العرب في بريطانيا | خُوَذٌ بيضاء في المنازل

خُوَذٌ بيضاء في المنازل

خُوَذٌ بيضاء في المنازل
أميرة عليان تبلو سبتمبر 15, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ثَمّةَ بطولاتٌ لا تصلح لها الميادين، ولا تُرفع لها الرايات، ولا تُقرَع من أجلها الطبول.

بطولاتٌ تحدث في الصباحات العادية، خلف أبوابٍ مغلقة، في بيوتٍ تبدو للمارّة هادئةً ومستقرة، بينما تخوض في داخلها نساءٌ معارك لا يعرف عنها أحد شيئًا.

هناك، في ذلك المكان الذي يسمّيه الناس “البيت”، ترتدي نساءٌ كثيرات خوذهنّ البيضاء كل صباح.

لا خوذًا من الحديد، ولا دروعًا من الفولاذ، بل خوذًا من الصبر، والحب، والخوف، والمسؤولية.

خُوَذٌ بيضاء؛ لأنّهنّ لا يدخلن حربًا ليهزمن أحدًا، وإنما يخضن معاركهنّ كي يظلّ من يحببن واقفًا.

تستيقظ إحداهنّ قبل الجميع، لأنّ هناك من ينتظرها.

تفتح عينيها على بيتٍ يحتاج إلى يدها، وأطفالٍ يحتاجون إلى صوتها، وزوجٍ يحتاج إلى كلمة، ومسؤولياتٍ لا تعرف معنى العطلة.

فتنهض؛ تغسل وجهها، ترتّب شعرها، تعدّ الطعام، توقظ طفلًا، تبحث عن حقيبة، تلاحق موعدًا، تنظّف فوضى، تطمئن على مريض، وتستمع إلى شكوى.

ثم تمضي إلى يومها، وكأنّها لم تتعب.

وكأنّ في قلبها مساحةً لا تنفد، تستطيع أن تضع فيها أحزان الجميع، بينما تؤجل حزنها هي إلى وقتٍ لا يأتي.

هذه المرأة قد تبدو لمن ينظر إليها من الخارج عادية جدًا.

لكنّ العادي، أحيانًا، يخفي وراءه أعظم الاستثناءات.

فمن قال إنّ البطولة تحتاج إلى ساحة؟

ومن قال إنّ المعركة لا تكون إلا حين يواجه الإنسان عدوًا يحمل سلاحًا؟

ثمة معارك أكثر قسوة لأنها بلا نهاية واضحة.

معركة مع الخوف من الغد.

معركة مع المرض.

معركة مع ضيق المال.

معركة مع طفلٍ لا يعرف كيف يعبّر عن ألمه.

معركة مع زوجٍ عاد مثقلًا بالحياة.

ومعركة أخرى، أشدّ خفاءً، مع النفس حين تتعب ولا تجد وقتًا لتقول: كفى.

لهذا ترتدي المرأة خوذتها البيضاء.

لا أحد يراها وهي ترتديها.

ولا أحد يسمع صوت ارتطام الرصاص بها.

لكنّها تعرف.

تعرف كم مرةً وقفت في وجه القلق كي لا يصل إلى أطفالها.

وكم مرةٍ ابتلعت دمعتها كي لا يشعر أحدٌ بأنّ البيت مهدّد.

وكم مرةٍ قالت: “لا بأس”، وهي تعرف في داخلها أنّ هناك ألف شيءٍ ليس بخير.

ولعلّ أكثر ما يدهشنا في هذه الخوذ البيضاء أنّها لا تُصنع من القوة وحدها، بل من الهشاشة أيضًا.

فالمرأة ليست حجرًا.

إنها تخاف، وتتعب، وتبكي، وتشتاق، وتنهار أحيانًا.

لكنّها تعود.

وهنا تكمن البطولة.

ليست البطولة في ألا تسقط أبدًا، بل في أن تعرف كيف تجمع نفسها كل مرةٍ كي لا يسقط الذين يعتمدون عليها.

كم من امرأةٍ بكت ليلًا، ثم استيقظت صباحًا لتصنع لأطفالها يومًا جميلًا؟

وكم من أمٍّ أخفت مرضها كي لا تخيف أبناءها؟

وكم من زوجةٍ كانت تحمل في صدرها أسئلةً كثيرة، لكنها اختارت أن تمنح بيتها بعض الهدوء بدلًا من أن تضيف إلى ضجيجه ضجيجًا آخر؟

نحن نعرف الأبطال لأنّ التاريخ كتب أسماءهم.

لكنّ التاريخ لا يكتب غالبًا أسماء النساء اللواتي أنقذن بيوتهنّ بصبرٍ طويل.

لا توجد كاميرا تصوّر امرأةً تقف في المطبخ وهي تحاول أن تخفي تعبها.

ولا صحفيّ يسأل أمًّا عن عدد المرات التي نامت فيها وهي قلقة على أطفالها.

ولا جائزة تُمنح لمن أمضت سنواتٍ تؤجل أحلامها كي تمنح أبناءها فرصةً لأن يحلموا.

إنّ العالم يحبّ البطولة حين تكون صاخبة.

أما البطولة الهادئة، فيمرّ أمامها كل يومٍ دون أن ينتبه.

وربما لهذا علينا أن نعيد النظر في معنى كلمة “بطلة”.

فالبطلة ليست فقط من تنقذ إنسانًا من الموت.

قد تكون امرأةً تنقذ بيتًا من الانهيار.

وقد تكون أمًّا تنقذ طفلًا من الخوف بكلمة.

وقد تكون زوجةً تمنح رجلًا منهكًا سببًا ليواصل.

وقد تكون ابنةً تسند أمًا كبرت في العمر.

وقد تكون امرأةً لا يعرفها أحد، لكنها كل يومٍ تمنع عالمًا صغيرًا من السقوط.

ومع ذلك، ثمة سؤال يجب ألا نهرب منه:

من يحمي الخوذة البيضاء؟

من يحمي المرأة التي تحمي الجميع؟

هذه ربما أكثر الأسئلة ظلمًا حين لا نجد لها جوابًا.

فنحن كثيرًا ما نخلط بين القوة وعدم الحاجة.

نقول للمرأة: “أنتِ قوية”، كلما احتاجت إلى أن تكون ضعيفة.

نقول لها: “أنتِ تستطيعين”، حين تكون في أمسّ الحاجة إلى من يقول: “اتركي هذا عليّ.”

ليس من العدل أن نمدح صبر المرأة ثم نجعل الصبر قدرها الأبدي.

وليست البطولة أن تبقى واقفةً حتى تنكسر.

فالمرأة التي تمنح الأمان تحتاج إلى الأمان.

والتي تحمل البيت تحتاج إلى من يحمل عنها بعض البيت.

والتي اعتاد الجميع أن يضعوا رؤوسهم على كتفها، تستحق أن تجد كتفًا تضع عليه رأسها دون خوف.

ربما تكون أجمل صورةٍ للمرأة، ليست تلك التي تقف دائمًا منتصبةً أمام الحياة، بل تلك التي تعرف أنّ بإمكانها أن تخلع خوذتها أحيانًا.

أن تبكي.

أن تقول: “تعبت.”

أن تعترف بأنها لا تعرف ماذا تفعل.

أن تطلب المساعدة دون أن تشعر بأنها أقل قوة.

فالخوذة البيضاء ليست سجنًا.

إنها رمزٌ للحماية، والحماية لا تعني أن يظلّ الحارس وحيدًا.

لذلك، حين تعودون إلى بيوتكم، انظروا قليلًا إلى النساء اللواتي اعتدتم وجودهنّ حتى أصبح وجودهنّ يشبه الهواء؛ لا ننتبه إليه إلا حين نفتقده.

انظروا إلى الأم التي تسأل الجميع إن كانوا قد أكلوا، ولا يسألها أحد إن كانت قد أكلت.

إلى الزوجة التي تحفظ تفاصيل الجميع وتنسى موعدها مع نفسها.

إلى الأخت التي تظهر حين يحتاجها الجميع.

إلى المرأة التي تبدو هادئة، بينما في داخلها مدينة كاملة من المعارك.

ربما لا تحتاج منكم إلى قصيدة.

ولا إلى مديح طويل.

ربما تحتاج فقط إلى يدٍ تمتدّ إليها في الوقت المناسب.

إلى شخصٍ يقول لها: “اليوم اخلعي خوذتكِ، أنا سأحميكِ.”

لأنّ بعض النساء لا يعشن في البيوت فحسب.

إنهنّ يحرسنها.

يحرسن ضحكات أطفالها، وطمأنينة أهلها، ودفء مائدتها، وذاكرة جدرانها.

وكل صباح، حين يبدأ العالم معركته الكبرى، تبدأ هنّ معركتهنّ الصغيرة دون أن يصفّر أحدٌ صافرة البداية.

يرتدين خوذهنّ البيضاء.

ويمضين.

لا طلبًا لمجدٍ، ولا انتظارًا لتصفيق.

بل لأنّ ثمة أرواحًا يحببنها، وبيتًا قررن أن يبقى واقفًا.

فخلف كثيرٍ من البيوت الهادئة، خوذةٌ بيضاء لا يعرف أحد كم ضربةً تلقّت، وكم مرةٍ حالت وحدها دون سقوط العالم.


 

اترك تعليقا