العرب في بريطانيا | "لندن ماغازين": أقدم دورية إنجليزية ت...

“لندن ماغازين”: أقدم دورية إنجليزية تنفتح بخطاب معتدل على الثقافة العربية

"لندن ماغازين": أقدم دورية إنجليزية تنفتح بخطاب معتدل على الثقافة العربية
كرم نعمة يونيو 19, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

حين يكتشف القارئ العربي أن مالك وناشر أعرق مجلة ثقافية في بريطانيا هو العراقي الدكتور برهان الجلبي، تتسع دائرة الدهشة أكثر عندما يطالع محتوى “لندن ماغازين” نفسها. فالمجلة التي تأسست عام 1732 ما زالت حتى اليوم واحدة من أهم المنابر الأدبية في العالم الناطق بالإنجليزية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إلى أي مدى كانت هذه الدورية العريقة منصفة في تقديم الأدب العربي للقارئ البريطاني؟

الدكتور الجلبي، رجل الأعمال العراقي المقيم في لندن منذ ستينيات القرن الماضي، يقدّم إجابة واضحة. فمنذ استحواذه على المجلة عام 2010، أعاد صياغة خطابها التحريري، وفتح صفحاتها أمام الثقافة العربية، ساعيًا — كما يقول — إلى “تصحيح صورة شعوب تعرّضت لظلم ثقافي وسياسي طويل”.

بالنسبة إليه، لا تمثل المجلة مشروعًا تجاريًا فحسب، بل مشروعًا ثقافيًا يسعى إلى إعادة التوازن إلى سردية طالما احتكرها الغرب.

تُعد “لندن ماغازين” أقدم دورية أدبية مستمرة في إنجلترا. وعلى مدى ثلاثة قرون، حافظت على جوهرها بوصفها منصة للنصوص الرفيعة وبيتًا للأصوات التي صنعت تاريخ الأدب الإنجليزي.

ففي القرن التاسع عشر، نشرت أعمال بيرسي بيش شيلي وويليام هازليت وجون كيتس.

وفي القرن العشرين، كانت صفحاتها موطنًا لكل من تي. إس. إليوت، ودبليو. إتش. أودن، وفرجينيا وولف، وإرنست همنغواي، وعزرا باوند.

وفي العقود الأخيرة، احتضنت نصوصًا لكتّاب عالميين مثل نادين غورديمر، وديريك والكوت، وويليام بويد، وغابرييل غارسيا ماركيز.

ولعل ما يضاعف قيمة هذا الإرث أن هذه الأسماء التي صنعت مجد الأدب العالمي، نُشر نتاجها في مجلة يمتلكها اليوم عراقي–بريطاني يرى في الثقافة العربية جزءًا أصيلًا من المشهد الإنساني.

يرأس تحرير المجلة الشاعر البريطاني ستيفن أوبراين، صاحب مجموعتي “حجر التكهن” و“أحلام التل المظلم”، ومؤلف كتاب “اللعبة الكبرى: مغامرة إمبراطورية”.

يمتلك أوبراين معرفة لافتة بالأدب العربي، ويُدرّس الكتابة الإبداعية في جامعة بورتسموث، ويشرف على برنامج الماجستير فيها، كما يشغل منصب زميل زائر في جامعة تشيتشيستر. أطروحته للدكتوراه تناولت سؤالًا جماليًا في الخيال الشعري، وهو ما ينعكس بوضوح على حساسيته التحريرية.

منذ تولي الجلبي إدارة المجلة، اتخذت “لندن ماغازين” مسارًا جديدًا في التعامل مع الثقافة العربية. فقد نشرت دراسات عن احتفاء بدر شاكر السيّاب وعبد الوهاب البياتي بالشاعر الإسباني غارسيا لوركا، وأخرى عن دلالة الصمت في الشعر العربي، وثالثة عن قصائد الحب الكبرى في التراث العربي.

"لندن ماغازين": أقدم دورية إنجليزية تنفتح بخطاب معتدل على الثقافة العربية

وفي دراسة مقارنة، أوضحت المجلة للقارئ البريطاني أن شخصية مجنون ليلى تمثل المعادل الأدبي لروميو وجولييت في المخيال الغربي.

كما خصصت ملفًا احتفائيًا بالشاعرين السوريين أدونيس ونزار قباني، مؤكدة أن مكانتهما بين أبرز شعراء العالم المعاصرين “لا يكاد ينكرها أحد”.

أما الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، فقد وصفت قصيدته “إرادة الحياة” بأنها “النداء الذي لم يخفت في الذاكرة العربية”، وأنها ما تزال تُقرأ في العالم العربي بقوة وحيوية لافتتين.

وفي الفنون التشكيلية، نشرت المجلة عرضًا موسعًا عن الفنانة الأردنية فخر النساء زيد، معتبرة أنها لا تقل قيمة عن كبار التشكيليين العالميين.

كما احتفت بأعمال الروائي والقاص العراقي حسن بلاسم، ووصفت روايته “المسيح العراقي” بأنها “استثنائية”، ومجموعته “مجنون ساحة الحرية” بأنها “نموذج لافت للأدب العراقي الجديد”. وتناولت أيضًا كتابًا نقديًا للروائي العراقي فاتح عبد السلام.

وتفتح الشاعرة والكاتبة الفلسطينية ماي سرحان في حوار مع المجلة مساحة تأملية حول معنى المنفى، بوصفه ليس مجرد حالة جغرافية، بل بنية داخلية تعيد تشكيل الكاتب من جذوره. تتحدث سرحان عن علاقتها بالشكل الشعري، وعن محاولتها الدائمة لابتكار لغة قادرة على حمل التجربة الفلسطينية دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية.

ترى سرحان أن المنفى — سواء كان قسريًا أو اختياريًا — يخلق حساسية جديدة تجاه التفاصيل، ويمنح الكاتب قدرة على النظر إلى العالم من مسافة نقدية. وتناقش كيف يتحول “الابتعاد” إلى أداة جمالية، وكيف يصبح الصمت جزءًا من بنية النص لا فراغًا بين الكلمات.

المقابلة تكشف للقارئ الإنجليزي كاتبة ترى الأدب بوصفه تكوينًا مستمرًا للذات، وتجربة عربية معاصرة تتشكل عند تقاطع الذاكرة والمنفى واللغة.

ويكتب الروائي اللبناني ناجي بختي في “لندن ماغازين” عن ثلاث جغرافيات متباعدة ظاهريًا: بيروت، غزة، وغلانجويلي — القرية الويلزية الصغيرة التي عاش فيها فترة من حياته.

يربط بختي بين هذه الأمكنة عبر خيط إنساني واحد: الهشاشة. فبيروت مدينة تعيش على حافة الانفجار، وغزة تعيش تحت الحصار، وغلانجويلي قرية ريفية تبدو آمنة لكنها تخفي قلقًا من نوع آخر.

يقدّم بختي تأملًا في معنى الانتماء، وكيف يمكن للكاتب العربي أن يحمل مدينته معه حتى وهو يعيش في أقصى الغرب.

يقدّم المقال للقارئ البريطاني صورة مركّبة عن العالم العربي بعيدًا عن التبسيط، ويكشف قدرة الأدب على وصل أماكن لا يجمعها شيء سوى الذاكرة الإنسانية.

وفي مقال بعنوان “الغابات والأرواح: الفن التشكيلي من مدرسة الخرطوم”، تقدّم المجلة قراءة فنية لافتة عن معرض أقيم في غاليري ساتشي في لندن، يسلّط الضوء على أعمال فنانين سودانيين ينتمون إلى ما يُعرف بـ“مدرسة الخرطوم” في الفن التشكيلي.

تجيب هذه القراءة عن سؤال كيف استطاع فنانو الخرطوم المزج بين الرموز الإفريقية والخط العربي والحداثة البصرية.

وتُبرز الدور الريادي لفنانين سودانيين في خلق لغة تشكيلية خاصة تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، وتقدّم للقارئ البريطاني مشهدًا فنيًا عربيًا–إفريقيًا قلّما يحظى بالاهتمام في الصحافة الثقافية الغربية.

تكشف هذه المادة النقدية عن حيوية الفن السوداني، وقدرته على التعبير عن الذاكرة والهوية والروحانية من خلال مفردات بصرية مبتكرة.

هذا الانفتاح الثقافي على الثقافة العربية ليس شائعًا في الصحافة البريطانية، لكنه يبدو مفهومًا عند قراءة سيرة الدكتور الجلبي. فقد وصل إلى لندن عام 1965 ضمن بعثة دراسية، وتلقى تعليمه الإعدادي والثانوي فيها، ثم حصل على بكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، فدرجتي ماجستير، ثم دكتوراه في اقتصاد التخطيط الصناعي.

تدرّج داخل حزب المحافظين حتى أصبح عضوًا في عدد من لجانه الاستشارية، كما انضم إلى معهد تشاتام هاوس، ونادي المحافظين، ومجلس الشؤون الخارجية والكومنولث.

ينحدر الجلبي من عائلتين عريقتين في العراق: عائلة الجليلي من جهة والدته المعروفة بإرثها الأدبي، وعائلة الجلبي الموصلية من جهة والده، التي يعتز بانتمائه البرجوازي إليها.


إقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 19 يونيو 2026
ملك الشمال يعود للبرلمان.. هل يطيح بـ" ستارمر" وينتزع زعامة العمال؟ بعد غياب 9 سنوات، عاد "أندي بيرنام" إلى البرلمان البريطاني بفوز كاسح في انتخابات ماكيرفيلد الفرعية لعام 2026 حاصدًا 24,927 صوتًا. تعرف على أبرز محطاته السياسية👇🏻 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 19 يونيو 2026
مباشر | ربط الأسرة العربية المسلمة في الغرب بالهجرة والتاريخ الهجري https://x.com/i/broadcasts/1RJZzzngmZwJB
𝕏 @alarabinuk · 19 يونيو 2026
هل تبحث عن مدرسة تجمع بين جودة التعليم والحفاظ على هوية طفلك الإسلامية والعربية في بريطانيا؟ ✨ مدرسة النجاح العربية في لندن هي الخيار الآمن لطفلك، والتي تضمن له بيئة تعليمية متميزة تحت إشراف كادر تعليمي مؤهل يحمل شهادات التأهيل…
𝕏 @alarabinuk · 19 يونيو 2026
أعلنت السلطات البريطانية فتح تحقيق عاجل في حادث تصادم قطاري ركاب قرب مدينة بيدفورد شمال لندن، وسط استنفار واسع، حيث هرعت فرق الإنقاذ والطوارئ إلى موقع الحادث. وتواصلت عمليات تأمين الموقع والتعامل مع تداعيات التصادم، فيما طوّقت الشرطة المنطقة بالكامل،…
عرض المزيد على X ←