ماذا نفعل إذا أصبحت العربية عبئاً نفسياً على الصغار؟
دعني أسألك بصراحة: هل شعرت يوماً بالتردد قبل أن تتحدث بالعربية في مكان عام؟ وهل وجدت نفسك تنتقل إلى لغة أخرى لمجرد أن من حولك يتحدثون بها، حتى وإن كانت العربية هي الأقرب إلى قلبك ولسانك؟
وهل شعرت كلّ ذلك في طفلك الصّغير الّذي يخجل من التّحدّث بلغته الأمّ بسبب ضعفها؟
هذه الأسئلة ليست اتهاماً لأحد، وإنّما هي محاولة لفهم ظاهرةٍ أصبحت تتكرر في مجتمعاتنا، حتى بدا وكأن بعض الناس يعتذرون عن لغتهم الأم أكثر مما يعتذرون عن أخطائهم في أي لغة أجنبية.
من الطبيعي أن يفتخر الإنسان بتعلمه وتعلّم أطفاله لغةً جديدة، فاللغات تفتح أبواب المعرفة والعمل والتواصل مع العالم، وهي مهارة تستحق التقدير. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الفخر إلى شعور خفي بأن اللغة العربية أقل قيمة، أو أقل قدرة على التعبير، أو أقل مكانة من غيرها.
كم من كبيرٍ وصغيرٍ يتحدث الإنجليزية أو الفرنسية بثقة، حتى وإن ارتكب الأخطاء، ثم يتردد في الحديث بالعربية خوفاً من زلة نحوية أو لفظ غير فصيح؟ وكم من شاب أو شابة يشعران بالحرج إذا تحدثا بالعربية في بعض البيئات، وكأن الاعتزاز بها ينتقص من صورتهما الاجتماعية؟
إنها مفارقة تستحق التأمل. فاللغة التي ولدنا معها، وحملت أول كلماتنا، وصاغت مشاعرنا وذكرياتنا، أصبحت عندنا قبل الأطفال مصدر تردد، بينما تحولت لغة تعلمناها لاحقاً إلى رمز للمكانة والنجاح.
والحقيقة أن المشكلة ليست في العربية، المشكلة في الصورة الذهنية التي رسمناها عنها. فقد ارتبطت اللغات الأجنبية في أذهان كثيرين بالوظائف والجامعات والسفر والفرص، بينما ارتبطت العربية بالماضي أو بالمناهج الدراسية أو بالامتحانات، لا بالحياة اليومية والإنجاز.
لكن اللغة لا تُقاس بما تمنحه من وجاهة اجتماعية، تُقاس بما تحمله من هوية وثقافة وتاريخ. والعربية هي وعاء حضارة امتدت قروناً، ولغة أدب وفكر وعلوم، وما تزال قادرة على استيعاب كل جديد إذا أحسن أهلها استخدامها.
ولا يعني هذا أن نتخلى وأطفالنا عن تعلم اللغات الأخرى، بل على العكس، فإتقان أكثر من لغة ثروة حقيقية. غير أن هذه الثروة لا ينبغي أن تكون على حساب لغتنا الأم، ولا أن تدفعنا إلى الشعور بالخجل منها أو التقليل من شأنها، وهذا ما سينعكس على صغارنا.
إن احترام الإنسان للغته هو جزء من احترامه لذاته. فالشخص الواثق لا يحتاج إلى التخلي عن هويته ليحظى بالقبول، ولا يغيّر لسانه كلما تغير المجلس. أما من لا يحترم لغتك، فغالباً لن يحترم عمقك أو ثقافتك، مهما أتقنت لغته.
وفي النهاية، ليست القضية بأي لغة تجبر أطفالك على التحدث، بل كيف تنظر إلى لغتك وكيف تدعهم ينظرون إليها، وبأي ثقة تحملها على لسانك وتحملهم إيّاها. تحدث بلغات العالم كلها، وتعلم ما استطعت منها وعلّمهم، لكن لا تجعل العربية آخر ما تفتخر به أمامهم، فهي ليست عائقاً أمام النجاح، هي جزء أصيل من شخصيتك وهويتك.
لأن السؤال الحقيقي ليس: بأي لغة تتكلم أو يتكلّم أطفالك؟
بل: بأي ثقة تتكلم بلغتك أنت وأطفالك؟
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
لا جف حبرك