العرب في بريطانيا | بين التفاهة والفرصة الثانية: قراءة فلسفية في ظا...

بين التفاهة والفرصة الثانية: قراءة فلسفية في ظاهرة المؤثّرين

بين التفاهة والفرصة الثانية: قراءة فلسفية في ظاهرة المؤثّرين
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

تكاثرت الأصوات اليوم بالفعل، وتزاحمت المنصّات، فلم يعد التأثير حكراً على العلماء أو المفكّرين أو أصحاب الرسالات الكبرى، فقد بات في متناول أيّ فرد يمتلك هاتفاً وكاميرا وقدراً من الجرأة على الظهور. ومع هذا التحوّل، برزت ظاهرة “المؤثّر”، بما تحمله من تناقضات حادّة؛ إذ يجتمع فيها العميق والتافه، البنّاء والهدّام، الهادف والعابر. وهنا تنشأ إشكاليّة أخلاقية وفكرية: هل تمثّل تفاهة بعض المؤثّرين حكماً قاسياً على جيلٍ كامل؟ أم أنّ المسألة أعقد من هذا التبسيط الجائر؟

إنّ الميل إلى التعميم هو أحد أخطر أمراض الفكر؛ لأنّه يُغري صاحبه براحة الحكم السريع، ويعفيه من عناء التحليل والتفكيك. حين يرى المرء محتوى سطحياً يحصد ملايين المشاهدات، قد يتسرّب إلى قلبه شعور بالخيبة، وربما باليأس من وعي الجيل. لكن هذا الشعور، على صدقه الإنساني، لا يرقى إلى أن يكون حكماً موضوعياً. فالأجيال لا تُقاس بظواهر عابرة، ولا تُختزل في نماذج مشوّهة تُضخّمها الخوارزميات وتُعيد إنتاجها بوصفها “الواقع”.

التفاهة حالة عابرة يمكن أن تصيب أيّ إنسان حين ينفصل عن المعنى ويغرق في طلب القبول السريع. والمؤثّر، بوصفه إنساناً قبل أن يكون ظاهرة، يخضع لنفس قوانين الصعود والهبوط، الوعي والغفلة، النضج والتسرّع. من هنا، فإنّ إقصاءه أو شيطنته لا يُنتج وعياً، ولكن يُعمّق الانقسام، ويغلق أبواب التحوّل الممكنة.

إنّ الاعتراف بوجود المؤثّر “التافه” لا يعني تبرير محتواه، ولكن يعني مواجهته بوعيٍ نقدي لا إلغائي. فالفارق بين النقد والإلغاء هو الفارق بين البناء والهدم. النقد يضع مثيل الظاهرة أمامها، يكشف عيوبها، ويدعو إلى تجاوزها. أمّا الإلغاء، فيكتفي بالصراخ من خارج المشهد، دون أن يُحدث أثراً حقيقياً فيه. وهنا تكمن مسؤولية المتلقّي، الذي لم يعد مجرّد مستهلك سلبي، فقد غدا شريكاً في صناعة القيمة.

لقد غيّرت المنصّات الرقمية طبيعة السلطة الثقافية؛ فلم يعد هناك “حارس بوابة” يقرّر ما يُنشر وما يُمنع، بل أصبح الجمهور نفسه هو الحَكم. وكلّ إعجاب، وكلّ مشاركة، وكلّ متابعة، هي بمثابة تصويت ضمني على نوع المحتوى الذي نريده أن يسود. وعليه، فإنّ لوم المؤثّر وحده يُغفل نصف الحقيقة؛ لأنّ الجمهور، بوعيه أو بسطحيته، يشارك في صناعة هذا الواقع.

ومع ذلك، لا يمكن إعفاء المؤثّر من مسؤوليته الأخلاقية. فالتأثير، مهما كان شكله، هو سلطة، وكلّ سلطة تستوجب محاسبة. حين يختار المؤثّر أن يقدّم محتوى سطحياً أو مضلّلاً، فإنّه لا يعبّر فقط عن ذاته، وإنما يسهم في تشكيل وعي جماعي، قد يمتد أثره إلى سلوكيات وقيم. من هنا، فإنّ الدعوة إلى منحه “فرصة ثانية” لا تعني التساهل، وإنما تعني الإيمان بقدرة الإنسان على التغيّر، شريطة أن يواجه ذاته بصدق.

الفرصة الثانية، في بعدها الفلسفي، هي اختبار أخلاقي. هي لحظة يُدعى فيها الإنسان إلى إعادة تعريف نفسه، لا استنساخ أخطائه. كثيرون مرّوا بتجارب سقوط، لكنّهم حوّلوها إلى بدايات جديدة، لأنّهم امتلكوا شجاعة الاعتراف، لا مهارة التبرير. وهنا يظهر الفارق بين من يرى النقد تهديداً، ومن يراه فرصة للنمو.

إنّ أخطر ما في التفاهة ليس سطحيتها بحدّ ذاتها، وإنّما قدرتها على التكيّف والبقاء، إن لم تُواجَه ببدائل ذات قيمة. فرفض المحتوى الهابط لا يكفي، ما لم يُقترن بإنتاج محتوى راقٍ يجذب الجمهور ويُشبع حاجاته. الإنسان، بطبيعته، يبحث عن المتعة والمعنى معاً؛ وإذا غاب المعنى، اكتفى بالمتعة، مهما كانت ضحلة. لذلك، فإنّ مسؤولية الارتقاء لا تقع على عاتق المؤثّر وحده، وإنما تقع على كلّ من يمتلك القدرة على الإبداع والتأثير.

وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأهم: كيف نحوّل فضاء التأثير من ساحة صراع بين التفاهة والوعي، إلى مساحة تفاعل تُنتج وعياً ممتعاً وجاذباً؟ الإجابة لا تكمن في المنع أو القمع، تكمن في إعادة تعريف “النجاح” نفسه. حين يصبح النجاح مرتبطاً بالقيمة، لا بعدد المشاهدات فقط، سيتغيّر سلوك المؤثّرين تلقائياً، لأنّهم، في نهاية المطاف، يستجيبون لما يكافئه الجمهور.

إنّ النظرة التي ترى في تفاهة بعض المؤثّرين حكماً بالإعدام على جيلٍ كامل، هي نظرة قاسية بقدر ما هي قاصرة. فهي تتجاهل التنوّع الهائل داخل كلّ جيل، وتُغفل الجهود الصامتة التي لا تحظى بالضوء ذاته. في كلّ زمان، كان هناك سطحية وعمق، ضجيج وحكمة، لكنّ ما يميّز عصرنا هو سرعة الانتشار، لا طبيعة الظواهر نفسها.

لذلك، فإنّ الموقف الأكثر اتزاناً هو ذاك الذي يجمع بين النقد والرحمة، بين الحزم والإيمان بالتحوّل. أن نرفض التفاهة، نعم، لكن دون أن نختزل الإنسان فيها. أن نحمّل المؤثّر مسؤوليته، لكن دون أن نغلق أمامه باب التغيير. فربّ كلمة صادقة، أو تجربة قاسية، أو لحظة وعي، قادرة على أن تنقل الإنسان من ضفّة إلى أخرى.

في النهاية، يبقى الإنسان كائناً قابلاً للتشكّل، لا نصّاً مغلقاً على معنى واحد. والمؤثّر، مهما بدا سطحياً اليوم، قد يكون مشروع وعيٍ غداً، إذا وُجد من يُخاطبه بعقل لا بغضب، وبحجّة لا بسخرية. وهنا تتجلّى إنسانية الموقف: أن نرى في الآخر إمكانية، لا حكماً نهائياً.

إنّ منح الفرصة الثانية ليس ضعفاً، فهو شجاعة أخلاقية. لأنّه إيمان بأنّ السقوط ليس قدراً، وأنّ الارتقاء ممكن، مهما بدا الطريق طويلاً. وفي هذا العالم الذي يزداد ضجيجاً، قد يكون أعظم ما نملكه ليس القدرة على الإدانة، وإنما القدرة على الإبصار… أن نرى ما يمكن أن يكون، لا ما هو كائن فقط.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 20 Apr 2026
يواجه العرب والمسلمون في بريطانيا اليوم اللحظة الحاسمة لرسم مستقبل تمثيلهم السياسي؛ حيث يُغلق عند منتصف ليل اليوم باب التسجيل للمشاركة في انتخابات السابع من مايو 2026. تشمل هذه الانتخابات المجالس المحلية في إنجلترا، والبرلمان الوطني في اسكتلندا، والبرلمان المحلي…
𝕏 @alarabinuk · 20 Apr 2026
"ستارمر يقاتل من أجل مستقبله.." 🗞️تتصاعد الضغوط على ستارمر مع تعقّد أزمة ماندلسون، بينما تترقب الصحف البريطانية رده، مسلطةً الضوء في الوقت ذاته على عودة التهديدات الأمريكية المرتبطة بإيران. للاطلاع على أبرز ما تناولته الصحف اليوم ⬇️https://alarabinuk.com/?p=221601 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 20 Apr 2026
أبرز الموضوعات التي يمكنكم متابعتها اليوم عبر موقعنا الرسمي ومنصاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي 📰 🌐 http://Alarabinuk.com #العرب_في_بريطانيا #AUK #أخبار #نشرة_الأخبار #بريطانيا
𝕏 @alarabinuk · 20 Apr 2026
نضع بين أيديكم خريطة الطقس وأسعار الصرف في بريطانيا لهذا اليوم🌤💷 إليكم تحديثات الصباح👇 #العرب_في_بريطانيا #AUK
عرض المزيد على X ←