العرب في بريطانيا | العودة إلى الغربة بعد الإجازة.. لماذا يكون وداع...

عندما تنتهي الإجازة… ونعود إلى الغربة

عندما تنتهي الإجازة... ونعود إلى الغربة
ريم العتيبي أغسطس 29, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

أصعب ما في الإجازة ليس أنها قصيرة، بل أنها تمنحنا للحظات حياةً كنا نظن أننا اعتدنا غيابها، ثم تأخذها منا فجأة وتقول: حان وقت الرحيل… عودوا لحياتكم.

تنتهي الأيام الجميلة بسرعة غريبة…

تُغلق الحقائب، وتُرتب الأشياء، وتبدأ تلك اللحظات التي نحاول فيها أن نبدو طبيعيين، إلا أن شيئًا في الداخل يرفض فكرة أن كل هذا انتهى.

زيارة الأهل ليست مجرد سفر، وليست مجرد أيام نقضيها ثم نعود.

إنها عودة مؤقتة إلى جزء من أرواحنا تركناه هناك منذ أن اخترنا الغربة.

هناك، بين الأهل، نعود أطفالًا دون أن نشعر.

نسمع الأصوات التي كبرنا معها، ونجلس في الأماكن التي تحفظ تفاصيلنا، ونشرب القهوة بلا مواعيد، ونتحدث عن أشياء بسيطة لا قيمة لها في نظر العالم، لكنها بالنسبة إلينا حياة كاملة.

هناك لا نحتاج أن نشرح أنفسنا كثيرًا.

يكفي أن ندخل البيت حتى نشعر أننا وصلنا.

ثم يأتي يوم الرحيل…

ذلك اليوم الذي لا يشبه بقية الأيام.

فجأة تصبح التفاصيل الصغيرة مؤلمة؛ فنجان القهوة الأخير، والجلسة الأخيرة، ونظرة الأم، وصوت الأب، وضحكات الإخوة، والأطفال الذين يسألون: متى ستعودون مرة أخرى؟

نجيبهم بابتسامة ونقول: قريبًا إن شاء الله.

لكننا نعرف أن كلمة “قريبًا” في حياة المغتربين قد تحمل خلفها شهورًا طويلة من الانتظار.

نودّعهم واحدًا واحدًا، ونحاول أن نحفظ الوجوه جيدًا، وكأن القلب يعرف أن عليه أن يعيش على هذه الصور حتى اللقاء القادم.

ثم نغادر.

تبتعد الشوارع، ويصغر البيت خلفنا، وتبدأ تلك الغصة التي يعرفها كل من عاش بعيدًا عن أهله.

الغريب أن الإنسان في تلك اللحظة لا يعرف أين هو وطنه حق المعرفة.

هناك أهلنا وذكرياتنا وجذورنا…

وهنا بيتنا وحياتنا وعملنا ومسؤولياتنا.

نعود إلى حياة هي حياتنا فعلًا

نعود إلى الغربة، إلى البيت الذي صنعناه بأيدينا وأحببناه، إلى حياتنا التي تعبنا حتى استقرت، إلى العمل والمواعيد والمدارس والالتزامات والتفاصيل اليومية.

نعود إلى حياة هي حياتنا فعلًا…

ومع ذلك، ندخلها هذه المرة بقلب ناقص قليلًا.

في الأيام الأولى بعد العودة، يبدو البيت أكثر هدوءًا من المعتاد.

نفتح الحقائب، فنجد بين الملابس رائحة المكان الذي غادرناه.

نخرج هدية من أحدهم، أو شيئًا وضعته الأم في الحقيبة في اللحظة الأخيرة، فتهجم الذكريات دفعة واحدة.

قبل أيام فقط كنا جميعًا حول مائدة واحدة.

قبل أيام كان صوتهم قريبًا، لا يحتاج إلى هاتف ولا شاشة ولا اتصال بالإنترنت.

قبل أيام كان بإمكاننا أن نفتح باب الغرفة فنجدهم أمامنا.

والآن أصبحت المسافات بيننا من جديد آلاف الكيلومترات.

نعود إلى العمل، ونرتدي وجوهنا المعتادة، ونجيب حين يسألنا أحدهم: “كيف كانت الإجازة؟”

فنقول ببساطة:

كانت جميلة.

كلمتان فقط…

ولا أحد يعرف كم من الحكايات تختبئ داخلهما.

لا أحد يعرف أن “كانت جميلة” تعني أن القلب امتلأ حتى فاض، ثم اضطر أن يترك نصفه هناك ويعود.

ضريبة الغربة الحقيقية

الغربة تعلمنا شيئًا قاسيًا: أن الإنسان يستطيع أن يمتلك بيتًا في مكان، لكن يظل جزء من روحه ساكنًا في مكان آخر.

تعلمنا أن الفرح يمكن أن يكون مؤلمًا؛ لأن أجمل اللقاءات تحمل منذ بدايتها موعدًا للوداع.

وتعلمنا أن الوقت مع الأهل ليس وقتًا عاديًا.

كل جلسة كنّا نؤجلها، وكل حديث بسيط، وكل فنجان قهوة، وكل ضحكة عابرة… تصبح بعد السفر كنزًا نتمنى لو أننا احتفظنا منه بالمزيد.

ومع ذلك نعود.

ليس لأن الرحيل سهل، ولا لأن الشوق قليل، بل لأن هذه هي الحياة التي اخترناها أو اختارتنا.

نعود إلى أعمالنا ومسؤولياتنا وأحلامنا، ونبدأ من جديد.

تمر الأيام، ويخف ثقل الحنين قليلًا، وينشغل القلب بالحياة، لكن تبقى لحظات صغيرة تكشف كل شيء: صورة تصل في مجموعة العائلة، وصوت الأم في مكالمة، ومناسبة لم نستطع حضورها، ومائدة نتمنى لو كان عليها مقعد لنا…

فنكتشف أن المسافة لم تصبح عادية كما كنا نظن.

ربما هذه هي ضريبة الغربة الحقيقية.

ليست الطائرات، ولا الحقائب، ولا ساعات السفر الطويلة.

ضريبة الغربة أن تعيش دائمًا بقلب موزع بين مكانين.

حين تكون هنا تشتاق إلى هناك، وحين تكون هناك تعرف أنك ستعود إلى هنا.

وكأن المغترب يتعلم مع الوقت ألا يعيش كاملًا في مكان واحد.

نعمة وسط ألم الغربة

ومع ذلك، هناك نعمة عظيمة وسط كل هذا الألم:

أن يكون لنا أهل يستحقون كل هذا الشوق.

أن يكون هناك بيت نحزن حين نغادره، وأشخاص يثقل القلب عند وداعهم، وأصوات نفتقدها بعد ساعات فقط من الرحيل.

فليس كل إنسان في هذه الدنيا يملك مكانًا يشتاق إليه بهذا العمق.

ولهذا، عندما تنتهي الإجازة ونعود إلى الغربة، لا نقول إن الأيام الجميلة انتهت.

بل نقول إنها أصبحت ذكريات جديدة نضعها في القلب، إلى جانب ذكريات السنوات الماضية، ونعيش بها حتى موعد اللقاء القادم.

نعود إلى بيوتنا…

إلى أعمالنا…

إلى مسؤولياتنا…

إلى تفاصيل الحياة التي تنتظرنا…

لكننا لا نعود كما ذهبنا.

نعود محملين بدعوات الأهل، وبرائحة البيوت، وبضحكات ما زال صداها في آذاننا، وبصور سنعود إليها كلما اشتد الحنين.

أمنية واحدة قبل اللقاء القادم

ونعود وفي داخلنا أمنية واحدة بسيطة:

يا رب، كما جمعتنا بهم هذه المرة، لا تحرمنا من لقاءٍ قادم.

احفظ أهلنا في غيابنا، واحفظنا لهم، وأطل أعمار من نحب، ولا تجعل بين لقاء ولقاء خبرًا يؤلم القلب.

فالحقائب التي أخذناها معنا إلى الغربة يمكن تفريغها خلال ساعات…

أما القلب

فيحتاج وقتًا طويلًا جدًا

ليفرغ من وداع الأهل.

وربما لا يفرغ أبدًا.

 


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا