العرب في بريطانيا | الوقوف مع الذات

الوقوف مع الذات

الوقوف مع الذات
أميرة عليان تبلو يونيو 29, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ليس أشدُّ على الإنسان من أن يقف أمام نفسه وقفةً صادقة، يخلع فيها أثواب الأعذار، ويطوي صفحات التبرير، وينظر إلى روحه بعينٍ لا يخالطها الهوى. فالناس يجيدون محاسبة غيرهم، أما محاسبة النفس فهي ميدان الشجعان، ومحراب الصادقين. وما أكثر الذين أتقنوا قراءة وجوه الآخرين، وعجزوا عن قراءة وجوههم الداخلية، تلك التي لا تنعكس في المرايا، وإنما تظهر في لحظات الصمت، حين ينفض القلب عنه ضجيج العالم، ولا يبقى بين الإنسان ونفسه إلا الحقيقة.

الوقوف مع الذات عودةٌ إلى الأصل؛ إلى ذلك الصوت الخافت الذي يضيع بين ضجيج الأيام، ويختنق تحت ركام الانشغالات. هو لحظةٌ يسأل فيها المرء نفسه: من أنا؟ وإلى أين أمضي؟ وهل ما أفعله يقودني إلى ما أرجو، أم يبعدني عمّا أؤمن به؟ إنها لحظة تتوقف فيها عجلة الحياة قليلاً، لأن الإنسان قرر أن يمنح روحه حقها في الإصغاء، بعد أن طال انشغاله بالإجابة عن أسئلة الآخرين، ونسي أن يجيب عن أسئلته هو.

وفي هذه الوقفة لا يبحث الإنسان عن صورةٍ مثاليةٍ لنفسه، لأن المثالية المطلقة قد تكون أحياناً قناعاً آخر للهروب من الحقيقة. فالإنسان ليس ملاكاً ليُطالب بالكمال، وليس شيطاناً ليُحكم عليه بالنقص الدائم. إنه كائنٌ يتأرجح بين القوة والضعف، وبين الصواب والخطأ، وبين السقوط والنهوض. ومن الحكمة أن يرى نفسه كما هي، لا كما يتمنى أن تكون، ولا كما يخشى أن تكون.

في هذه الوقفة تتعرّى الحقائق، وتسقط الأقنعة، ويغدو الإنسان شاهداً على نفسه، لا قاضياً عليها. فيعترف بتقصيره دون أن يستسلم له، ويقرّ بخطئه دون أن يفقد الأمل في إصلاحه. فليس الكمال في ألا نخطئ، وإنما في ألا نستكين للخطأ، وألا نُقيم فيه كأنّه قدرٌ لا فكاك منه. إن الاعتراف بالخلل ليس إهانةً للذات، وإنّما احترامٌ لها، لأن النفس التي تُنكر عيوبها تُغلق أبواب التغيير، أما التي تعترف بها فإنها تفتح أول نافذة نحو النضج.

ولعل أجمل ما في الوقوف مع الذات أنه يحرر الإنسان من الحاجة الدائمة إلى تبرير نفسه. فليس كل خطأ يحتاج إلى دفاع، ولا كل تقصير يحتاج إلى حكايةٍ تُخفف من وطأته. هناك شجاعةٌ نادرة تقول: نعم، لقد أخطأت. نعم، كان يمكنني أن أكون أفضل. وهذه الكلمات، على بساطتها، هي بداية التحول الحقيقي، لأن الاعتراف الصادق يهدم جدار الوهم، ويؤسس لبناءٍ أكثر رسوخاً.

إن النفس كالأرض؛ إن أُهملت نبت فيها الشوك، وإن رُعيت أثمرت خيراً وجمالاً. وما الأخلاق والفضائل إلا بذورٌ تحتاج إلى سقيٍ دائم، وما العيوب إلا أعشابٌ برية تنمو كلما غاب عنها الرقيب. ومن داوم على مراجعة ذاته، وتنقية قلبه، وتقويم سلوكه، نما في داخله إنسانٌ أكثر حكمةً، وأصفى بصيرةً، وأقرب إلى السلام. فالنفس لا تُهذَّب بقرارٍ عابر، وإنما تُصنع بالصبر، وبالتكرار، وبالمراجعة التي لا تنقطع.

غير أن الوقوف مع الذات لا يعني الوقوف ضدها بمعنى كسرها أو تحقيرها، ولكن يعني الوقوف ضد كل ما يشوهها ويمنعها من النمو. فمن يحب نفسه حقّاً لا يتركها أسيرة غرورها، ولا رهينة خوفها، ولا فريسة عاداتها السيئة. إنه يواجه ضعفها لأنه يريد لها القوة، ويعترف بسلبياتها لأنه يطمح إلى تجاوزها، ويقاوم هوى النفس لأنه يؤمن أن الحرية الحقيقية ليست أن يفعل الإنسان كل ما يشتهي، ولكن أن يملك القدرة على ألا يكون أسيراً لما يشتهي.

وليس الوقوف مع الذات جلداً لها، ولا غرقاً في تأنيبها، بل هو توازنٌ بين الاعتراف والرجاء، وبين المحاسبة والإصلاح. فالنفس التي تُجلد تفقد قدرتها على النهوض، والنفس التي تُدلَّل تفقد قدرتها على التغيير، أما النفس التي تُعامل بعدلٍ ورحمة، فإنها تنضج وتستقيم. ولذلك فإن الحكمة ليست في أن أرى عيوبي فقط، ولا في أن أرى محاسني فقط، وإنما في أن أرى الاثنين معاً بعينٍ عادلة، لا تغرّها الفضائل، ولا تُحطمها العيوب.

إن الإنسان لا يكبر بعدد السنوات التي يعيشها، يكبر بعدد المرات التي امتلك فيها شجاعة مراجعة نفسه. فكل مراجعةٍ صادقة تُسقط وهماً، وكل اعترافٍ نزيه يهدم عادةً سيئة، وكل مواجهةٍ مع الذات تُقرّب الإنسان خطوةً من صورته التي يستحقها. وما أعظم أن يخرج المرء من خلوته بنفسه وهو أقل إعجاباً بوهمه، وأكثر معرفةً بحقيقته، وأشد رغبةً في أن يكون أفضل مما كان عليه بالأمس.

وفي نهاية المطاف، يبقى أعظم انتصار يحققه الإنسان هو أن ينتصر على ضعفه، وأن يصالح نفسه على الحق، وأن يجعل من كل وقفةٍ مع ذاته بدايةً جديدة، لا نهايةً للأمل. فالحياة لا تُقاس بعدد السنوات التي نعبرها، تُقاس بعدد المرات التي وقفنا فيها مع أنفسنا بصدق، فاعترفنا بما يستحق الاعتراف، وغفرنا لأنفسنا ما يستحق الغفران، وأخذنا بأيديها نحو غدٍ أكثر وعياً، وأعمق صدقاً، وأجمل إنسانية.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk