العرب في بريطانيا | حين يصبح الألم عاديًا

حين يصبح الألم عاديًا

حين يصبح الألم عاديًا
د. أنس التكريتي يونيو 1, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ثمةَ نوعٌ من الرعب لا يُعلن عن نفسه بالعنف، فهو يأتي خِلسةً متلحِّفًا بلغة الواجب والولاء والنظام. إنه رعبُ مشاهدة إنسانٍ يطّلع على أدلةِ مجزرةٍ وثَّقها الجلادُ بيده فلا يحسُّ شيئًا. لا ذنب يعتصره ولا اشمئزاز يصيبه، ولا حتى وخزةُ ضمير. مجرد نظرةٍ فارغةٍ من أي معنى وكأن المعذَّبين أمامه ينتمون إلى عالمٍ توقَّف عن الاعتراف بإنسانيته منذ أمدٍ بعيد.

هذا بالضبط ما واجهه الحاضرون لحظةَ إلقاء القبض على أمجد يوسف قبل أسابيع قليلة، ذلك السوري الذي انخرط في قوات نظام الأسد البائد، والذي صوَّر نفسه وهو يشارك في مجزرة حي التضامن في إبريل ٢٠١٣ حين أُلقي ٤١ مدنيًا في حُفرةٍ وأُطلقت عليهم النار من مسافةٍ قريبة ثم أُحرقت جثثهم.

حين عرض المحققون على ذوي الجاني مقاطع الفيديو التي صوَّرها بيده شاهدًا على جريمته لم يرتجفوا ولم يبدوا استغرابًا أو استياء بل توسَّلوا وأصرُّوا أنه كان يؤدي واجبه ليس إلا، يُنفِّذ أوامر وُجهت له لا أكثر. وكلَّما ضغط المحققون لمواجهتهم بهمجية ما توثِّقه المقاطع انسحبوا أكثر خلف جدارٍ عازل من العجز عن الفهم. لم يكونوا يكذبون ولم يكونوا يُمثِّلون. كانوا في حقيقة الأمر عاجزين في أعماقهم عن إيجاد ما يُعينهم على رؤية هذا الواقع جريمةً ارتُكبت بحق بشر.

هذا ليس قسوةً من النوع المألوف، بل هو أشد إزعاجًا وأعمق إثارةً للقلق من ذلك. هذا هو ما يحدث حين يبلغ التجريد من الإنسانية حدَّه الأقصى ويتشرَّب في نسيج الحياة اليومية حتى تتوقف معاناة الآخر المُصطَنَع عن أن تُدرَك معاناةً أصلًا. لقد جُرِّد ضحايا حي التضامن في أذهان قاتليهم وأحبَّاء قاتليهم، من موقعهم في السجلِّ الأخلاقي للإنسانية. وهكذا لم يكن الفيديو دليلًا على جريمة، بل اقتصر على كونه مجرد فيديو لا يستحق الوقوف عنده كثيرًا.

ولنا أن نقع في خطأ جسيم إن تعاملنا مع هذا باعتباره شذوذًا فريدًا خاصًا بعائلةٍ بعينها في صراعٍ بعينه. فالظاهرة النفسية المتجلِّية هنا، التي يمكن أن نسمِّيها اللامبالاة التعاطفية، ليست نتاجَ خلل فردي بل هي نتاجُ تكييفٍ ممنهج متواصل. حين تتعلَّم مجتمعاتٌ بأسرها عبر سنواتٍ وعقود، أن ثمة فئةً من الناس أدنى من البشر وأقل قيمةً وأضعف حضورًا، فإن الدوائر العاطفية التي كان يُفترض أن تنبض استجابةً لألمهم تُعاد صياغتها تدريجيًا، حتى تتوقف عن النبض كليًا.

هذا الواقع المُقلق سلَّط عليه ضوءًا ساطعًا ندوةٌ أقامها التحالف العالمي لأجل فلسطين الأسبوع الماضي، إذ تناول المتحدثون فيها إقرارَ الكنيست الإسرائيلي في الثلاثين من مارس ٢٠٢٦ ما بات يُعرف بقانون الإعدام للإرهابيين، وهو تشريعٌ يجعل الشنقَ عقوبةً إلزامية لكل من يُدان بقتل إسرائيليين، وتصدر هذه الأحكام عبر المحاكم العسكرية التي تختص في الغالب بمحاكمة الفلسطينيين، وتبلغ فيها نسبة الإدانة نحو 98 في المئة. والقانون لا يدَّعي حتى التظاهر بالشمولية والعدالة، فأي مواطن إسرائيلي يُتَّهم بالقتل في الضفة الغربية المحتلة يُحاكَم أمام المحاكم المدنية، حيث لا تتجاوز نسبة الإدانة في الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين 3 في المئة تقريبًا.

هذا ليس نظامًا قضائيًا، بل هو تصنيفٌ قانوني لقيمة الأرواح البشرية. ولعل الأكثر إيلامًا هو ما رصده أحد المتحدثين من الانتهاكات الجنسية التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون بصفةٍ منتظمة، انتهاكاتٌ لا تُخفى ولا تُنكر ولا تُلاحَق قضائيًا، بل تذوب في الخلفية اليومية لمجتمعٍ قرَّر في مجمله أن هؤلاء الضحايا لا يستحقون كامل اهتمامه الأخلاقي. وقد وثَّقت منظمات حقوق الإنسان عمليات الاعتقال التعسفي والتعذيب والحرمان من حق التواصل مع الصليب الأحمر والعنف الجنسي بوصفها سماتٍ راسخة في منظومة السجون الإسرائيلية، غير أنها تظل بالنسبة لشرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي، لا تستدعي أدنى تعليق.

ولا يتجلَّى هذا في مكانٍ أوضح وأشد إزعاجًا مما يكشفه موقف الرأي العام الإسرائيلي من معاناة الفلسطينيين. فالانتهاكات الجنسية التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون والموثَّقة والمُبلَّغ عنها والمُعترَف بها، قوبلت في أوساطٍ واسعة لا بالسخط، بل بالتجاهل التام بل والتأييد في بعض الأحيان.

وفي مايو ٢٠٢٦ طفت ادعاءاتٌ تُفيد بأن إسرائيل درَّبت كلابًا لاغتصاب أسرى فلسطينيين، نفتها مصلحة السجون الإسرائيلية، فيما أصدر رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الخارجية ساعر توجيهاتٍ برفع دعوى تشهير ضد صحيفة نيويورك تايمز؛ بسبب تقاريرها عن الانتهاكات الجنسية بحق الأسرى الفلسطينيين. إذن لم يكن ردُّ الدولة التحقيقَ، بل كان مقاضاة من أبلغ عنها. وقد أُصيب أطفالٌ فلسطينيون بنيران القناصة ودُفنوا تحت الأنقاض وقُتلوا في نومهم، وكان ردُّ فعل شرائح واسعة من المجتمع والطبقة السياسية الإسرائيلية الانزواء بانعكاسية غريزية خلف لغة الأمن والضرورة والأضرار الجانبية المؤسفة لكنها لا مفر منها.

هذا ليس خلافًا سياسيًا مجردًا، بل هو اللامبالاة التعاطفية تتجلَّى أمامنا بشكل حقيقي، فها هو مجتمعٌ أفضت فيه عقودٌ من الاحتلال ومن تصوير الفلسطينيين أنهم تهديد وجودي لا بشر، إلى تآكل القدرة الأساسية، العصبية والأخلاقية، على الإحساس بألم الفلسطيني. وكما أوضح أحد المحللين الإسرائيليين في مجال حقوق الإنسان، فإن قانون الإعدام ليس استثناءً بقدر ما هو جزءٌ من المنظومة ومن مكوِّنات الحياة اليومية للناس هنا، يُعيد تشكيل نظرتهم للواقع، لا باعتباره حدثًا استثنائيًا، بل باعتباره النموذجَ الأكثر حدةً لما يقبله معظم الناس في إسرائيل باعتباره طبيعيًا.

حين خرج المحتجون الإسرائيليون بمئات الآلاف دفاعًا عن استقلالية القضاء، أثبتوا أن قدرتهم على الغضب المدني لا تزال حيةً ونابضة، غير أن هذه القدرة لا تمتد لتشمل من جُرِّدوا تجريدًا كاملًا من إنسانيتهم. المشاعر موجودةٌ ولكنها انتقائية، والتعاطف الانتقائي الذي يُوظَّف بصورةٍ ممنهجة على أسسٍ عرقية وإثنية، ليس تعاطفًا بأي معنى. إنه إلغاءٌ للتعاطف واجتثاثٌ له من جذوره.

هذا هو المسار الذي يسلكه التجريد من الإنسانية، فهو لا يبدأ بالمجازر بل يبدأ بالكلمات والتعبيرات اللغوية من مثل: “الحيوانات” و”الدروع البشرية” و”التهديدات الديموغرافية” وهكذا. ثم يتواصل الأمر مع سياساتٍ تجعل معاناة الآخر خفيةً أو مباحة، ثم ينتهي بأن يُشاهد أناس الفظائع فلا يجدون في أنفسهم شيئًا من الخطأ فيما يرون أو الحاجة للإنكار.

فعائلة أمجد يوسف الذين لم يجدوا في أنفسهم القدرة على إبداء الانزعاج -مجرد الانزعاج- مما اقترفه ولدهم، تمثل ظاهرة لا يود العالم الإقرار بها؛ فهي ليست ظاهرةً سوريةً بالخصوص ولا عربيةً ولا متطرفةً. بل هي ظاهرة تعكس ما قد تغدو عليه أيُّ مجتمعاتٍ حين تُقرِّر أن بعض الأرواح لا تستحق الاعتبار.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 1 يونيو 2026
"نحن نعارض الإبادة الجماعية وسنبقى هُنا.." ناشطون من حركة "مناهضون للإبادة الجماعية" يواصلون محاربة شركات الأسلحة الداعمة لإسرائيل، ويغلقون بوابتي مصنع "يو أي في إنجينز" التابع لشركة "إلبيت"، لشلّ إنتاج محركات الطائرات المسيرة التي تُستخدم في قتل المدنيين. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 1 يونيو 2026
هل تعلم أن لحظة غضب واحدة تجاه بناتك قد تقودك إلى السجن في بريطانيا؟ المحامي بسام طبلية، المدير التنفيذي لشركة BA للمحاماة الدولية، يفتح الصندوق الأسود للقوانين البريطانية في #بودكاست_عرب، ويكشف بالقصص والتجارب الواقعية كيف تحولت خلافات عائلية بسيطة إلى…
𝕏 @alarabinuk · 1 يونيو 2026
"الحقيقة أنكم استعمرتم العالم بالنهب والقتل.." خلال مقابلة عابرة، رد شاب يساري بقوة على صحفي حاول اتهام المهاجرين بارتكاب جرائم أكثر من البريطانيين الأصليين، ليفجر الشاب حقائق تاريخية خطيرة وغير متوقعة عن تاريخ بريطانيا الاستعماري. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 1 يونيو 2026
أجواء استثنائية وضخمة تضيء ساحات العاصمة البريطانية في عيد الأضحى المبارك.. ✨ بمشاركة مئات المحتفلين، انطلقت فعالية «عيد في الساحة» بميدان ترافلغار وسط أجواء غامرة بالسعادة، حيث شهد الحدث أداءً مميزًا لـ «أوركسترا لندن العربية»، إلى جانب باقة من الأنشطة…
عرض المزيد على X ←