قوارب الهجرة ومستقبل دول شمال إفريقيا: لماذا أصبح البحر ملاذ شباب المغارب؟
بعيدًا عن ضجيج منصّات التواصل الاجتماعي وموجات الميمز السّاخرة، تتوارى صورة أكثر إيلامًا وعمقًا تفرض نفسها على الواقع المغاربي. صورة آلاف الشّباب الّذين يلقون بأنفسهم في أعتى الأمواج، مجازفين بأغلى ما يملكون من أجل عبور البحر. غير أنّ النّظر إلى هذه المشاهد يتطلّب عدم الوقوف عند حدود القوارب الخشبية أو المطاطية، بل الغوص في تفاصيل المشهد العام لدول شمال إفريقيا بعد عقود طويلة من نيل استقلالها.
لقد رفعت هذه الدّول أعلامها الوطنية عالية، وكتبت دساتيرها بكثير من الآمال، لكنّها نسيت أو عجزت عن تحقيق الشّرط الأساسي للاستقرار، وهو بناء اقتصاد كافٍ يمنح أغلبية المواطنين فرصةً حقيقيّةً للعيش بكرامة. وبدلًا من توزيع التّنمية بشكل عادل، بقيت الثّروة متمركزة في أيدي بضع عائلات وشبكات محدّدة، ممّا أدّى إلى توسيع الفجوة الاجتماعية واحتضار الطّبقة الوسطى. في ظلّ هذا الانسداد، لم يعد الغد يبنى في الداخل، بل أصبح المستقبل في نظر الكثير من الشّباب كائنًا هناك، على الضّفّة الأخرى من المتوسّط.
ورغم أنّ دول المنطقة، كالمغرب وتونس والجزائر وليبيا، ليست نسخًا متطابقة وتختلف في سياقاتها السّياسية ومواردها، إلّا أنّ الخيط الرّابط بينها يكمن في التّحديّات الاقتصاديّة والاجتماعيّة المتشابهة. هذه التّحدّيات هي الّتي تجعل مشهد الرّحيل يتكرّر بوجوه مختلفة وأساليب متعدّدة، حاملة نفس مرارة الخيبة.
إنّ قوارب الهجرة لم تعد مجرد وسائل تقنية لعبور المياه، بل تحوّلت إلى رسائل صامتة وشديدة البلاغة. إنّها تتجاوز كونها مسافة جغرافية بين ضفتين، لتكشف عن تلك المسافة الفاصلة والعميقة بين المواطن وكرامته في وطنه.
ربّما حان الوقت لتدرك دول المغرب الكبير، أو شمال إفريقيا على اختلاف مسمياتها، أن مصيرها واحد ورباطها مشدود بنفس التّحدّيات. إنّ المستقبل لن يُبنى بالتّمسّك بالخلافات السّياسيّة العقيمة، ولا بالتّنافس على إدارة الأزمات الدّاخليّة أو تصديرها، بل عبر التّفكير الشّجاع في بناء فضاء اقتصادي مغاربي حقيقي ومترابط. فضاء يطلق سراح الاستثمار، ويخلق فرص العمل الفعّالة، ويعيد للشّاب قدرته على الحلم ببناء مستقبله على أرضه، بدلًا من الرّكض وراء سراب خلف البحر.
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇