بين عيدي أمين وشعبوية اليمين… لماذا قد يكون السابع من مايو أكثر من مجرد انتخابات؟
في السياسة، ليست كل الانتخابات مجرد تنافس اعتيادي على المقاعد، ولا كل صناديق الاقتراع مجرد إجراء ديمقراطي بارد.
بعض المحطات الانتخابية تتحول، في لحظات تاريخية معينة، إلى اختبار أخلاقي حقيقي: أيّ بلد نريد؟ وأيّ خطاب نسمح له بأن يمثلنا؟ وأيّ مستقبل نورثه لأبنائنا؟
الانتخابات المنتظرة في السابع من مايو ليست مجرد موعد آخر في الروزنامة البريطانية، بل لحظة ينبغي قراءتها بوعي يتجاوز أسماء المرشحين إلى طبيعة المناخ السياسي الذي يتشكل من حولنا.
فالخطر لا يكمن فقط في صعود شخصيات مثل نايجل فاراج أو في تمدد خطاب تومي روبنسون ومن يشبهه، بل في التطبيع التدريجي مع الفكرة نفسها: فكرة أن مشاكل بريطانيا يمكن اختزالها في المهاجر، أو المسلم، أو اللاجئ، أو المختلف.
هنا يصبح التصويت أكثر من اختيار سياسي… يصبح موقفًا من هوية المجتمع ذاته.
من أوغندا عيدي أمين إلى شعبوية العصر الحديث
حين قرر عيدي أمين في سبعينيات القرن الماضي طرد الآسيويين من أوغندا، لم يقدم نفسه كطاغية أحمق، بل كبطل قومي “يستعيد الوطن”.
لم يقل للناس إنه يقودهم نحو الخراب، بل أوهمهم أن مشكلاتهم ستُحل إذا تخلصوا من “الآخر”.
التاريخ أثبت لاحقًا أن الكارثة لم تكن في وجود الأقلية المستهدفة… بل في القيادة التي جعلت منها شماعة للفشل.
اليوم، لا أحد في بريطانيا يطرح المشهد بهذه الفجاجة، لكن الخطورة في النسخ الحديثة من الشعبوية أنها أكثر تهذيبًا لغويًا، وأكثر ذكاءً إعلاميًا.
بدل “اطردوا هؤلاء”، يصبح الشعار: “استعيدوا بلدكم”.
وبدل العنصرية المباشرة، تصبح الرسالة: “نحن فقط نقلق على الثقافة والأمن”.
وبدل خطاب الكراهية الصريح، يُسوَّق الخوف باعتباره حكمة سياسية.
لكن الجوهر يبقى مقلقًا:
حين يُطلب من الناس أن يحمّلوا الأضعف مسؤولية أخطاء الأقوى، فنحن أمام المنطق ذاته… وإن تغيّرت العبارات.
لماذا يصبح التصويت هنا ضرورة أخلاقية؟
لأن الامتناع، أو التشتت، أو التصويت الاحتجاجي غير المحسوب، قد يفتح الباب أمام من لا يحتاجون إلى أغلبية مجتمعية كاملة بقدر ما يحتاجون إلى انقسام خصومهم.
اليمين المتطرف يزدهر غالبًا حين يتعامل المعتدلون مع الانتخابات كأنها شأن عابر، أو حين يكتفون بالنقد من بعيد دون فعل سياسي ملموس.
في لحظات كهذه، لا يكون السؤال:
“من هو المرشح المثالي؟”
بل:
“من هو الأقدر واقعيًا على منع انزلاق المشهد نحو مزيد من التطرف؟”
هذه ليست دعوة للعاطفة، بل لقراءة سياسية ناضجة.
ففي الأنظمة الديمقراطية، قد لا تصوّت دائمًا لمن يمثلك بالكامل، لكنك أحيانًا تصوّت بوعي لمنع الأسوأ، وحماية المجال العام من خطاب قد يصبح لاحقًا أكثر عدوانية تجاه المهاجرين والمسلمين والأقليات، بل وتجاه قيم العدالة نفسها.
المجتمع العربي والمسلم… من رد الفعل إلى الفعل
كثيرون يشتكون بحق من ازدواجية المعايير، ومن تراجع بعض الأحزاب التقليدية، ومن خيبات متراكمة.
وهذا مفهوم.
لكن الغضب المشروع لا ينبغي أن يتحول إلى انسحاب سياسي يخدم من يتغذون أصلًا على ضعف المشاركة.
في السابع من مايو، يصبح الصوت الانتخابي أداة دفاع مدني، لا مجرد ورقة اقتراع.
وسواء كان الناخب عربيًا أو مسلمًا أو مهاجرًا أو بريطانيًا يخشى على نسيج بلده، فالمطلوب ليس التصفيق لهذا الحزب أو ذاك، بل العمل الواعي — فرديًا وجماعيًا — لدعم المرشحين الأكثر قدرة على وقف تمدد اليمين المتطرف حيثما أمكن.
ليس المطلوب رومانسية سياسية… بل واقعية مسؤولة.
الديمقراطية لا تحمي نفسها تلقائيًا
من أخطر الأوهام الاعتقاد أن المؤسسات الديمقراطية كافية وحدها لردع الانحدار.
الحقيقة أن المؤسسات تحتاج دائمًا إلى جمهور يقظ.
فالخطاب الإقصائي لا يبدأ عادة بانقلاب، بل بمقاعد أكثر… ثم بشرعية أكبر… ثم بتطبيع تدريجي مع أفكار كان يُنظر إليها سابقًا باعتبارها هامشية أو خطرة.
ولهذا، فإن مقاومة التطرف لا تكون فقط عبر المقالات والاحتجاجات، بل أيضًا عبر صناديق الاقتراع.
السابع من مايو… اختبار الوعي قبل السياسة
في نهاية المطاف، قد لا تغيّر انتخابات واحدة كل شيء، لكنها قد تمنع أشياء كثيرة من التدهور.
السابع من مايو ليس مجرد منافسة حزبية، بل فرصة لإرسال رسالة واضحة:
إن بريطانيا الأقوى ليست تلك التي تبني مستقبلها على الخوف من المهاجر، ولا على شيطنة المسلم، ولا على تسويق الكراهية كحل سياسي.
بل بريطانيا الأقوى هي التي تواجه أزماتها الحقيقية دون أن تبيع روحها للشعبوية.
التاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تسقط فقط حين ينتصر المتطرفون…
بل أيضًا حين يقرر العقلاء أن المعركة لا تعنيهم.
ولهذا، فإن الواجب اليوم ليس فقط رفض خطاب اليمين المتطرف…
بل العمل سياسيًا، وانتخابيًا، ومجتمعيًا، لدعم كل من يستطيع — بواقعية ومسؤولية — أن يمنع تحويل الخوف إلى مشروع حكم.
الرابط المختصر هنا ⬇