العرب في بريطانيا | ساوثغيت وحمد: حين يصبح المدرب ضميرًا جماعيًا

ساوثغيت وحمد: حين يصبح المدرب ضميرًا جماعيًا

ساوثغيت وحمد: حين يصبح المدرب ضميرًا جماعيًا
كرم نعمة يونيو 8, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في لحظة ما بعد خروجه من تدريب المنتخب الإنجليزي، قال غاريث ساوثغيت جملة تصلح أن تكون تعريفًا جديدًا للقيادة: «النجاح أهم بكثير من النتيجة النهائية… النجاح الحقيقي هو كيف تستجيب في أصعب اللحظات».

هذه ليست حكمة مدرب، بل خلاصة رجل أدرك أن كرة القدم ليست لعبة، بل تربية وطنية.

وعندما أصدر كتابه «عزيزتي إنجلترا: دروس في القيادة»، بدا واضحًا أن ساوثغيت لم يكن يكتب عن كرة القدم، بل عن الهُوية البريطانية نفسها. كان يرى أن دوره الحقيقي ليس الفوز بالمباريات، بل مواجهة «السرد السلبي» الذي يلتهم المجتمع البريطاني: العنصرية، والشعبوية، والانقسام الثقافي، وانهيار الثقة بين الأجيال. لقد فهم أن المنتخب ليس فريقًا، بل مرآة، وأن المدرب ليس قائدًا رياضيًا، بل معلّم أخلاقي.

وعلى الضفة الأخرى من العالم، وفي زمن أكثر قسوة، كان عدنان حمد يفعل الشيء نفسه، لكن في ظروف تكاد تكون نقيض التجربة البريطانية. ففي أولمبياد أثينا 2004، عندما كانت الدبابات الأميركية تسحق طرقات المدن العراقية، كان يصرّ على جملة واحدة: «نلعب باسم العراق وحده».

لم يكن ذلك شعارًا، بل موقفًا أخلاقيًا في لحظة كان فيها العراق ممزقًا، وصورته تُصنع في نشرات الأخبار لا في الملاعب. في كتابه «ملاعب محتلة»، يكتب عدنان حمد عن كرة القدم كما لو أنها آخر ما تبقى من وطن يمكن الدفاع عنه. كان يعرف أن المنتخب ليس مجرد فريق، بل هُوية مضادة للعراق المزيف الذي صنعته السياسة والأحزاب الطائفية وزعماء الميليشيات. وكان يصرّ على أن يكون وطنيًا لا طائفيًا، إنسانيًا لا انتقاميًا، ثابتًا في زمن كان كل شيء فيه يتداعى.

ما يجمع ساوثغيت وعدنان حمد ليس التكتيك ولا الخطط ولا النجاحات الرياضية، بل الفلسفة الأخلاقية التي حملاها إلى الملعب. ساوثغيت واجه حربًا ثقافية داخل بريطانيا، كان عليه أن يحمي لاعبيه السود من العنصرية، وأن يُوجِد مجتمعًا صغيرًا داخل الفريق يعكس ما يجب أن تكون عليه بريطانيا، وأن يواجه «المؤثرين القساة» الذين يبيعون للشباب وهم القوة الخالية من المشاعر. كان عليه أن يثبت أن الرجولة ليست صلابة، بل قدرة على الاعتراف بالضعف. ولهذا أصبح، كما تقول الصحافة البريطانية، أيقونة أخلاقية تتفوق في شعبيتها على ونستون تشرشل نفسه. ولهذا مُنح وسام الفارس من الملك تشارلز؛ لأنه لم يدرّب فريقًا فقط، بل أعاد تعريف معنى أن تكون إنجليزيًا.

أما عدنان حمد، فقد واجه حربًا من نوع آخر، بلد محتل، ودولة منهارة، ومجتمع ممزق، وإعلام يصنع صورة للعراق لا تشبه العراق. وسلطة سياسية لاحقًا منعته من العودة إلى تدريب المنتخب؛ لأنه لم ينحنِ للعبة الطوائف. ومع ذلك، ظلّ ثابتًا على فكرة واحدة: كرة القدم ليست لعبة… إنها آخر مساحة يمكن أن نكون فيها شعبًا واحدًا. لكن المفارقة المؤلمة أن العراق الذي كان يحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى، هو نفسه العراق الذي أغلق الباب في وجهه.

في عالم تتسارع فيه النزعات الفردية ويُقاس النجاح فيه بالنتائج الفورية، يقدّم ساوثغيت وعدنان حمد درسًا مضادًا، وهو أن القيادة الأخلاقية ليست في الفوز، بل في بناء الإنسان. كلاهما أدرك أن كرة القدم مساحة تُختبر فيها القيم تحت ضغط الضوء الساطع والجمهور الغاضب. ساوثغيت، في قلب مجتمع بريطاني ممزق بين الشعبوية والهُوية، أعاد تعريف الرجولة بوصفها قدرة على الاعتراف بالخطأ، وعلى حماية الضعفاء، وعلى تحويل الفريق إلى مجتمع صغير متماسك. وعدنان حمد، في قلب بلد محتل وممزق، قدّم نموذجًا آخر، وهو أن الوطنية ليست شعارًا، بل سلوكًا أخلاقيًا في لحظة الانهيار.

والقيمة الفلسفية التي يجسّدها المدربان تتجاوز الرياضة إلى سؤال أعمق: كيف يمكن للقائد أن يصنع معنى في زمن فقد المعنى؟ ساوثغيت واجه حربًا ثقافية، وعدنان حمد واجه حربًا حقيقية، لكنهما توصلا إلى النتيجة نفسها. وهي أن المجتمع لا يُبنى بالقوة، بل بالقدوة. في زمن تُعيد فيه الخوارزميات تشكيل وعي الشباب، ويُختزل النجاح في المال والهيمنة، قدّم ساوثغيت نموذجًا للرجل العصري الذي يوازن بين العاطفة والمسؤولية. وفي زمن تُختطف فيه الهُوية العراقية بين الطوائف والاحتلال والقتل على الهُوية، قدّم عدنان حمد نموذجًا للمدرب الذي يحمي فكرة الوطن حين يعجز السياسيون عن حمايتها.

لهذا خرج كل منهما بكتاب. كتابان ليسا عن كرة القدم، بل عن كيف يمكن للرياضة أن تصبح آخر مدرسة للأخلاق العامة. ففي بريطانيا، أصبح المنتخب مشروعًا تقدميًا يواجه العنصرية والشعبوية، ويقدّم نموذجًا للتنوع المتماسك. وفي العراق، تحوّلت انتصارات المنتخب -للأسف- إلى خلافات وهتافات طائفية، حتى مُنع بعض المشجعين من دخول دول عربية بسبب نزعاتهم الغرائزية.

هنا يظهر الفارق الحقيقي بين التجربتين، ساوثغيت بنى فريقًا يشبه بريطانيا التي تريد أن تكونها. وعدنان حمد حاول أن يبني فريقًا يشبه العراق الذي كان يجب أن يكونه. كرة القدم، في النهاية، ليست لعبة. إنها اختبار أخلاقي. وساوثغيت وعدنان حمد لم يكونا مدربين، بل فيلسوفين يعملان على عشبٍ أخضر، يكتبان دروسًا في القيادة، ويتركان لنا كتبًا نعود إليها حين ننسى أن الرياضة ليست انتصارًا… بل طريقة للعيش بكرامة.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 8 يونيو 2026
تصدر التصعيد بين إيران وإسرائيل عناوين وسائل الإعلام البريطانية، بعدما ردت طهران بإطلاق موجات من الصواريخ باتجاه إسرائيل عقب الغارات التي استهدفت الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت. وبينما اتفقت المؤسسات الإعلامية البريطانية على أن المنطقة تواجه أخطر اختبار منذ وقف…
𝕏 @alarabinuk · 8 يونيو 2026
R to @AlARABINUK: للمزيد من التفاصيل: https://alarabinuk.com/?p=229529
𝕏 @alarabinuk · 8 يونيو 2026
الشرق الأوسط تحت المجهر من جديد.. 🗞️الضربة الإيرانية على إسرائيل تُشعل عناوين الصحف البريطانية اليوم، إلى جانب كواليس النقاشات حول مستقبل ستارمر داخل حزب العمال. ملفات ثقيلة بانتظارك.. للاطلاع على أبرز ما تناولته الصحف اليوم, الرابط في أول تعليق ⬇️…
𝕏 @alarabinuk · 8 يونيو 2026
أبرز الموضوعات التي يمكنكم متابعتها اليوم عبر موقعنا الرسمي ومنصاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي 📰 🌐 http://Alarabinuk.com #العرب_في_بريطانيا #AUK #أخبار #نشرة_الأخبار #بريطانيا
عرض المزيد على X ←