العرب في بريطانيا | حين يصمت العظماء: تأملات من قصة يوسف عليه السلام

حين يصمت العظماء: تأملات من قصة يوسف عليه السلام

WhatsApp Image 2026-02-22 at 9.36.59 AM
عادل يوسف فبراير 22, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾

لطالما أسرَتني تلك السورة المتضمنة لقصة نبي الله يوسف، بكل آياتها وتصويرها الفني البليغ، بدءًا بالرؤيا، مرورًا بمكر إخوته ومحاولة الفتك به، وانتهاءً بتنصيبه ملكًا على خزائن الأرض ومجيء إخوته بين يديه أذلاء صاغرين.

لكن أكثر المواقف التي استوقفتني كثيرًا ولم تمر عليّ مرور الكرام، هي حين حاول يوسف إيجاد طريقة ليُعلم بها أباه أنه حي يُرزق، فواجه طعنة مباغتة من أقرب الناس إليه (إخوته): «إن يسرق فقد سرق أخٌ له من قبل». هكذا، فجأة بلا مقدمات، وحتى قبل أن يتثبتوا من الخبر، يُعلمون الغريب أن أي جريرة تلطخت بها يد (بنيامين) إنما ورثها عن أخيه الأكبر (يوسف)، أما هم فمبرؤون من خطاياهم ومساويهم.

كضرائر الحسناء قلن لوجهها

حسدًا وبغضًا إنه لدميم

ولأن القرآن كتاب لصناعة الوعي ودليل إرشادي للقارئ، لم يكتفِ بذكر قبيح صنيعهم، بل أردف الحل العملي الأسمى الذي تحلّى به الصديق في ذلك الموقف الصعب: (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ).

(فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) بعد رميه في البئر ومحاولة قتله.

(فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) بعد كل العناء الذي تكبّده جرّاء حسدهم، وهو الحر الشريف الذي تحوّل إلى عبد رقيق يُباع في سوق النخاسة.

(فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) بعد الفتنة العظيمة مع امرأة العزيز والزجّ به في جحيم السجون.

(فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) تغاضى عنها وأعرض، لأن التركيز الآن منصب على الإتيان بوالده، وليس الجدال وإظهار الحق وتذكيرهم بأخطائهم، كما فعل موسى عليه السلام حين قطع الطريق على فرعون، ولما أخذ الأخير يبعث أسئلة لا طائل منها، (فما بال القرون الأولى) أجابه: «علمها عند ربي في كتاب».

(فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) لأن كل الأحزان المكبوتة محفوظة عند من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

في زمن ليس ببعيد، وفي محاولة مني للتأسي بما سبق ذكره، كنت قد امتشقت قلمي وأسدلت عباراتي على ضوء “فأسرّها”، يحسُن إيرادها في هذا الباب، لأذكّر نفسي أولًا، ولمن ألقى السمع وهو شهيد ثانيًا:

كل تلك الأوقات العصيبة، والليالي الحالكة، والخيبات المتتالية، علاجها: “فأسرّها”، لأن الله وحده عليم بها.
الأحلام والأمنيات التي طال زمان انتظارها ولم يبزغ فجرها بعد: “فأسرّها”.

لأولئك الذين خلّفوا ورائهم ندوبًا لا تُغتفر: نُداوي جراحهم بـ “فأسرّها”.

للغرباء الذين أشرعوا لنا أبواب قلوبهم، يوم أن أوصدها الأحباب ومضوا في طريقهم قبل أن نشكرهم.
لكل تلك الكلمات التي ظلت حبيسة فينا، يوم أن حُق علينا قولها: “فأسرّها”.

ولتلك الرسائل التي ضلت طريقها، ورحل أصحابها للأبد دون وداع، لن ينساها الله وسيجمعنا بهم.

يبقى أن أنبّه إلى ملمح غاية في الأهمية، وهو أن يوسف عليه السلام كظم غيظه وهو في موقف عزة وإباء، فقد كان الملك تخِر له الجبابر سجدا، ولم يكن في موقف الذليل الذي لا يملك خيارًا إلاّ أن يُسامح. وشتان بين الموقفين، كما ذكر الدكتور المؤرخ محمد إلهامي في كتابه موجز تاريخ الإسلام حين أسهب عن حضارة المسلمين في المعارك، قال:

حُسن الخلق ليس هو الضعف ولا التنازل، ولا هو إحسان الظن في غير موضعه، بل جرى الحديث عن الأخلاق في الحروب، لأن الحروب بطبيعتها لا أخلاق فيها، فهي مظنة البطش، فيجب على من قرأ السطور السابقة ألاّ يظن أن الفتوحات الإسلامية لم يكن فيها شدة على أعدائها… إلى آخر ما قاله.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 9 يونيو 2026
هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على مهنة المحاسبة، أم سيكون شريكك الأقوى لتوفير المال؟ 🤔 انضموا إلينا في بث مباشر مميز للإجابة عن هذا السؤال، مع رائد الأعمال ومؤسس منصة Taxara المتخصصة أحمد شيبان، تحاورُه مروة كنيفد تحت عنوان: "هل يمكن…
𝕏 @alarabinuk · 9 يونيو 2026
المئات يحتشدون أمام مقر الحكومة رفضا للحرب على غزة ولبنان وإيران تلبية لدعوة تحالف دعم فلسطين في بريطانيا. #العرب_في_بريطانيا AUK
𝕏 @alarabinuk · 9 يونيو 2026
بعد تلك الأجواء الإيمانية التي عشناها مع الحجاج خلف الشاشات.. 🕊️ حان الوقت لتجعل من حلمك واقعًا، وتخطط لعمرتك القادمة برفقتنا المميّزة ببرنامجها الـ 5 نجوم والرفقة الطيّبة التي تليق بك. لا تكتفِ بالتمني.. احجز مقعدك الآن قبل نفاد الأماكن.…
𝕏 @alarabinuk · 9 يونيو 2026
Empowering our community toward financial freedom Ahmad Al-Ayoubi, financial expert and founder of Nisba, extends an exclusive invitation to Al Arabs in UK (AUK) aspiring to break into the world of finance and business. Don't miss the upcoming The Halal…
عرض المزيد على X ←