برنامج (Your First Home)..هل تدعم الحكومة مشتري المنازل أم شركات البناء؟
أعلنت الحكومة البريطانية مؤخراً عن خطتها لإطلاق برنامج (Your First Home)، الذي يهدف إلى مساعدة المشترين لأول مرة على امتلاك منازلهم، من خلال تخفيض الدفعة الأولى المطلوبة إلى 2.5%، وتقديم قرض حكومي يغطي ما يصل إلى 20% من قيمة العقار، مع فترة أولية دون فوائد.
ويُحسب للحكومة البريطانية هذا التحرك، الذي يُعد في جميع الأحوال خطوة إيجابية نحو تسهيل امتلاك المنازل، خصوصاً بالنسبة للشباب والعائلات التي تجد صعوبة في جمع الدفعة الأولى. لكن خلف هذه التسهيلات يبرز سؤال اقتصادي مهم، هل سيستفيد المشترون فعلاً من هذا الدعم، أم أن شركات التطوير العقاري ستكون المستفيد الأكبر؟
لفهم هذه المخاوف، يكفي أن ننظر إلى واقع سوق العقارات الجديدة اليوم، وتحديداً في ضواحي لندن، حيث تقدم شركات التطوير العقاري حوافز مالية لجذب المشترين وتحريك مياه سوق العقار الراكدة، تشمل المساهمة في الدفعة الأولى، وتغطية بعض أقساط الرهن العقاري، والمساعدة في رسوم الشراء، إلى جانب خصومات يمكن التفاوض عليها.
وتصل قيمة بعض هذه الحوافز إلى 5% من سعر العقار، وقد ترتفع الحوافز والخصومات مجتمعة في بعض الحالات إلى نحو 7%، وهي مبالغ ليست بسيطة.
فعلى سبيل المثال، عند شراء شقة بقيمة 400 ألف جنيه إسترليني، تعادل حوافز بنسبة 5% مبلغ 20 ألف جنيه، وترتفع إلى 28 ألف جنيه عند نسبة 7%.
هذه الأموال تتحملها شركات التطوير العقاري حالياً من أجل تشجيع المشترين، وتسريع عمليات البيع في سوق يعاني من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف التمويل. لكن ماذا سيحدث عندما يدخل البرنامج الحكومي الجديد حيز التنفيذ؟
هنا تكمن المشكلة المحتملة.
مع إتاحة قروض مدعومة حكومياً وتخفيض الدفعة الأولى المطلوبة من المشتري، قد تجد شركات التطوير العقاري نفسها أقل حاجة إلى تقديم الحوافز والخصومات التي تعرضها اليوم.
وبمعنى آخر، فإن جزءاً من الدعم الحكومي قد لا يتحول إلى توفير إضافي للمشتري، بل إلى فرصة للمطور العقاري لتقليص الحوافز التي كان يقدمها من ماله الخاص. وهكذا، قد يتمكن المشتري من دخول السوق بدفعة أولى أقل، لكنه في المقابل يخسر خصومات كان يستطيع الحصول عليها سابقاً، أو ينتهي به الأمر إلى شراء العقار بسعر أعلى.
وهذه المخاوف ليست مجرد افتراضات نظرية. فقد شهدت بريطانيا تجربة مشابهة مع برنامج Help to Buy، الذي استمر بين عامي 2013 و2023. ورغم نجاحه في مساعدة مئات الآلاف على امتلاك منازلهم، أثار البرنامج تساؤلات حول تأثير الدعم الحكومي في أسعار العقارات الجديدة وأرباح المطورين.
وفي تقييم حكومي نُشر في سبتمبر 2026، خلص الباحثون إلى أن البرنامج ساهم على الأرجح في ارتفاع أسعار العقارات في بعض المناطق، وأن المنازل المشتراة عبر البرنامج كانت، في المتوسط، أغلى بنحو 1% من المنازل الجديدة المماثلة التي لم تُشترَ من خلاله.
كما وجد التقييم تأثيراً إيجابياً للبرنامج على إيرادات شركات التطوير العقاري وأرباحها وهوامش ربحها.
ويثير تحديد سقوف سعرية للعقارات المشمولة بالدعم قلقاً إضافياً، إذ قد تتحول هذه السقوف، في بعض الحالات، من وسيلة لحماية المشترين إلى نقطة مرجعية للتسعير، خصوصاً إذا أصبحت الشركات تدرك أن المشترين قادرون على الوصول إلى تمويل أكبر بفضل الدعم الحكومي.
ولا يعني ذلك أن جميع المطورين سيرفعون أسعارهم إلى السقف المسموح، لكنه خطر يستحق الانتباه عند تصميم البرنامج الجديد.
ومن الإنصاف أيضاً الإشارة إلى أن برنامج Your First Home يتضمن توجهاً لإلزام المطورين المشاركين بالمساهمة في تكاليفه، وهو ما قد يحد من المكاسب الإضافية التي يمكن أن يحققوها. إلا أن تفاصيل هذه المساهمة وآليات تنفيذ البرنامج لم تُحسم بعد.
المشكلة الحقيقية إذن ليست في تقديم الدعم الحكومي، بل في ضمان وصول قيمته الاقتصادية الفعلية إلى المستفيد المقصود.
فإذا كانت شقة تُعرض اليوم بسعر 400 ألف جنيه مع حوافز بقيمة 20 ألف جنيه، ثم بيعت بعد إطلاق البرنامج بالسعر نفسه ولكن دون تلك الحوافز، فهل يمكن اعتبار المشتري قد حصل على صفقة أفضل لمجرد أن الدفعة الأولى أصبحت أقل؟
ربما يتحسن وضعه من حيث السيولة المطلوبة عند الشراء، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن التكلفة الإجمالية لامتلاك المنزل أصبحت أقل.
ومن هنا، ينبغي ألا يقتصر تقييم نجاح البرنامج على عدد المشترين الذين استفادوا منه، بل يجب أن يشمل مقارنة الأسعار الفعلية والحوافز قبل إطلاقه وبعده، وقياس ما إذا كانت المساعدات الحكومية قد خفضت التكلفة الحقيقية على المشترين أم ساهمت في رفع الأسعار وهوامش أرباح المطورين.
فأزمة السكن في بريطانيا لا تتعلق بصعوبة توفير الدفعة الأولى وحدها، وإنما أيضاً بارتفاع أسعار العقارات مقارنة بالدخول، وبتكاليف الرهن العقاري، والنقص المزمن في المعروض السكني.
إن تسهيل الحصول على التمويل دون معالجة هذه المشكلات قد يزيد القدرة على الشراء على الورق، لكنه لا يجعل المنازل بالضرورة أكثر قابلية للتحمل.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي طرحه قبل إطلاق Your First Home: هل ستساعد الحكومة المواطنين على شراء منازل بأسعار أفضل، أم ستساعد شركات التطوير العقاري على بيع المنازل نفسها بحوافز أقل وأرباح أكبر؟
ومن المنتظر أن تتضح تفاصيل البرنامج وشروطه وآليات مساهمة المطورين بصورة أكبر مع إعلان الموازنة البريطانية في 28 أكتوبر الجاري، وهو ما سيساعد على تقييم مدى استفادة المشترين من هذه الخطوة، وإن كان أثرها الحقيقي على الأسعار والحوافز لن يتضح إلا بعد بدء تطبيقها.
فالنجاح الحقيقي لأي برنامج لدعم السكن لا يُقاس فقط بعدد من تمكنوا من الشراء، بل أيضاً بالسعر الذي دفعوه، والديون التي تحملوها، ومن حصل في النهاية على الفائدة الاقتصادية للدعم الحكومي.
الرابط المختصر هنا ⬇