العرب في بريطانيا | الـ NHS كما عرفته منذ 1997: لا تجعلوا طوابير ال...

الـ NHS كما عرفته منذ 1997: لا تجعلوا طوابير الانتظار تظلم من يعتني بنا

الـ NHS كما عرفته منذ 1997: لا تجعلوا طوابير الانتظار تظلم من يعتني بنا
ريم العتيبي سبتمبر 1, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

منذ عام 1997 وحتى اليوم، عشت تجارب كثيرة مع الرعاية الصحية في بريطانيا، ورأيت بنفسي كيف تغيرت أمور كثيرة خلال هذه السنوات الطويلة. نعم، هناك فرق واضح بين الأمس واليوم، وهناك مشكلات لا يمكن إنكارها، وعلى رأسها طول فترات الانتظار ونقص أعداد العاملين في بعض المستشفيات والخدمات الصحية.

لكن وسط كل ذلك، هناك شيء أشعر أنه لم يتغير: ما زال بين العاملين في الـNHS ملائكة رحمة يعطون من وقتهم وجهدهم وإنسانيتهم بكل رفق.

قد ننتظر موعدًا طويلًا، وقد نشعر بالضيق عندما نرى قوائم الانتظار، ومن حق المريض أن يتمنى خدمة أسرع. لكن عندما تكون الحالة طارئة وتحتاج إلى تدخل سريع، نرى وجهًا آخر للرعاية الصحية؛ نرى أطباء وممرضين ومسعفين وموظفين يعملون تحت ضغط كبير، ومع ذلك يبذلون ما يستطيعون من أجل المريض.

وهنا أعتقد أننا يجب أن نفرق بين أمرين: جودة الرعاية الصحية نفسها، والوقت الذي ننتظره للحصول عليها.

طول الانتظار لا يعني بالضرورة أن الرعاية سيئة.

في كثير من الأحيان تكون المشكلة أن عدد المرضى كبير، بينما عدد الأطباء والممرضين وغيرهم من العاملين في القطاع الصحي لا يكفي لتلبية هذا الطلب بالسرعة التي يتمناها الجميع. وهناك أسباب متعددة تراكمت عبر السنوات وأسهمت في الضغط على النظام، ومنها:

•نقص بعض الكوادر

•صعوبة الاحتفاظ بالعاملين في بعض التخصصات

•ضغوط العمل والإرهاق

•ازدياد الطلب على الخدمات الصحية مع نمو السكان وارتفاع أعداد كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، إضافة إلى الآثار التي تركتها السنوات الصعبة التي مر بها القطاع الصحي.

ومن الطبيعي أن ينعكس كل ذلك على المواعيد، خصوصًا الحالات غير الطارئة.
وهذا لا يعني أن علينا أن نقبل بكل شيء أو ألا نطالب بالتحسين. بالعكس، من حق الناس أن يطالبوا بتقليل قوائم الانتظار، ومن حق العاملين أنفسهم أن يحصلوا على عدد كافٍ من الزملاء وظروف عمل تساعدهم على تقديم أفضل ما لديهم.

نحن بحاجة إلى المزيد من الأطباء والممرضين والمسعفين والفنيين وكل من يعمل خلف الكواليس، لأن زيادة أعداد العاملين لا تخدم المرضى فقط، وإنما تخفف أيضًا الضغط الهائل عن الموظفين الموجودين حاليًا.
وأتمنى ألا نجعل طوابير الانتظار وحدها هي الصورة التي نحكم من خلالها على الـNHS كله.

أحيانًا تسيء قوائم الانتظار إلى صورة الرعاية الصحية، بل قد تظلمها، لأنها تجعل الإنسان يرى التأخير ولا يرى ما يحدث بعد أن يصل دوره: الفحص، والعلاج، والمتابعة، والعمليات، والرعاية، والساعات الطويلة التي يقضيها أشخاص في خدمة مرضى لا يعرفونهم.

ومن تجربتي الشخصية، ورغم كل ما تغير منذ عام 1997، ما زلت عندما أحتاج إلى الرعاية الصحية أشعر براحة نفسية واطمئنان. أتمنى أن يبقى هذا الشعور معي دائمًا، وأتمنى أن يشعر به كل إنسان يحتاج إلى العلاج.

رسالتي للناس بسيطة: لا تجعلوا الخوف يسبق الحقيقة.

إذا كان موعدكم غير طارئ وتأخر، فتحلّوا بالصبر قدر المستطاع، مع الاحتفاظ بحقكم في السؤال والمتابعة والمطالبة بخدمة أفضل. أما عندما تكون هناك حالة خطيرة أو طارئة، فلا ينبغي للإنسان أن يؤخر طلب المساعدة بسبب خوفه من طوابير الانتظار أو بسبب ما يسمعه من الآخرين.

وفي الوقت نفسه، رسالتي إلى من يستطيعون تحسين هذا النظام هي: اهتموا بمن يهتمون بنا.

زيدوا أعداد العاملين في الرعاية الصحية، وحافظوا على الموجودين منهم، وخففوا عنهم ضغط العمل، واعملوا على تقليل قوائم الانتظار. فالمشكلة ليست دائمًا في جودة الرعاية التي يتلقاها المريض، وإنما في طول الطريق الذي يقطعه حتى يصل إليها.

بعد ما يقارب ثلاثة عقود من تجربتي الشخصية مع الـNHS، أستطيع أن أقول إنني رأيت تغيرات ومشكلات، ورأيت أيامًا أفضل من أيام، لكنني رأيت أيضًا شيئًا يستحق أن نقوله بصوت مرتفع: خلف الأرقام وقوائم الانتظار أبواب تفتح كل يوم، وأيدٍ تعالج، وقلوب تهتم، وأناس يواصلون العمل رغم الضغط والتعب.

لذلك أتمنى أن ننتقد ما يحتاج إلى إصلاح من دون أن نظلم ما يستحق التقدير.

نريد مواعيد أقصر، ونريد موظفين أكثر، ونريد نظامًا أفضل، وهذا حق للجميع. لكننا في الوقت نفسه لا ننسى توجيه كلمة شكر لكل طبيب، وممرضة، ومسعف، وموظف رعاية صحية ما زال، رغم كل الضغوط، يعامل المريض برفق ورحمة.

طوابير الانتظار تحتاج إلى إصلاح، أما الرحمة التي نجدها خلف أبواب المستشفيات فتستحق أن نحافظ عليها ونقول لأصحابها: شكراً.


 

 

اترك تعليقا