المحافظون البريطانيون: من ازدراء اليمين الأمريكي إلى السير في ركاب حركة “ماجا”
ثمة عنصر لم ينل حقّه من التقدير في كيفية ظهور “العلاقة الخاصة” بين بريطانيا والولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وهو أن الطرفين رأَيَا نفسيهما في البداية كشريك أول. لقد منحت الهيمنة العسكرية والاقتصادية الواضحة للولايات المتحدة في عالم ما بعد الحرب مطالبة بديهية بالأقدمية؛ ومع ذلك، كان هناك أيضاً تيار قوي داخل المحافظية الإنجليزية في ذلك الوقت يرى نفسه بمثابة “اليونانيين في هذه الإمبراطورية الأمريكية”، على حد تعبير رئيس الوزراء المحافظ الأسبق هارولد مكميلان.
وبعبارة أخرى، حتى لو كان الأمريكيون هم “الرومان الجدد” الذين يمدون نفوذهم إلى كل ركن من أركان الكرة الأرضية، فإنهم من دون التوجيه الفكري والثقافي والسياسي من “البلد الأم” الحكيمة سيسقطون بسرعة في الخراب. وكما وصف كريستوفر هيتشنز لاحقاً، وضعت المملكة المتحدة في مرحلة ما بعد الإمبراطورية نفسها في منصب المعلم لنسلها الشاب، وبذلك، افترضت أن سابقة “أنجلو” في مصطلح “أنجلو-أمريكي” تعكس أولوية خفية في المكانة.
في الوقت نفسه، تملَّك تيارًا آخر من اليمين البريطاني عداءٌ صريح للولايات المتحدة. إينوك باول، الوكيل الذي نصب نفسه حارساً للمحافظية الإنجليزية والذي كان يُنظر إليه في الخمسينيات والستينيات كطامح لرئاسة الوزراء قبل سقوطه في العار بعد خطاب “أنهار الدماء”، استخف علانية بالمشروع الأمريكي واعتبره مأساة كبرى أن تتنازل بريطانيا عن السيطرة العالمية لمستعمرتها السابقة المتغطرسة.
لقد مقت باول الولايات المتحدة على وجه الخصوص بسبب دورها في تشجيع “تقرير المصير” في جميع أنحاء العالم، ومن ثَمّ تسريع انهيار الإمبراطورية البريطانية، وهو موقف شاركه فيه محافظون آخرون في ذلك الوقت، مثل ليو وجوليان أميري ومجموعة من نواب حزب المحافظين الذين أطلقوا على أنفسهم اسم “مجموعة السويس”. حتى إن باول فكر في احتمال أن تقرر بريطانيا يوماً ما إعلان “حرب مع عدونا الرهيب، أمريكا” كاحتمال حقيقي للغاية بل ومرغوب فيه.
ومع ذلك، فإن محافظي بريطانيا اليوم، في حين يمجدون موقف باول بشأن قضايا مثل الهجرة أو الاتحاد الأوروبي، قد تخلوا بالكامل عن عدائه الشديد للأمريكيين. وبدلاً من ذلك، ومنذ انتخاب دونالد ترامب رئيساً للمرة الثانية، فإنهم يدعون بريطانيا إلى احتضان خضوعها للولايات المتحدة، لتصبح أكثر تأييداً لأمريكا من أي وقت مضى. وليس حتى تأييداً لأمريكا بالمعنى “الثاتشري” أو “البليري” المتمثل في الحفاظ على “العلاقة الخاصة”، بل بالمعنى الذي يرغب في استعمار أيديولوجي كامل.
ويشمل ذلك تبني نماذج حروب الثقافة الأمريكية بالكامل، وتلقي التوجيه العملياتي والتمويل من المليارديرات الأمريكيين، وحتى الترحيب العلني بفكرة تدخل ترامب عسكرياً في بريطانيا لإقالة كير ستارمر من منصب رئيس الوزراء البريطاني، كما في حالة تومي روبنسون.
لماذا حدث هذا التغيير الجذري؟ يمكن القول إنه مجرد انعكاس لاختلاف النفوذ الجيوسياسي؛ ففي حقبة ما بعد الحرب مباشرة، كان بإمكان بريطانيا والولايات المتحدة النظر إلى بعضهما كأقران، ولكن مع مرور العقود، جعل التراجع النسبي لبريطانيا أكثر استعداداً لأداء دور الخضوع. ومع ذلك، فإن هذا لا يفسر سبب استمرار وجود نفور عام تجاه الثقافة الأمريكية في جميع أطياف المجتمع البريطاني حتى مطلع الألفية.
وسواء نظرنا إلى الارتباطات “المبتذلة” المرتبطة بماكدونالدز وقبعات البيسبول، أو صعود موسيقى “البريت بوب” كلحظة ثقافية ارتكزت على رفض صريح للموسيقى الأمريكية، فقد كانت هناك رغبة ملموسة لمقاومة النزعة الاستهلاكية الأمريكية التي تغلغلت في الحياة الاجتماعية البريطانية.
لقد اختفت تلك المقاومة الآن، ولا سيما داخل اليمين البريطاني، الذي كان في عصر وسائل التواصل الاجتماعي سعيداً للغاية بتبني لغة وأساليب ومظالم حرب الثقافة الأمريكية. حتى مصطلح “woke” (مستيقظ/واعٍ) نفسه هو كلمة أمريكية، مرتبطة بسلالة كفاح الأمريكيين من أصل إفريقي، التي لم تكن منطقية قطّ من حيث التقاليد الثقافية البريطانية، حتى استولى عليها الإعلام اليميني في بريطانيا كمصطلح ازدرائي شامل لكل ما لا يحبونه.
هناك عناصر من هذه الديناميكية تظهر في أماكن أخرى في الغرب، في كندا أو أستراليا أو ألمانيا. لكن المدى الذي أبدى فيه المعلقون اليمينيون البريطانيون استعدادهم لإعلان حبهم وولائهم لأمريكا ترامب كان لافتاً للنظر. حتى إن المعلقة اليمينية المتطرفة كاتي هوبكنز تذهب إلى حد التخيل بإغواء ترامب نفسه. ومع ذلك، فإن هوس “ماجا” (MAGA) بين اليمين البريطاني المعاصر ليس قصة حب من طرف واحد تماماً. فرغبة محافظي المملكة المتحدة اليوم في قبول وضع التبعية يقابلها هوس ترامب، وبخاصة “شريكه في الرئاسة” السابق إيلون ماسك، بجعل بريطانيا المحطة التالية لرؤيتهم العالمية.
يغرد ماسك عن المملكة المتحدة بقدر ما يغرد عن الولايات المتحدة تقريباً. لماذا؟ كما ناقشنا في سلسلة البودكاست الجديدة الخاصة بي، “الموت في وستمنستر”، على الرغم من تراجع نفوذ المملكة المتحدة العسكري والدبلوماسي منذ بداية “العلاقة الخاصة”، لا تزال بريطانيا عقدة حرجة في بنية رأس المال العالمي، ببنوكها، وشركات المحاسبة، ونظامها القانوني، وأقاليمها وراء البحار، ومدارسها الداخلية وجامعات النخبة. وبعبارة أخرى، بالنسبة للأوليغارشية، لا تزال بريطانيا تستحق الاستيلاء عليها.
من بين جميع الدول القومية التي سيكون من المهم السيطرة عليها من أجل تحصين رأس مالك في هذا العالم غير المتكافئ، تظل بريطانيا في مرتبة متقدمة في القائمة. وهذا هو السبب في أن ماسك يستثمر الموارد في اليمين الشعبي في بريطانيا ويضخم أصواته على منصة “إكس”. ونتيجة لذلك، فحتى الأصوات الهامشية المناهضة للهجرة، مثل روبرت لوي أو تومي روبنسون، واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي لينون، يدركون بالفطرة أن هناك مساراً لجذب الانتباه والمنصات وربما الدعم المالي من خلال الخضوع لمشروع “ماجا”.
ومع تزايد التوترات بين ترامب وستارمر خلال الأشهر الأولى من عام 2026 بسبب العدوان الخارجي للرئيس، سارع اليمين البريطاني المتحالف مع “ماجا” إلى تأكيد ولائه لترامب فوق كل اعتبار. نايجل فاراج، الرجل الذي يرى نفسه وريثاً لباول، سارع إلى “فوكس نيوز” للتنديد بستارمر ودعم ترامب، الرجل الذي سافر إلى الولايات المتحدة للمشاركة في حملته الانتخابية خلال الانتخابات الأخيرة. كما تدين المقالات في صحيفتي “تليجراف” و”سبيكتاتور” اليمينيتين ستارمر، ليس لخضوعه لضغوط ترامب، ولكن لأنه لم ينحنِ بالسرعة الكافية أو بدرجة كافية.
بينما تشتد حرب ترامب مع إيران وتستمر خطته لإعادة ترتيب الخريطة الجيوسياسية في الكشف عن نفسها، يظل السؤال عن دور بريطانيا في هذا النظام الجديد قائماً. لكنه سؤال يبدو أنه لم يمكن الإجابة عنه من قبل تقليد محافظ بريطاني كان يفكر بجدية في مكانة بريطانيا في العالم، ولكنه لم يعد كذلك الآن.
على النقيض من ذلك، يبدو “الوطنيون” المزعومون في اليمين البريطاني اليوم منتشين باحتمال الاستعانة بمصادر خارجية لهُويتهم السياسية لقوة أجنبية، ويرحبون بتهميش السيادة البريطانية إلى وضع التبعية داخل نظام ترامب العالمي الجديد ما داموا يستطيعون الاستفادة شخصياً ومالياً من كونهم طبقة “الكومبرادور” الجديدة داخل بلدهم.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇