العرب في بريطانيا | "المنشية" حكايتان.. بين الحي والميدان

“المنشية” حكايتان.. بين الحي والميدان

"المنشية" حكايتان.. بين الحي والميدان
محمد لعتابي سبتمبر 23, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ضمن فعاليات مهرجان الفنون والثقافة الفلسطينية “PalArt Festival 2026” الذي ينظمه تجمع (PalArt Collective) بالتعاون مع مسرح الحكواتي (المسرح الوطني الفلسطيني). تستضيف العاصمة البريطانية لندن، في الفترة من الـ23 إلى الـ26 من أيلول/سبتمبر 2026، العرض المسرحي الفلسطيني “المنشية” (El-Manshiyyeh)،

وسيُعرض العمل على خشبة مسرح بيليزانس (Pleasance London – Main House Cabaret)، ويُعد تجربة مسرحية فريدة تتقاطع فيها الذاكرة الجماعية مع التراث غير المادي لحي “المنشية” العريق في مدينة يافا.

نخبة من نجوم المسرح الفلسطيني يجسدون حكاية “المنشية” على خشبة بيليزانس اللندنية

قرأت هذا الإعلان على موقع منصة العرب في بريطانيا، وجذبني الفضول باعتبار اهتمامي بأبي الفنون، وتساءلت عن “المنشية” وتسميتها وحكايتها؛ فنبشت وقلبت في بعض المراجع والمصادر؛ فوجدت “المنشية” ليست واحدة بل “منشيتان”، الأولى بيافا والثانية في الإسكندرية.

ترتبط تسمية “المنشية” في الذاكرة العربية الجمعية بحكايتين ومكانين مختلفين، كلتاهما شكلت مفصلاً تاريخياً عميقاً ببعديه السياسي والإنساني؛ الأولى هي مأساة حي المنشية في مدينة يافا التي تجسد الاقتلاع والمحو الجغرافي، والثانية هي حادثة ميدان المنشية في الإسكندرية التي غيرت وجه الخريطة السياسية في مصر.

تفكيك لأطوار كل حكاية وسياقها وأبعادها:

المنشية الأولى:

كان حي المنشية يمثل الامتداد الشمالي لمدينة يافا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وشكل في بدايات القرن العشرين نبضاً حضرياً وتجارياً صاعداً، حيث سكنه العمال والتجار وعائلات الطبقة المتوسطة الفلسطينية، ليكون منطقة تماس جغرافي وديموغرافي مباشر مع مدينة تل أبيب الحديثة النشأة آنذاك.

مع اتخاذ قرار التقسيم عام 1947، تحول الحي المكتظ إلى جبهة قتال أمامية. تعرض لحصار خانق وهجمات عسكرية شرسة من قبل منظمة “الإرجون” الصهيونية، ليُعزَل بالكامل عن قلب مدينة يافا.

في أواخر إبريل 1948، وبعد مقاومة ضارية ومذابح مروعة، سقط الحي. أُجبر سكانه البالغ عددهم عشرات الآلاف على الفرار عبر البحر نحو غزة أو لبنان، أو براً تحت نيران القصف، تاركين وراءهم بيوتهم وتاريخهم.

لم تكتفِ السلطات الإسرائيلية بتهجير السكان، بل سوت الحي بالأرض بالكامل في السنوات اللاحقة، ومحت شوارعه ومعالمه لبناء مجسمات حديثة وحديقة عامة (حديقة تشارلز كلور)، في محاولة لمسح أي أثر للوجود العربي.

تتجلى قسوة الحكاية هنا في فكرة “إبادة الذاكرة المكانية”. الحي الذي كان يعج بالحياة لم يتبق منه اليوم سوى “مسجد حسن بك”، الذي يقف وحيداً ومحاصراً بناطحات السحاب والفنادق الإسرائيلية، كشاهد أخير ووحيد على مجتمع كامل حُرم من مكانه وزمانه. تمثل المنشية اليافاوية اختزالاً مكثفاً لـ”النكبة”؛ ألم التهجير المفاجئ، وتراجيديا فقدان البيت، وتحول الإنسان بين ليلة وضحاها من مالك أرض إلى لاجئ يحمل مفتاحاً لبيت أُزِيل من الخريطة.

المنشية الثانية:

رصاصة شكلت تاريخاً – ميدان المنشية في الإسكندرية (مصر)

في الـ26 من أكتوبر 1954، وقف رئيس الوزراء آنذاك جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية ليلقي خطاباً جماهيرياً؛ احتفالاً بتوقيع اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن مصر. كانت الأجواء مشحونة بصراع سياسي مرير وكسر عظم بين ضباط ثورة الـ23 من يوليو وجماعة الإخوان المسلمين.

أثناء اندماج ناصر في خطابه، أطلق محمود عبد اللطيف -وهو عنصر في التنظيم السري للإخوان- ثماني رصاصات باتجاهه. طاشت الرصاصات وأصابت بعض الحضور، ولم يُصب ناصر بأذى.

بدلاً من الانبطاح أو الهروب، استمر ناصر في الوقوف على المنصة، وارتجل بانفعال جُملاً بُثت مباشرة عبر الإذاعة واستقرت في وجدان المصريين: “فليبقَ كل في مكانه… أيها الأحرار، إن مات جمال عبد الناصر، فكلكم جمال عبد الناصر”. كانت هذه اللحظة هي شهادة الميلاد الحقيقية للزعامة الكاريزمية المطلقة لعبد الناصر.

شكلت الحادثة الفصل الأخير في الشراكة بين العسكر والإخوان. استُغِلت الحادثة لشن حملة اعتقالات واسعة النطاق، انتهت بإعدام قادة من الجماعة (منهم المفكر عبد القادر عودة)، وحظر نشاطها بالكامل، وتكريس سلطة الحزب الواحد والقائد الأوحد.

من الناحية السياسية، كانت حادثة المنشية هي النقطة التي تحولت فيها مصر رسمياً نحو الحكم الشمولي الجماهيري. أما إنسانياً، فقد خلفت الحادثة تناقضاً درامياً حاداً؛ ففي حين أوجدت حالة من التماهي العاطفي المذهل والالتفاف الشعبي غير المسبوق حول القائد الشاب الذي “تحدى الموت”، فتحت في المقابل أبواب السجون العسكرية لآلاف المعارضين السياسيين (من الإخوان، والشيوعيين لاحقاً)، وشهدت فصولاً قاسية من الاعتقال، والتعذيب، وتفكك العائلات، ما أدى إلى شرخ إنساني وحقوقي عميق في بنية المجتمع المصري امتدت آثاره لعقود.

بين المنشيّتَين

رغم التباعد الجغرافي واختلاف السياقات، يمثل اسم “المنشية” في كل من يافا والإسكندرية أكثر من مجرد تقاطع لغوي يحيل إلى مراكز العمران والنشأة؛ بل يشكلان معاً مسرحين مكثفين لتحولات جذرية غيرت وجه المنطقة العربية الحديثة. اشترك المكانان في كونهما “نقطة الانفجار” التي لم يعد ما بعدها كما كان قبلها، ومثل كلاهما منصة لعمليات “محو” قاسية؛ ففي منشية يافا كان السقوط عام 1948 إعلاناً ببدء الاقتلاع الديموغرافي والجغرافي ومحو الوجود العربي بالكامل، في حين كانت الرصاصات الثماني في منشية الإسكندرية عام 1954 إيذاناً بتجريف التعددية السياسية ومحو المعارضة لمصلحة تكريس حكم الصوت الواحد.

تحول الميدانان في الذاكرة الجمعية إلى ساحات للقطيعة التاريخية التي تعمدت بالعنف. المأساة في كلا الموقعين تمثلت في سياسة “الأرض المحروقة” للسيطرة المطلقة؛ فالمشروع الصهيوني سوّى حي المنشية اليافاوية بالأرض؛ لضمان عدم عودة سكانه وإلغاء ذاكرتهم المكانية، والنظام الجديد في مصر استخدم حادثة المنشية لشن حملة اعتقالات استئصالية أنهت الشراكة السياسية، وفتحت أبواب السجون لعقود. المكانان إذن يمثلان لحظة استلاب قاسية: استلاب الأرض والوطن في فلسطين، واستلاب الحرية والسياسة في مصر.

“المنشيتان” تجاوز للزمكان والمشاعر

تبقى حكايتا المنشية جرحاً غائراً في الوجدان العربي، تتجاوزان حدود الجغرافيا لتلامسا أعمق المشاعر الإنسانية المرتبطة بالقهر ومصادرة المصير. فبين لاجئ يافاوي يتوارث مفتاح بيت هُدم لتُبنى فوقه حديقة تمحو ذكريات طفولته، ومعتقل سياسي مصري دفع حريته ثمناً لرصاصات طائشة في ميدان الإسكندرية، تتشكل مأساة الإنسان العربي في صراعه المزدوج مع الاحتلال الخارجي من جهة، والصراعات الداخلية من جهة أخرى. هذا العمق التاريخي يفرض قراءة المكانين كشواهد حية على سردية الألم الممتدة، حيث لا يزال دوي الرصاص في الإسكندرية، وأصوات البيوت المنهارة في يافا، يترددان في أروقة الذاكرة ليُذكّرا بأن الأوطان لا تزدهر باقتلاع أصحابها، ولا تستقر بإقصاء أبنائها.

“اعتمد هذا المقال في توثيق محطاته التاريخية على مجموعة من المراجع الأكاديمية والسياسية، أبرزها موسوعة “كي لا ننسى” لوليد الخالدي، و”التطهير العرقي لفلسطين” لإيلان بابيه فيما يخص نكبة يافا. كما استند في قراءته لأبعاد الصدام السياسي في مصر إلى كتاب “الإخوان المسلمون” لريتشارد ميتشل، و”مذكرات عبد اللطيف البغدادي”، لتقديم قراءة موضوعية متوازنة لحدثين شكلا ذاكرة المنطقة العربية”.


 

اترك تعليقا