العرب في بريطانيا | لك أن تسخر من سياسات آندي بيرنهام لكنه يعرف جيد...

لك أن تسخر من سياسات آندي بيرنهام لكنه يعرف جيدًا ما يفعله

لك أن تسخر من تخفيض أسعار الحافلات ومشروع نقل رئاسة الوزراء للشمال.. لكن آندي بيرنهام يعرف جيدًا ما يفعله
جوناثان فريدلاند يوليو 25, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

إذا أردت السخرية من خفض أسعار تذاكر الحافلات أو من فكرة «داونينغ ستريت الشمال»، فلا أحد يمنعك.

لكن آندي بيرنهام يعرف جيدًا ما يفعله.

أولى خطواته السياسية أعادت إلى ذاكرتي ذكرى قديمة.

فقد أعلن، الأربعاء، أن سعر تذكرة الحافلات المفردة في أنحاء إنجلترا سيُحدد بسقف قدره باوندان ابتداءً من يناير/كانون الثاني المقبل. وكان ذلك جزءًا من حزمة إجراءات عملية صغيرة قال رئيس الوزراء الجديد إنها تهدف إلى منح البريطانيين «مساحة تنفّس» في مواجهة ضغوط المعيشة.

من بين تلك الإجراءات، كان هذا القرار هو الأكثر تأثيرًا بالنسبة إليّ، لأنه أعادني إلى أول مرة شعرت فيها بأن قرارًا حكوميًا يغيّر حياتي الشخصية مباشرة.

كان ذلك في خريف عام 1981، عندما خفّض مجلس لندن الكبرى، بقيادة زعيم حزب العمال آنذاك كين ليفينغستون، أسعار الحافلات في العاصمة. كان العنوان الأبرز آنذاك إطلاق تذكرة قصيرة بقيمة عشرة بنسات فقط.

أما بالنسبة إليّ، وكنت في الرابعة عشرة من عمري، فكان الأمر أفضل من ذلك؛ إذ خُفّضت جميع تذاكر الأطفال إلى خمسة بنسات فقط، ضمن مشروع حمل اسم «تعرفة عادلة» (Fares Fair).

تحولت المبادرة لاحقًا إلى معركة قانونية وسياسية. فقد اعترضت حكومة مارغريت تاتشر على الضريبة المحلية التي فُرضت لتمويلها، وانتهى الأمر بإعلان عدم قانونية المشروع وإلغائه.

لكنني لم أنسه أبدًا.

وأظن أن كثيرًا من سكان لندن لم ينسوه أيضًا، وهو ما ساعد ليفينغستون، بعد نحو عشرين عامًا، على الفوز بمنصب أول عمدة منتخب للعاصمة.

كان مشروع «تعرفة عادلة» يمتلك ما نسميه اليوم القدرة على الوصول المباشر إلى الناس. فقد كان وعدًا بسيطًا وواضحًا ترك أثرًا ملموسًا في حياة الناخبين، وبقي في ذاكرتهم طويلًا، بينما اختفت استراتيجيات أكبر وأكثر طموحًا من الذاكرة.

لقد نجح لأن السياسة، في جانب منها، تجارة تجزئة.

سياسة تبدأ من حياة الناس

الأسبوع الأول لبيرنهام في رئاسة الحكومة، وقبل ذلك تجربته عمدةً لمانشستر الكبرى، يوحيان بأنه يفهم هذه الحقيقة جيدًا.

صحيح أنه يتحدث عن إنهاء أربعة عقود من المركزية السياسية والخصخصة الاقتصادية، لكن ذلك وحده لا يكفي.

لا بد أيضًا من تقديم شيء يلمسه الناس مباشرة، ويفهمونه بسهولة، ويشعرون بأثره في حياتهم اليومية.

الجميع يفهم معنى انخفاض فاتورة الطاقة، أو تراجع سعر تذكرة الحافلة.

وكان رد كيمي بادينوك على خطوات بيرنهام الأولى كاشفًا أكثر مما ربما أرادت.

فقد وصفتها بأنها «حلول صغيرة لمشكلات كبيرة»، وأضافت: «إنه لم يعد عمدة مانشستر. هذه أفكار عمدة مانشستر. فأين رئيس الوزراء؟»

من الواضح أنه من المبكر جدًا إصدار حكم على حكومة لم يمض على تشكيلها سوى أيام قليلة، لا سيما أن بيرنهام أعلن أن القرارات الكبرى ستأتي لاحقًا، مع خطة عشرية للبلاد سيكشف عنها في الخريف.

لكن الطريقة التي استخدمت بها بادينوك هذه اللغة كانت لافتة.

ليس فقط لأنها تبدو غير مدركة لقيمة هذا النوع من السياسة، بل لأنها تنظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها تنتمي إلى الحكم المحلي، وبالتالي أقل شأنًا وأقل جدية.

تلك، في نظرها، مجرد «أفكار عمدة مانشستر».

قوة الحكم المحلي

صحيح أن كثيرًا من قادة المدن نجحوا بفضل هذا النوع من السياسات المباشرة.

يكفي أن نتذكر رودي جولياني، قبل سقوطه السياسي، وسياسة «النوافذ المكسورة» التي اعتمدها في نيويورك، والتي ركزت على مواجهة المخالفات الصغيرة، من سرقة الدراجات إلى خطف الحقائب.

وهذا أمر طبيعي.

فالحكم المحلي أقرب إلى الناس من الحكومات الوطنية، ويملك قدرة أكبر على تحسين ظروف حياتهم اليومية بصورة مباشرة.

لكن خطأ بادينوك أنها تعتبر ذلك نقطة ضعف.

في الحقيقة، بالنسبة لأي سياسي، هذه نقطة قوة.

كيف يتعلم قادة الدول من رؤساء البلديات؟

أمام القادة الوطنيين، الذين يحسدون هذا الأثر المباشر للحكم المحلي، يوجد طريقان.

الأول أن يتبنوا منطق «سياسة التجزئة» حتى وهم يديرون دولة بأكملها.

هارولد ويلسون كان يعتبر أن أعظم إنجازاته إنشاء الجامعة المفتوحة، وهي فكرة بسيطة جعلت التعليم الجامعي متاحًا لمن حُرموا منه.

ومارغريت تاتشر غيّرت وجه السياسة البريطانية عندما منحت سكان المساكن البلدية حق شراء منازلهم.

أما المثال الأوضح فهو الوعد بالرعاية الصحية المجانية، الذي تحول لاحقًا إلى هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، أكثر المؤسسات البريطانية شعبية.

أما الطريق الثاني، فهو ألا تحاول الحكومة تقليد الحكم المحلي فقط، بل أن تمنحه مزيدًا من القوة.

وهذا يبدو المشروع الحقيقي لحكومة بيرنهام، ويتجسد في خطته لإنشاء «داونينغ ستريت الشمال» ونقل مزيد من السلطة خارج لندن.

وعند افتتاح المقر الجديد في مانشستر، وصف بيرنهام ذلك بأنه «أفضل يوم في حياته».

مانشستر نموذجًا لبريطانيا

يرى بيرنهام أن مستقبل بريطانيا يكمن في تمكين مدن ومناطق أخرى من تكرار تجربة مانشستر.

وقد كتب في الغارديان: «بنينا منطقة حضرية حققت معدل نمو اقتصادي يعادل ضعف أي منطقة أخرى في المملكة المتحدة. وما نجحنا في تحقيقه في مانشستر الكبرى يمكن تحقيقه في أنحاء البلاد.»

وما أرادت بادينوك استخدامه سخريةً، يعتبره بيرنهام وسامًا.

نعم، هذه بالفعل «أفكار عمدة مانشستر».

الفكرة الأساسية بسيطة.

منح المدن والأقاليم مزيدًا من الصلاحيات قد يكون أفضل فرصة لمعالجة المشكلة التي استعصت على بريطانيا طويلًا: ضعف النمو الاقتصادي.

وتوصلت ورقة بحثية حديثة أعدها باحثون من كلية كينيدي بجامعة هارفارد وكلية كينغز في لندن، بمشاركة إد بولز وآخرين، إلى أن أزمة الإنتاجية البريطانية تعود، في جوهرها، إلى استمرار الفجوة الإنتاجية بين المناطق، حتى أصبحت الفوارق بين جنوب شرق إنجلترا وبقية البلاد أوسع من الفوارق التي كانت قائمة بين شرق ألمانيا وغربها.

لحظة مختلفة؟

ترى الدراسة أن حكومة كير ستارمر تحدثت كثيرًا عن اللامركزية، لكنها لم تترجم أقوالها إلى أفعال، معتبرة أن هذا كان نمط الحكم البريطاني لعقود.

وقد استند الباحثون إلى 95 مقابلة مطولة، بينها مقابلات مع عشرة رؤساء وزراء ووزراء مالية سابقين، وخلصوا إلى أن وايتهول ظل مترددًا في التخلي عن سلطاته، وأن السياسيين أنفسهم لم يتحركوا بالجرأة والسرعة المطلوبتين.

جون ميجور، وتوني بلير، وجورج أوزبورن، أعربوا جميعًا عن أسفهم لأنهم لم يمنحوا الأولوية للنمو الإقليمي منذ بداية فترات حكمهم، عندما كانت لديهم القوة السياسية الكافية لفعل ذلك.

هذه المرة، قد يكون الوضع مختلفًا.

فللمرة الأولى، يوجد في رئاسة الحكومة مؤمن حقيقي باللامركزية، إلى جانب حلفاء في وزارة الخزانة والوزارات الرئيسية.

ويقول إد بولز إن اجتماع بيرنهام، وجون هيلي، وأنجيلا راينر يجعل هذه «أفضل لحظة شهدناها على الإطلاق لدفع هذا المشروع».

أكثر من إجراءات صغيرة

ليست بادينوك وحدها من اعتبرت خطوات بيرنهام الأولى محدودة.

حتى داخل حزب العمال، تساءل البعض: أين القرارات الكبيرة التي تشبه استقلال بنك إنجلترا أو فرض الضريبة الاستثنائية على شركات المرافق، وهما القراران اللذان اتخذهما غوردون براون في الأسبوع الأول من حكومة 1997؟

لكن هذا النقد يتجاهل حجم القيود التي تواجه بيرنهام.

فهو يحتاج إلى مليارات إضافية لتمويل الدفاع، والرعاية الاجتماعية، وغيرها من الملفات، بينما يقيده البيان الانتخابي لعام 2024 الذي أغلق أمامه أكثر الطرق وضوحًا لزيادة الإيرادات.

وربما يغفل المنتقدون أيضًا ما يتشكل أمامهم بالفعل.

إعادة توزيع السلطة داخل بريطانيا تبدو المشروع الأكبر لحكومة بيرنهام.

وإذا نجح هذا المشروع، فقد يطلق سلسلة من السياسات الجديدة في مختلف أنحاء البلاد، ويحقق النمو الاقتصادي الذي تعتمد عليه بقية الإصلاحات.

ومن يدري؟

ربما يحسن حياة مراهق في مكان ما، بطريقة ما.

ومثلما حدث معي قبل أكثر من أربعة عقود، قد يبقى ذلك الأثر في ذاكرته إلى الأبد.

 

المصدر: الجارديان


اقرأ أيضاً

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 25 يوليو 2026
بين أزمة المياه والضغوط الاقتصادية.. ماذا يحدث في بريطانيا اليوم؟ لخصنا لك أبرز ما شغل بال البريطانيين خلال الـ 24 ساعة الماضية 👇🏻 للمزيد من التفاصيل: https://alarabinuk.com/?p=237656 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 25 يوليو 2026
تتقدم أسرة منصة «العرب في بريطانيا» بخالص عبارات التعزية والمواساة لأهلنا في سوريا؛ إثر حادث سير مروع ناتج عن اصطدام حافلتين على طريق (دمشق - دير الزور)، أسفر عن وقوع عشرات الوفيات والإصابات. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 25 يوليو 2026
أعلنت بلدية لندن بالتعاون مع هيئة النقل (TfL) عن بدء تطبيق المبادرة الصيفية لتخفيض تكاليف النقل والتي تُعرف باسم «Weekend Hopper» ابتداءً من اليوم السبت 25 يوليو 2026، حيث تتيح لسكان وزوار العاصمة التنقل عبر كافة حافلات النقل العام في…
𝕏 @alarabinuk · 25 يوليو 2026
بعد رحلة من النصائح المالية لتحسين الـ Credit Score والسيطرة على مصاريفك في بريطانيا.. 💸 المستشار المالي ياسر الدين يقدم ملخصًا سريعًا للموسم الأول من برنامج #مستشارك_في_بريطانيا تمهيدًا للانطلاق نحو الموسم الثاني بآفاق وفوائد أوسع. 💬 ما أكثر موضوع مالي…
عرض المزيد على X ←