العرب في بريطانيا | فلسطين ليست تركة.. والانتخاب حق لا يُوهب

فلسطين ليست تركة.. والانتخاب حق لا يُوهب

WhatsApp Image 2026-11-03 at 10.04.10 AM
محمد لعتابي نوفمبر 3, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

مئة وتسع سنوات مرت على تلك اللحظة التي قرر فيها وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور، بجرة قلم باردة، أن يمنح أرضًا لا يملكها لمن لا يستحقها، جاعلًا من شعب بأسره رهينة لتاريخ من التشريد والمأساة. لم يكن “وعد بلفور” مجرد تصريح سياسي، بل كان زلزالًا ديموغرافيًا وجغرافيًا أسس لسمفونية تشرد لا تزال تعزف ألحانها الحزينة في مخيمات اللجوء وعواصم الشتات. واليوم يتزامن إحياء هذه الذكرى المشؤومة مع تطورات درامية في المشهد الفلسطيني، حيث تبحث أمة تتساقط عليها القنابل وتتراقص الصواريخ فوق رؤوس أبنائها في غزة، عن قيادة حقيقية تمثلها، لا عن أوصياء يوزعون المناصب في الغرف المغلقة.

في هذا السياق التاريخي المشحون، انطلق صوت صارخ من العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث وقف الإعلامي عدنان حميدان، رئيس المنتدى الفلسطيني في بريطانيا، متحدثًا باسم زملائه في “لجنة متابعة الحق بانتخاب المجلس الوطني الفلسطيني”. لم تكن كلمته مجرد خطاب تقليدي، بل مرافعة سياسية وقانونية حادة، و”خريطة طريق” لفلسطينيي أوروبا والخارج، تعلن رفض الوصاية وتطالب بالحق الطبيعي في تقرير المصير عبر صناديق الاقتراع.

إن الحراك الذي يقوده فلسطينيو أوروبا يضع أصبعه على جرح سياسي عميق. فكما أشار الفيلسوف الإنجليزي جون لوك قديمًا إلى أن “شرعية الحكومة تنبع فقط من موافقة المحكومين”، يرى فلسطينيو الشتات أن التمثيل ليس منحة تُعطى، بل هو حق أصيل يمارسه المواطن بصوته.

لقد جاء تحرك هذه الشخصيات البارزة، التي قدمت مذكرة قانونية متكاملة لرفض التعيينات التي تعتمد على أعراف سابقة لا تمثل الواقع، كإعلان عن وعي شامل بما يجري في كواليس السياسة الداخلية. إن وعود “تجميد التعيينات” لم تعد تنطلي على هذا الوعي المتوقد، فهي، كما وصفها حميدان، مجرد “إبر تخدير” قد ينتهي مفعولها في أي لحظة.

اللافت في هذا الترافع أن المطالبة بانتخاب المجلس الوطني لا تأتي كبديل عن القضايا الكبرى أو ترفًا ديمقراطيًا، بل هي الأداة الضرورية لحمل تلك القضايا. فملفات غزة المحاصرة، والقدس المهددة بالتهويد، والخليل التي تواجه التهجير القسري، لا يمكن أن تنهض بها إلا قيادة جامعة منتخبة. هنا يتجلى الفهم العميق للسياسة كأداة للمقاومة، كما يقول المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد: “لا يوجد تحرير دون تمثيل حقيقي للصوت الفلسطيني”.

وقد وضع هذا الحراك، المتمثل في حملة “صوتي حقي وقراري”، خطوات عملية واضحة: أولها اليقظة التامة تجاه ممارسات السفارات في الخارج، وثانيها دعم الحملة التي جمعت حتى الآن 20 ألف توقيع وتسعى للوصول إلى مليون، وثالثها التسجيل الكثيف في “السجل الانتخابي الافتراضي” لترسيخ صفة المواطنة. وبالتزامن يستمر دعم الصمود على الأرض، وتبني ملف الأسرى الذي يُطالب بجعل عام 2027 عامًا لهم.

إن الشارات الحمراء التي يرتديها رئيس المنتدى الفلسطيني ببريطانيا لم تكن مجرد رمز، بل هي إعلان صارخ عن الرفض وعدم الاستسلام، وعهد مع الأسرى بأن الصوت في الشتات لن يكون أسيرًا كما هي حالهم في سجون الاحتلال. لقد وجد هذا الحراك صدى متناميًا في المشهد الإعلامي البريطاني والأوروبي، حيث بدأت بعض الأقلام تتساءل عن شرعية المؤسسات التي تتحدث باسم الفلسطينيين دون تفويض انتخابي حديث.

في الختام، إن رسالة بروكسل واضحة وضوح الشمس: فلسطين ليست “تركة قبلية” تُقسّم، وشعبها، سواء من كان تحت القصف أو في المنافي، ليس قاصرًا لينتظر من يختار عنه. إن تفاعل كل فلسطيني في الخارج مع هذا الحراك ليس مجرد خيار، بل هو واجب وطني لضمان أن تبقى بوصلة القضية في يد أصحابها الحقيقيين، فكما يُقال: “ما ضاع حق وراءه مُطالب”.

اترك تعليقا

إعلان

↑