العرب في بريطانيا | لسنا كما نبدو… عن هشاشة الإنسان خلف صلابة المواقف

لسنا كما نبدو… عن هشاشة الإنسان خلف صلابة المواقف

الإنسان
خلود العيط فبراير 13, 2026
شارك

يولد الإنسان ببعض السمات التي ترافقه منذ الطفولة؛ فهناك من يميل إلى العصبية بطبعه، ومن تغلب عليه الحساسية، ومن يتسم بالهدوء الفطري. لكن الشخصية لا تتشكل بالوراثة وحدها. فالتربية، والبيئة المنزلية، وطريقة تعامل الأهل، والمدرسة، والرفاق، كلها تترك بصمتها العميقة على سلوك الإنسان ونظرته إلى العالم.

ومع ذلك، ثمة عامل آخر لا يقل أثرًا، بل ربما يفوقها جميعًا: “تجارب الحياة الصعبة”.

الظروف القاسية لا تمرّ مرورًا عابرًا في داخل الإنسان. تحمّل المسؤولية في سن مبكرة، الاعتماد على النفس، خيبات الثقة، الأعباء الصحية أو العاطفية، فقدان الأحبة، أو مواجهة مواقف قاسية مع الناس… كلها تترك أثرًا خفيًّا لا يُرى بالعين المجردة. قد يبدو الإنسان قويًّا، متماسكًا، واثقًا من الخارج، لكن داخله قد يكون أكثر رقةً وهشاشةً مما يتصوره الآخرون.

وهنا تكمن المفارقة.

عندما يدخل هذا الإنسان إلى بيئة جديدة، جامعة، أو عمل، أو علاقة اجتماعية، قد تصدر عنه أحيانًا ردة فعل سريعة، أو انفعال مبالغ فيه، أو كلمة لا تعكس حقيقته. قد يندم بعدها بدقائق، وربما بساعات. لكن الآخرين لا يرون ما وراء الموقف. يرون اللحظة فقط، ويُصدرون حكمهم بناءً عليها.

من الطبيعي أن يفعلوا ذلك؛ فليس مطلوبًا من الناس أن يكونوا محللين نفسيين، ولا أن يعرفوا خلفيات كل من يلتقون به. لكن من الحكمة، ومن الإنسانية، أن ندرك أن ما نراه ليس دائمًا الصورة الكاملة.

فالفرق كبير بين إنسان سيئ الطبع، يؤذي عن قصد، ويتلذذ بالإساءة، وبين إنسان أثقلته التجارب فأصبح سريع الانفعال، أو شديد الحساسية، أو دفاعيًّا أكثر مما ينبغي. الأول مشكلة أخلاقية، أما الثاني فهو غالبًا جرح لم يلتئم بعد.

لهذا جاء في الأثر المنسوب إلى النبي ﷺ:
“التمس لأخيك سبعين عذرًا، فإن لم تجد فقل لعل له عذرًا لا أعلمه”.
والمعنى هنا ليس تبرير الخطأ، بل توسيع زاوية النظر. ألا نحبس الإنسان في لحظة غضب، أو كلمة عابرة، أو موقف واحد.

الحكم على الناس من مواقف منفردة ظلمٌ خفي.

الأجدر أن نسأل: كيف هو هذا الشخص في مواضع أخرى؟
هل هو صادق في عمله؟
هل يساعد غيره؟
هل يؤذي أحدًا عمدًا؟

الإنسان يُقاس بمجموع مواقفه، لا بلحظة انفعال.

وكثيرًا ما نخطئ حين نظن أن اللطف الدائم، والمسايرة المستمرة، والابتسامة التي لا تغيب، دليل قاطع على صفاء النية. أحيانًا يكون الصريح، حتى لو أزعجنا، أكثر صدقًا من المجامل الذي لا يخالفنا أبدًا. ليس كل من يضحك معنا صديقًا، وليس كل من يختلف معنا خصمًا.

الحياة تعلمنا مع الوقت أن ننظر أعمق.
أن نفصل بين سوء النية وبين ضعف الإنسان.
أن نميز بين القسوة المتعمدة وبين الانفعال الناتج عن تراكم الألم.

كانت أمي تردد دائمًا مثلًا لبنانيًّا لم أكن أفهمه في صغري: “رافِق اللي بيبكّيك، ولا ترافق اللي بيضحّكك”.
كنت أستغرب عبارتها وأقول في نفسي: وهل ينقص الإنسان همًّا ليصاحب من يزعله؟ ألسنا بحاجة لمن يخفف عنا، لا لمن يثقلنا؟
لكن مع مرور السنوات، أدركت أن المقصود لم يكن الحزن حرفيًّا، بل الصدق. أن ترافق من يواجهك بحقيقتك، حتى لو أزعجك، خيرٌ من أن ترافق من يسايرك ضاحكًا وهو يُخفي وراء ابتسامته ما لا يُحمد عقباه.

لعل شيئًا من الرحمة لبعضنا…
ولعل قليلًا من العذر…
يجعلان علاقاتنا أكثر عدلًا، وأكثر إنسانية.


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 31 يوليو 2026
طابت جمعتكم وتقبل الله منا ومنكم 🕌 إليكم مواقيت صلاة الجمعة الموافق 31 يوليو 2026 في مساجد #بريطانيا تفاصيل أوقات الصلاة⤵️ https://alarabinuk.com/?p=238737 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 30 يوليو 2026
هل أصبحت لندن خطرة كما يدّعي الإعلام الأمريكي؟ عبر جولةٍ ميدانية توثق أنشطتها اليومية من قلب العاصمة، فنّدت المدوّنة البريطانية إيلين فيرارا بينكارد ادعاءات أمريكيين بشأن تراجع الأمان وتزايد الخطر في بريطانيا بسبب المهاجرين. #شاهد وشاركنا رأيك.. كيف ترى مستوى…
𝕏 @alarabinuk · 30 يوليو 2026
من ليبيا إلى قلب لندن... حكاية فنٍّ يتجاوز الحدود. أعمال الفنانة بسمة جعودة في معرض "Trails" أعادت تقديم جماليات الفن الإسلامي والخط العربي بلغةٍ معاصرة، تجمع بين الهندسة والروحانية والتراث، في معرضٍ احتفى بالهوية الثقافية العربية والإسلامية. #شاهد #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 30 يوليو 2026
قبل المروحة الكهربائية.. كان الإنسان هو وسيلة التبريد مع كل موجة حر تشهدها بريطانيا.. هل تعلم أن الإمبراطورية اعتمدت يومًا على البشر بديلًا للمراوح؟ اليوم، يكفي أن تضغط زرًا لتشغيل المروحة.. لكن قبل انتشار الكهرباء، اعتمدت الإمبراطورية البريطانية في مستعمراتها…
عرض المزيد على X ←