العرب في بريطانيا | فيلم «نازا»: كيف يفسر البشر مشاركتهم في إبادة ج...

كيف يفسر البشر مشاركتهم في إبادة جماعية؟ فيلم «نازا» يقدم نظرة تقشعر لها الأبدان

كيف يفسر البشر مشاركتهم في إبادة جماعية؟ فيلم «نازا» يقدم نظرة تقشعر لها الأبدان

كيف يفسر البشر مشاركتهم في إبادة جماعية؟ فيلم «نازا» يقدم نظرة تقشعر لها الأبدان

عمر بارتوف أكتوبر 10, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

من الأسهل إلقاء مسؤولية العنف المتطرف على المتوحشين والساديين. لكن الفيلم الوثائقي يبين أن الإبادات الجماعية الحديثة يغذيها أشخاص يشبهوننا على نحو يبعث على القلق.

اشتهر فيرنر بيست، المسؤول البارز في قوات «إس إس» والخبير القانوني الذي ساعد في تنظيم فرق الموت النازية التي قتلت مئات الآلاف من اليهود، بقوله: «علينا تدمير العدو من دون أن نكرهه».

وكان ينتمي إلى جيل أصغر سنًا من التكنوقراط النازيين الذين احتقروا «المقاتلين القدامى» في الحزب النازي خلال عشرينيات القرن الماضي، ببذاءة ألسنتهم وبطونهم الممتلئة بالبيرة وقمصانهم البنية، وآمنوا بتنظيم الإبادة الجماعية بصورة مرتبة ومجردة من العاطفة.

وبعد سقوط النظام، أفلت بيست من العدالة طوال ما تبقى من حياته المديدة، ومات بسلام في ألمانيا عام 1989. وقد عادت عبارته المرعبة إلى ذهني وأنا أشاهد فيلم «نازا».

نشأتُ في تل أبيب، وكثيرًا ما زرتها خلال السنوات الأخيرة. ولذلك بدت لي مألوفة على نحو غريب المقابلات التي تشكل هذا الفيلم الوثائقي مع 24 جنديًا وضابط استخبارات إسرائيليًا.

تُجرى الحوارات ليلًا فوق أسطح المباني، بينما تجوب الكاميرا أفق المدينة وتتوقف عند نوافذ الشقق، حيث يشاهد سكانها التلفزيون ويعدّون العشاء. كان المشهد مألوفًا لديّ على نحو حميم، وشعرت تلقائيًا بالقرب من أولئك الناس الذين يمضون في حياتهم.

كما تعرفت إلى الطريقة التي يتحدث بها المشاركون في المقابلات، وإلى أنماط كلامهم واختيارهم للكلمات. لقد ذكّروني بابني، الذي خدم قبل أكثر من عقد في الوحدة الاستخباراتية التي ربما كان كثير منهم ينتمون إليها.

لكن النبرة المحايدة والتقنية والهادئة التي يستخدمها الرجال والنساء الأربعة والعشرون، وهم يصفون بتفاصيل دقيقة قتل أناس في غزة لا يقلون إنسانية عن سكان المباني المحيطة بهم، أعادت إلى ذهني صورًا أخرى؛ رجالًا مثل بيست وأمثاله.

إن التناقض بين المألوف والحميمي من جهة، والكفاءة الباردة والقاتلة من جهة أخرى، هو ما يجعل هذا الفيلم عصيًا على النسيان وشهادة مهمة عن العالم الذي نعيش فيه الآن.

مَن يخططون للقتل ومَن ينفذونه

عندما تنخرط المجتمعات الحديثة في ممارسة العنف المتطرف، فإنها تعتمد على نوعين من البشر: أولئك الذين يضربون ويعذبون ويقتلون عن قرب، وأولئك الذين يخططون للقتل وينظمونه ويصدرون أوامره من مسافة آمنة بعيدًا عن دمائه وأشلائه.

ويفضّل كثيرون الاعتقاد بأن المتوحشين والساديين هم المسؤولون، ويرجع ذلك إلى حد بعيد إلى أنهم لا يشبهوننا «نحن».

لكن الإبادة الجماعية الحديثة هي نتاج أشخاص ينتمون إلى النوع الثاني: التكنوقراطيين والبيروقراطيين والمخططين الباردين للإبادة، الذين لا تتسخ أيديهم.

وهذا لا يقتصر بأي حال على ألمانيا أو إسرائيل. فقد حدث أيضًا في إبادة كمبوديا، وفي رواندا، وإبادة الأرمن، وتدمير شعب الهيريرو.

كان هناك دائمًا مَن يوفرون الخطط والأوامر والمسوغات والأجهزة البيروقراطية والوسائل التقنية، ومَن يهشمون الجماجم ويلوحون بالمناجل ويطلقون الرصاص من مسافات قريبة.

يوجد أفراد الفئة الأخيرة في أي مجتمع، لكن الإبادة الجماعية لا يمكن أن تقع من دون أفراد الفئة الأولى.

«نازا»: المسافة بين المصطلح والضحايا

صورة توضيحية (AI)

«نازا» هو الاختصار العبري لعبارة «نِزِك أغافي»، أي «الأضرار الجانبية». وكما هي الحال مع الاختصارات، تزيد كلمة «نازا» المسافة الفاصلة بين منفذي العمليات وما تشير إليه العبارة، التي لا تعدو بدورها أن تكون تعبيرًا ملطفًا.

فلا يُسأل عن عدد البشر الذين قد يحكم منفذ العملية عليهم بالموت عند استهداف عدو مشتبه به، ولا حتى عن حجم الأضرار الجانبية التي يمكن إيقاعها. وإنما يقتصر السؤال على: «كم عدد النازا؟».

كان معظم ما يخبرنا به الفيلم معروفًا بالفعل بفضل التحقيقات الصحفية التي نشرتها خلال السنوات القليلة الماضية مؤسسات مثل الغارديان، ومجلة «+972»، وموقع «لوكال كول»، ونيويورك تايمز.

لكن الاستماع إلى الأشخاص أنفسهم الذين شغّلوا هذا النظام المتطور للمراقبة وتحديد الأهداف يقدم منظورًا بالغ الأهمية.

وهو منظور نادرًا ما نراه؛ إذ يجري اختيار العاملين في الاستخبارات لقدرتهم على حفظ الأسرار، والابتعاد عن أعين الجمهور، والتركيز على مهماتهم، وإبقاء مشاعرهم تحت السيطرة.

ويكون المقاتلون في الميدان دائمًا أكثر ظهورًا، أما الرجال والنساء الصامتون الذين يوجهون القنابل من غرف مظلمة مكيفة الهواء، فلا يحظون إلا بقليل من الاهتمام.

لكن الأهم، ربما، أن هؤلاء الرجال والنساء الأربعة والعشرين يكشفون ما يحدث عندما تنهار المسافة الفاصلة بينهم وبين الفظائع التي يرتكبونها.

فهم يدخلون منازل الأشخاص الذين يوشكون على قتلهم عن طريق اختراق هواتفهم، والاستماع إلى أصواتهم، ورؤية الصور التي التقطوها لأحبائهم؛ فيرونهم للحظات بوصفهم بشرًا عاديين، قبل أن يفجروهم.

وبالنسبة إلى المشاهد، تكون اللحظات التي يصارعون فيها إدراك حجم القتل الذي شاركوا فيه هي الأكثر كشفًا للحقيقة.

ماذا يعني «إنجاز المهمة»؟

صورة توضيحية (AI)

كان عدد ضحايا «نازا» المسموح به في غزة يتوقف على أهمية الشخص المستهدف، وقد بلغ مئات المدنيين الأبرياء، بحسب المشاركين في المقابلات.

ويقر أحد الجنود بأنه حتى إذا طُبق معيار 20 من ضحايا «نازا»، الذي أصبح معيارًا مرجعيًا، على كل هدف من عشرات الآلاف من الأهداف الإسرائيلية، فإن النتيجة هي أن «ينتهي بك الأمر إلى غزة بأكملها».

ويضيف: «لا أعرف ببساطة ماذا أفعل بهذا الإدراك»، بعدما واجه حقيقة ما يعنيه فعليًا «إنجاز المهمة»، في أعقاب تدريبه مخيلته على عدم التفكير في تلك الحقيقة.

وعندما سُئل عنصر آخر عما إذا كان يعتقد أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، أجاب: «نعم، بالتأكيد». فالقتل، في نهاية المطاف، كان متعمدًا ومحسوبًا.

وفي أثناء محاولته فهم أفعاله، يعبر عن خيبة أمله في نفسه بسبب مشاركته في ذلك النظام. فكيف يفسر ما فعله؟

يعترف بأن «هرموناته كانت في حالة جنون» آنذاك، ويصف عمله في تخطيط الغارات الجوية بأنه كان «ممتعًا إلى حد الجنون»، وأنه منحه «إحساسًا بالمعنى».

وهل كان يفكر في الأشخاص الموجودين داخل المبنى الذي يتعرض للقصف؟

يجيب: «صفر. مطلقًا. كنت أنتقل إلى المهمة التالية».

ويرفض القول إنه لم يكن يعدّ الضحايا بشرًا، موضحًا: «كنا فقط لا نتحدث عن هذه الأمور».

ويقول مشارك آخر في المقابلات: «لا يوجد في وحدتي أشخاص يكرهون العرب حقًا. إنها وحدة للنخبة، مليئة بأشخاص من تل أبيب». ويضيف أنه لم يكن هناك «نزع متطرف للصفة الإنسانية».

هؤلاء ليسوا الساديين الذين ترسمهم المخيلة الشعبية عندما تفكر في شكل الإبادة الجماعية. وليسوا من المؤيدين التقليديين للوزيرين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.

ينتمي كثير منهم إلى الطبقة المتوسطة العليا، وتخرجوا في أفضل المدارس والتحقوا بوحدات استخبارات مرموقة، وربما كانوا يتوقعون الانتقال بعد انتهاء خدمتهم العسكرية إلى العمل في قطاع التكنولوجيا المتقدمة.

لكن يبدو أنهم، إلى جانب الطيارين المقاتلين، مسؤولون عن الأعداد الهائلة من الضحايا المدنيين في غزة.

فما الذي دفعهم إلى إمطار القطاع بكل هذا الموت والدمار؟

يفكر أحد الضباط في السؤال لبرهة، ثم يقول: «كل ما أستطيع قوله هو أننا كنا نُنجز المهمة. تلك كانت المهمة».

«المتعة» في الأداء والاحتراف

إن وصف القتل بأنه «ممتع» أمر بالغ الأهمية.

قبل ثلاثين عامًا، وصف دانيال جونا غولدهاغن في كتابه الصادر عام 1996، «جلادو هتلر الطوعيون»، كيف استمتع الجناة الألمان بإطلاق النار على مؤخرة أعناق الناس وسحق الأطفال على الجدران. كان هؤلاء هم الساديين.

أما «المتعة» التي يستعيدها المشاركون في «نازا» فمختلفة؛ إذ ترتبط بأدائهم، تحت ضغط شديد وبمستوى عالٍ، العمل الذي تدربوا على تنفيذه، وإظهار كفاءتهم واحترافيتهم.

وتفيد تقارير بأن مشغلي الطائرات المسيّرة الأمريكيين، الذين كانوا يجلسون في مكان ما داخل الولايات المتحدة، مروا بتجارب مماثلة أثناء إلقائهم القنابل على أفغانستان والعراق.

وثمة تفسيرات كثيرة لعجز هؤلاء الأشخاص، في لحظة الفعل، عن تخيل الفظائع التي كانوا ينزلونها ببشر مثلهم.

طاعة السلطة ومسؤولية الفرد

وقد تحدثت حنة آرندت، على نحو شهير، عن «تفاهة الشر» البيروقراطية، التي جسدها عجز أدولف آيخمان، أو رفضه، عن تخيل الكارثة الأخلاقية الناجمة عن أفعاله.

وهذا الميل لا يقتصر بطبيعة الحال على الإسرائيليين أو الألمان. فقد لاحظ ستانلي ميلغرام الظاهرة نفسها عندما أجرى تجربته عن طاعة السلطة في جامعة ييل خلال ستينيات القرن الماضي.

فعندما يقول شخص يرتدي معطف طبيب للناس، أو يقول لهم ضابط أعلى رتبة في هذه الحالة، إن هذا هو ما «تتطلبه التجربة»، فإن كثيرين منهم، وإن لم يكن جميعهم، سينفذون ما يُطلب منهم.

وفي تجربة ميلغرام، كان المطلوب توجيه صدمات كهربائية إلى أشخاص يقدمون إجابات خاطئة.

ويتذكر أحد المشاركين في «نازا» أنه قيل له: «عليك أن تثق بالنظام».

وخلال محاكمات نورمبرغ عام 1945، دفع المتهمون الألمان بأنهم لم يفعلوا سوى تنفيذ الأوامر. وداخل النظام الذي كانوا جزءًا منه، كان ما فعلوه قانونيًا تمامًا، وكان من الممكن أن يحصلوا في مقابله على مكافآت سخية.

لكن المحكمة رفضت هذا الدفاع، مؤكدة وجود شيء يسمى «الأوامر غير القانونية»، وهو مفهوم حظي منذ ذلك الحين باعتراف واسع، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويعني ذلك أنه إذا بدا الأمر مخالفًا بصورة صارخة للأخلاق والمبادئ، فيجوز للمرء رفضه. بل يتعين عليه رفضه، وإلا أصبح شريكًا في الجريمة.

ينبغي أن نشعر بالامتنان لأن الأشخاص الأربعة والعشرين تحدثوا، حتى وهم يقرون بمشاركتهم في تدمير غزة.

فتوفر شهاداتهم رؤية فريدة للطريقة التي يُجنّد بها الناس العاديون داخل آلة للموت.

وفي النهاية، حتى أكثر أشكال القتل عن بُعد تقنية وتجردًا من المشاعر ينفذها، في الوقت الراهن على الأقل، بشر يفكرون ويشعرون ويتصرفون، في معظم الأحيان، مثلنا تمامًا.

الكاتب: عمر بارتوف أستاذ دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية في جامعة براون.

المصدر: الغارديان

اترك تعليقا

↑