المودة التي يزرعها الله في القلوب
ليست كل العلاقات تُبنى على أسبابٍ ظاهرة فهناك مودةٌ يزرعها الله في القلوب دون تخطيط؛ فتجد نفسك تميل إلى شخصٍ لم تربطك به مصلحة، ولم تجمعك به قرابةٌ ولا حتى نسب، ولم يكن بينكما سببٌ من أسباب الدنيا، ومع ذلك تشعر نحوه بألفةٍ وراحةٍ وسكينةٍ يصعب تفسيرها.
إنها المحبة الخالصة التي تتجاوز حدود المصالح والمكاسب، المحبة الخالية من أغراض الدنيا الفانية؛ فلا تقوم على منفعةٍ تُرجى، ولا على جاهٍ يُطلب، ولا على نسبٍ أو واسطةٍ أو مكانة. إنها محبةٌ لله وفي الله، يجد فيها القلب صفاءه، ويكون من أحبه سبباً ومصدر للسعادة، فتجد فيها الروح أُنسها.
ولعل هذا المعنى يتجلّى في قول النبي صلى الله عليه وسلم «الأرواح جنودٌ مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». فكم من شخصٍ أحببناه من أول لقاء دون أن نعرف سبباً واضحاً لذلك، وكم من روحٍ ارتاحت إلى روحٍ أخرى لأنها تشبهها في نقائها أو صدقها أو مبادئها. فليست كل مشاعر القلوب تُفسَّر بالعقل، فبعضها هدايا ربانية يودعها الله في النفوس.
وقد نحب أشخاصاً لأنهم قدوةٌ لنا، أو لأن أخلاقهم تلامس أجمل ما في أرواحنا، أو لأن شخصياتهم تحمل من الصدق والنبالة ما يجعلنا ننجذب إليهم بمحبةٍ صادقة. لا نريد منهم شيئاً إلا أن يكونوا دوماً بخير، ولا ننتظر منهم مقابلاً سوى الاحترام المتبادل. نحب فيهم الخير الذي نراه، والجمال الذي تعكسه أرواحهم.
وما أجمل المحبة حين تكون خالصةً لوجه الله؛ لا تزيدها المصالح، ولا تنقصها الخلافات العابرة، ولا تتبدل بتغير الأحوال. محبةٌ يبقى فيها الدعاء حاضراً، والوفاء ثابتاً، والود قائماً، حتى وإن فرقت بين أصحابها المسافات أو شغلتهم ظروف الحياة.
في زمنٍ أصبحت فيه كثيرٌ من العلاقات مرتبطةً بما تقدمه من منفعة، تبقى المودة التي يزرعها الله في القلوب من أعظم النعم وأصدقها. فهي رزقٌ لا يُشترى، وراحةٌ لا تُوهب إلا لمن أراد الله له أن يذوق جمال الأرواح المتآلفة والقلوب التي اجتمعت على الخير والمحبة والإخلاص.
فطوبى لمن وجد في حياته قلباً أحبه لله لا لشيءٍ من الدنيا، وطوبى لمن رزقه الله أرواحاً تشبه روحه، تُسعده قرباً، ويدعو لها بصدقٍ غياباً، ويبقى الود بينها قائماً، لأن الله هو بداية تلك المحبة، وهو غايتها ومقصدها.
اللّهمّ كما زرعت المودة في القلوب بفضلك، فأدمها بحفظك، واجعل محبتنا خالصةً لوجهك الكريم، لا يشوبها غرضٌ من أغراض الدنيا ولا تفسدها تقلبات الأيام. اللهم ارزقنا صحبة الأرواح الطيبة التي تذكرنا بك إذا نسينا، وتعيننا على الخير إذا ضعفنا، واجعلنا ممن تحابّوا فيك فاجتمعوا على طاعتك، واجمعنا بمن أحببنا فيك تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك، وفي جنات النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إن كانت هذه المودة منك، فباركها واحفظها، وأدمها نقيةً كما هي، واجعلها طريقًا إلى رضاك، واجمع القلوب التي أحبت فيك على خير الدنيا، ونعيم الآخرة، وجمال اللقاء بك. آمين.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇