرة أمام أكبر مستشفى في لندن للمطالبة بحق الرجال في الحمل والولادة! “منحت بريطانيا المرأة الحق في التصويت الانتخابي عام 1928”.
خلف سيرة لويز هيغ شرطية خاصة سابقة في شرطة العاصمة، تقف تجربة شخصية مكثفة مع الخوف ذاته: «لقد شعرتُ بالخوف أكثر بوصفي سياسية مما شعرتُ به عندما كنت ضابطة شرطة». هذه الجملة وحدها تكشف عن إدراك عميق لطبيعة المخاطر في السياسة البريطانية اليوم؛ فالمواجهة لم تعد مع الجريمة في الشارع، بل مع بنية نظام يترنح بين ضغط الشارع، وضغط الإعلام، وضغط الأسواق، وضغط النقابات، وضغط الأقاليم التي تشعر أن لندن لم تعد تمثلها.
هيغ تحمل شيفيلد في صوتها وفي خطابها؛ المدينة الصناعية التي عرفت معنى الفاتورة الاجتماعية للسياسات النيوليبرالية، والتي دفعت ثمن التحولات الاقتصادية القاسية منذ عهد تاتشر. حين تتجول في حديقة مدينتها الأم وتتحدث عن رؤيتها لبريطانيا «أكثر اشتراكية وعدلاً»، فهي لا تستعيد شعارات يسارية قديمة؛ بل تعيد تعريف الاشتراكية بوصفها محاولة لإنقاذ ما تبقى من العقد الاجتماعي في بلدٍ باتت فيه الفوارق الطبقية جزءاً من المشهد اليومي، لا من كتب التاريخ.
في خطابها الأخير أمام مؤتمر النقابات العمالية، لم تتحدث هيغ بلغة تكنوقراطية باردة؛ بل خاطبت الكونغرس العمالي بعبارات تحمل نبرة تعبئة واضحة: «نتحدّى في هدف مشترك لإيجاد مجتمع يكون فيه كل فرد، في كل مكان، تتاح له الفرصة لتحقيق إمكاناته الكاملة وعيش حياة أكثر ثراءً وإشباعاً يستحقونها». ثم تستدعي جملة النقابي الاسكتلندي الراحل جيمي ريد من خطابه الذي حمل عنوان “الاغتراب”، عن الأنظمة الاقتصادية التي تحركها الربح وكيف تجرد الناس من إنسانيتهم، وتحول المجتمع البشري إلى “حديقة حيوانات بشرية” تنافسية، وقالت «سباق الفئران هو للفئران».
هذه ليست مجرد استعارة؛ إنها إعلان رفض لنموذج اقتصادي اجتماعي حوّل المجتمع إلى مضمار تنافس فردي محموم، وترك الدولة تتفرج على مواطنيها وهم يتسابقون بلا شبكة أمان.
حين تقول هيغ إنها ذهبت إلى العمل يوم وفاة أختها، ثم تدفع اليوم بقوانين جديدة تضمن ألا يُجبر الآخرون على ذلك، فهي لا تروي حكاية شخصية للتعاطف؛ بل تضع تجربتها الخاصة في قلب النقاش بشأن طبيعة الدولة: هل هي دولة ترى المواطن موظفاً في آلة إنتاج، أم دولة تعترف بإنسانيته وحقه في الحزن والغياب والضعف؟ هذا النوع من التشريع الاجتماعي ليس تفصيلاً؛ إنه جزء من إعادة تعريف السلطة بوصفها مسؤولية أخلاقية، لا مجرد إدارة أرقام في وزارة المالية.
وجود «امرأة هي الأقوى» في بريطانيا لم يعد مجرد إنجاز نسوي يتباهى به الإعلام؛ بل أصبح إعلاناً عن تحول في طبيعة القوة نفسها. لم تعد السلطة حكراً على الخطاب الأبوي المباشر الذي يمسك بالمنبر ويخاطب الأمة من عَلٍ؛ بل انتقلت إلى نموذج «المهندس الفعلي» الذي يدير شبكة معقدة من المصالح والملفات، ويضبط إيقاع الحكومة من دون أن يرفع صوته كثيراً.
تاتشر أثبتت للبريطانيين أن المرأة تستطيع أن تحكم بقبضة من حديد؛ أما هيغ فتمضي لتبين أن المرأة قد تكون هي العقل المدبر الذي يمسك بمفاتيح القوة الفعلية، في بلدٍ يدرك تاريخياً أن الأباطرة والوزراء يروحون ويجيئون، لكن من يملك إدارة الفاتورة والأولويات هو وحده من يوجه شراع المملكة.
في بريطانيا اليوم، حيث تتقاطع أزمات الهُوية الوطنية مع أزمات الاقتصاد ومع إرث بريكست ومع تصاعد الشعبوية، تبدو شخصية مثل لويز هيغ تجسيداً لتحول عميق في بنية الحكم: من زعيم واحد يختزل الدولة في صورته، إلى شبكة قيادة تتوزع فيها السلطة بين رئيس حكومة يواجه الجمهور، ووزيرة دولة أولى تمسك بالخيوط الدقيقة للقرار.
هذا التحول لا يعني نهاية الزعامة الكلاسيكية، لكنه يعني أن من يريد فهم مستقبل القوة في بريطانيا عليه أن ينظر إلى ما وراء الواجهة، إلى حيث تجلس امرأة من شيفيلد، تحمل صلابة الفولاذ في صوتها، وتعيد رسم حدود السلطة من دون أن تطلب لقب «المرأة الحديدية».
الرابط المختصر هنا ⬇


