العرب في بريطانيا | في المهجّر تُقاس الأرواح بقرينها

في المهجّر تُقاس الأرواح بقرينها

في المهجّر تُقاس الأرواح بقرينها
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

الغربةُ لحظةٌ يُنتزع فيها الإنسان من كلِّ ما اعتاده، ليقفَ أمام نفسه عارياً من الضّجيج، بلا أسماء تحميه، ولا وجوه تعرفه، ولا مكان يمنحه شعور الانتماء تلقائيّاً. هنا فقط، في البلاد البعيدة، يبدأ المرء بمعرفة ذاته كما هي، لا كما اعتاد أن يراها في مرايا الناس.

في الوطن تتكاثر العلاقات كما تتكاثر الظّلال تحت شمس الظهيرة؛ الجميع قريبون، والجميع يعرفون بعضهم بطريقةٍ أو بأخرى. أمّا الغربة، فهي نارُ فرزٍ قاسية، تُسقط الزوائد كلّها، وتُبقي حولك القليل فقط: من يُشبه روحك، أو من وجد في ضعفك منفعة، أو من رأى في وحدتك باباً مفتوحاً للدخول.

ولذلك، فإنّ الإنسان يُعرَف في غربته أكثر ممّا يُعرَف في وطنه. لأنّ الصحبة هناك ليست رفاهيةً اجتماعية، وإنّما انعكاس يكشف أعماقك؛ خوفك، وهشاشتك، ومقدار ما بقي فيك من مبادئ حين بعثرتك المسافات.

فحين تتعب الرّوح، تبحث عمّن يُشبه تعبها، ولهذا يهرب بعض النّاس إلى أيّ صحبةٍ تُخفّف عنهم ثقل الصّمت، ولو كانت سامّة. إذ إنّ الوحدة في الغربة حوارٌ داخليٌّ طويل، يُجبر الإنسان على مواجهة نفسه كلّ ليلة. وهنا تبدأ الخيارات الخطيرة:

هل تُصاحب من يرفعك، أم من يُخدّرك عن ألمك؟

هل تبحث عن رفقةٍ تُعينك على البقاء إنساناً، أم عن جماعةٍ تُنسيك نفسك مؤقتاً؟

كم من إنسان دخل الغربة بقلبٍ نقيّ، ثمّ شوّهته الصحبة السيئة شيئاً فشيئاً، حتى لم يعد يعرف نفسه. وكم من شخصٍ كان على حافة الانهيار، فأنقذته كلمةٌ صادقة، أو يدٌ امتدّت إليه في الوقت المناسب، أو صديقٌ رأى إنسانيته قبل أن يرى ضعفه.

إنّ أكثر ما يكشف معدن المرء في الغربة ليس عدد معارفه، وإنّما نوعيّة الذين يجلس معهم حين يضيق صدره. فهناك من إذا جالس الحاقدين، امتلأ مثلهم بالمرارة؛ يعيش على الشكوى، ويرى العالم خصماً دائماً له. وهناك من إذا صاحب أصحاب الهمم، تعلّم كيف يحوّل غربته إلى بناء، ووحدته إلى معرفة، ووجعه إلى نضجٍ عميق.

فالإنسان يتسرّب إليه من جلسائه أكثر ممّا يظن. الكلمات التي يسمعها يومياً، وطريقة التفكير، وحتى السخرية العابرة، كلّها تعيد تشكيله ببطء. الأرواح، مع الزمن، تستعير ملامح بعضها؛ فمن عاش طويلاً بين اليائسين حمل شيئاً من عجزهم، ومن عاش بين الطامحين تعلّم أن يرفع رأسه ولو كان مثقلاً بالتعب.

وفي الغربة تحديداً، تصبح الصحبة أكثر خطورة، لأنّ الإنسان هناك هشٌّ أكثر من المعتاد. هو يحاول النجاة نفسياً قبل أيّ شيء، ولذلك قد يتعلّق بأشخاصٍ لا يشبهونه، فقط لأنّهم يتحدّثون لغته، أو لأنّهم من مدينته، أو لأنّهم يحملون الحنين ذاته. لكنّ التشابه في الحنين لا يعني التشابه في الأخلاق، ولا وحدة الوجع تعني وحدة المبادئ.

كم من مغتربٍ خسر نفسه وهو يحاول ألّا يخسر الناس. وكم من شخصٍ تنازل عن قيمه بالتدريج كي يبقى مقبولاً داخل مجموعةٍ ما. يبدأ الأمر بمجاملةٍ صغيرة، ثمّ بصمتٍ عن خطأ، ثمّ يضيع الحدّ الفاصل بين ما يؤمن به وما يفعله خوفاً من النبذ. وهنا تتحوّل الغربة من بُعدٍ جغرافيٍّ إلى اغترابٍ عن الذات.

وأخطر أنواع الخسارة ليست أن تفقد وطنك، أخطرها يا صديقي أن تفقد نفسك وأنت تبحث عن مكانٍ يؤويك.

ولهذا، فإنّ الصحبة في الغربة تحتاج وعياً أكثر من الحاجة نفسها. فليس كلّ من اقترب منك صديقًا، وليس كلّ من واساك صادقاً. بعض الناس يبحثون عمّن هو أضعف منهم ليشعروا بالقوة، وبعضهم يريد رفيق سقوط لا رفيق نجاة. وهناك من يتعامل مع العلاقات كأنّها قوارب مؤقتة؛ يركبك حين يحتاجك، ثمّ يتركك في منتصف البحر.

لكنّ الغربة، على قسوتها، تمنحنا أحياناً أجمل البشر. أولئك الذين لا تربطنا بهم قرابة دم، لكنّهم يصبحون أهلاً لأنّهم حضروا حين غاب الجميع. أشخاصٌ جمعنا بهم الصدق لا المصلحة، والتعب لا المجاملة، والإنسانية لا الظروف. هؤلاء لا يُشبهون الأصدقاء العابرين، ولكن يُشبهون الطمأنينة نفسها.

فالصديق الحقيقي في الغربة ليس من يملأ وقتك فقط، هو من يحرس إنسانيتك حين تتعب. من يذكّرك بنفسك عندما تبدأ بالتغيّر، ويمنعك من الانحدار حين تضعف، ويقول لك الحقيقة ولو كانت مُرّة. لأنّ أعظم أشكال الحب ليست المجاملة، ولكن الإنقاذ.

ولعلّ أجمل ما تفعله الغربة أنّها تُسقط الأقنعة بسرعة. ففي الوطن قد يختبئ الإنسان خلف عائلته، أو سمعته، أو مكانته الاجتماعية، أمّا في الغربة فلا يبقى منه إلّا أخلاقه. وهناك تظهر حقيقة الصحبة بوضوحٍ قاسٍ وجميلٍ معاً: من يبقى معك لأنّك أنت، لا لأنّك نافع. من يسأل عنك في ضيقك لا في أفراحك فقط. من يرى تعبك دون أن تشرحه.

ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: من يُصاحبك؟

ولكن ماذا تكشف صحبتهم عنك أنت؟

فالمرء لا يختار رفقته عبثاً؛ نحن ننجذب غالباً إلى من يُشبه شيئاً في داخلنا، إمّا نوراً نبحث عنه، أو ظلمةً نحاول تبريرها. لذلك، فإنّ مراقبة أصدقائك في الغربة تشبه مراقبة الطريق الذي تسير إليه روحك بصمت. لأنّ الإنسان، في النهاية، يصبح شيئاً فشيئاً شبيهاً بمن يُطيل الجلوس معهم.

ولهذا قيل قديماً:

قل لي من تُصاحب، أقلْ لك من أنت.

أمّا في الغربة، فالجملة تصبح أعمق وأكثر قسوة:

من تُصاحب في الغربة… يكشف مَن أصبحت، ومَن ستصير.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 3 May 2026
أبرز الموضوعات التي يمكنكم متابعتها اليوم عبر موقعنا الرسمي ومنصاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي 📰 🌐 http://Alarabinuk.com #العرب_في_بريطانيا #AUK #أخبار #نشرة_الأخبار #بريطانيا
𝕏 @alarabinuk · 3 May 2026
نضع بين أيديكم خريطة الطقس وأسعار الصرف في بريطانيا لهذا اليوم🌤💷 إليكم تحديثات الصباح👇 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 2 May 2026
بين هاجس الأمن وحرية التعبير.. هل استغل ستارمر حادثة "جولدرز جرين" لتقييد التظاهر المؤيد لفلسطين؟ تواجه حكومة كير ستارمر انتقادات حادة واتهامات بـ "تسييس" حادثة الطعن الصادمة في منطقة "جولدرز جرين" لتبرير تشديد القيود المفروضة حصرًا على المسيرات المؤيدة لفلسطين.…
𝕏 @alarabinuk · 2 May 2026
عمرة "بروح العائلة الواحدة".. هل أنت مستعد للرحلة التي ستغير تفاصيل عامك؟ ✨ تستعد منصة العرب في بريطانيا بالتعاون مع Sawa Travel لتدشين عهد جديد من الرحلات الروحانية لأبناء المجتمع العربي في بريطانيا. هذه الأمسية التي ستقام مساء الأحد 31…
عرض المزيد على X ←