بين الشيخ حميدُ الله والرئيس الأمريكي بيل كلنتون
أحد الأمور التي ساقتني إليها الأحداث مؤخراً، أنني كلما تسلل اليأس في الأوقات، ودبَّ الملل يتسرّبُ في شرايين اللحظات، أنفُث عن يميني وشمالي ثلاثاً، ثم أُذكّر نفسي بخبر أقوامٍ نحتوا أسماءهم في سجلاتِ الفائزين؛ فما ألبث قليلاً حتّى تنقشع الغمامة عن جفني، ويسري في جسدي أرخبيل الحياة؛ منادياً: حيّ على خير العمل.
تراءى لي الأخذ من كل بستان زهرة، ومن كل أفقٍ شعاع، فطفقت إلى أقصى المشرق عند شيخنا العلامة، أرتاد مرافيه وأغترف من صوافيه، ثم يممت شطر المغرب نحو الرئيس الأمريكي، أجوب مفاوزه وأحوزُ جوائزه. فبين أقبية حلقات العلم وأروقة البيت الأبيض، أنا أدندن:
إذا مرضنا تداوينا بذكركمُ
ونترك الذكر أحياناً فننتكسُ
الشيخ محمد حميد الله
بداية الاقلاع كانت من عند أحد أقطاب العلم والثقافة في العصر الحديث، سفير الإسلام في الغرب وأمين تراثه.
هو -لمن لا يعرفه- الشيخ العلامة المتفنن محمد حميدُ الله الحيدرآبادي ( ١٣٢٦ه-١٤٢٣ه/١٩٠٨م-٢٠٠٢م) مفخرة القارة الهندية. بعد أن عاث المستخرب في أرضه فساداً، وأخذ بتقسيمها على أساس الدين ( الهند وباكستان )، رفض القرار واتّخذ من مدينة الأضواء “باريس” مسكناً له حتى أتاه اليقين.
عاش قرناً من الزمن -إلاّ قليلا- جُله في الإرشاد والدعوة إلى الله تعالى، بل من جميل ما أُثر عنه أنه إذا وضعت جميع مصنفاته فوق بعضها فاقته في الطول، لكثرة مؤلفاته رحمه الله.
ما يهمني من سيرته -وكلها مهمة- ، ومما تندلق له الأفواه تعجباً أن قد بلغت به همته في تعلم اللغة التايلندية، حتى يكتب القران للشعب التايلندي بلغتهم، وهو شيخ في الثمانين من عمره !!.
ونحن أناسٌ لا توسط عندنا، لنا
الصدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا، ومن
يخطب الحسناء لم يُغله المهرُ
الرئيس الأمريكي بيل كلنتون
بعد الإقلاع من شبه القارة الهندية، وجدتني أحُطّ الرحال في بلاد العم سام، أتلصص على الرئيس في مكتبه البيضاوي. فقد تربّع كلينتون على عرش الرئاسة ثماني سنوات عُرفت أنها الأكثر ازدهاراً، فضلاً عن الأحداث المهمة كاتّفاقيّة أوسلو، وتوسيع حلف الناتو .
ما أثار إعجابي -وتحسري على حالي- أنه بعد انقضاء عهده، على الفور أصدر مذكراته “حياتي” الواقعة في أكثر من ألف صفحة.
فلما سأله الصحفيون: أنّى له ذلك؟ أجاب: كنت أتحرى الأوقات بين المؤتمرات والزيارات، فأقرأ وأكتب كل يوم، حتى إذا انقضت مُدتي وانتهت فترتي، صرت إلى ما صرت إليه.
في طريق عودتي بعد تطواف في مشارق الأرض ومغاربها، دعوتُ:
” اللهم همةً كهمة الحيدرآبادي، وألا يكون كلنتون أحرص على الوقت مني “.
الرابط المختصر هنا ⬇