الذاكرة الانتقائية في السياسة
من أغرب الظواهر التي أصبحت تهيمن على الحياة السياسية الحديثة أن بعض الناس لا ينظرون إلى السياسي باعتباره إنساناً يتغير ويتطور ويتعلم من تجاربه، بل يتعاملون معه كما لو أنه صورة ثابتة مجمدة في لحظة من الزمن. يكفي أن يُعثر له على منشور قديم أو مقطع فيديو يعود إلى عشر سنوات أو أكثر حتى يُحاكم اليوم على أساسه، وكأن السنوات التي تلت ذلك لم تكن موجودة أصلاً.
المفارقة أن بعض الذين يمارسون هذا النوع من المحاكمات لا يطبقونه على أنفسهم. فلو عاد أحدهم إلى آرائنا قبل عشر سنوات، أو إلى عاداتنا وتصرفاتنا وقناعاتنا القديمة، لاكتشف أن كثيراً منها قد تبدل أو تطور أو حتى انقلب رأساً على عقب. هذه طبيعة البشر. نتعلم، نخطئ، نصحح، نراجع أنفسنا، وتتغير قراءتنا للأحداث والوقائع مع الزمن.
السياسة ليست استثناء من هذه القاعدة، بل ربما تكون أكثر المجالات التي تشهد تحولات مستمرة. فالأحداث تتغير، والحقائق تتكشف، والمجتمعات تتبدل، والقيادات تنضج أو تتراجع. لذلك فإن الحكم العادل على أي سياسي يجب أن يستند أولاً إلى مواقفه الحالية وسلوكه خلال السنوات الأخيرة، لا إلى اقتطاع جملة أو موقف من سياق قديم وتحويله إلى هوية أبدية لا يستطيع الفكاك منها.
المشكلة الأكبر أن الذاكرة الانتقائية لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن السلاح المناسب. فحين يريد فريق سياسي تشويه خصمه ينبش في أرشيفه بحثاً عن أي مادة يمكن استخدامها ضده، بغض النظر عما إذا كانت تمثل موقفه الحالي أم لا. والأطرف من ذلك أن الخصوم المتناقضين قد يستخدمون الأسلوب نفسه في الوقت ذاته، فيتهمه طرف بأنه منحاز إلى جهة معينة، بينما يتهمه الطرف المقابل بأنه منحاز إلى الجهة المعاكسة تماماً.
عندما يصل السياسي إلى مرحلة يتلقى فيها اتهامات متضادة من معسكرين متواجهين، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنه أخطأ في الاتجاهين، بل قد يكون دليلاً على أن كلا المعسكرين يحاول جرّه بالكامل إلى خندقه الخاص، ويعتبر أي مسافة استقلالية نوعاً من الخيانة.
إن النقاش السياسي الصحي لا يقوم على التنقيب في المقابر الرقمية، ولا على تحويل الماضي إلى محكمة دائمة، بل على تقييم الأداء الحالي والرؤية الراهنة والقدرة على قيادة المجتمع نحو المستقبل. أما اختزال الإنسان كله في منشور قديم أو تصريح عابر من زمن مختلف فهو ممارسة لا تخدم الديمقراطية بقدر ما تغذي الاستقطاب والكراهية.
ومن حق الناخب أن يسأل السياسي: ماذا تقول اليوم؟ وماذا فعلت خلال السنوات الأخيرة؟ وما المشروع الذي تحمله للمستقبل؟ هذه الأسئلة أكثر فائدة للمجتمع من مطاردة أشباح الماضي بحثاً عن أدلة إدانة جاهزة.
فالسياسي الذي لا يتغير مع الزمن قد يحمل صفة الجمود، أما السياسي الذي يراجع نفسه ويتعلم من التجربة فقد يكون أكثر قدرة على فهم الواقع والتعامل معه. وبين الاثنين فرق كبير لا تدركه الذاكرة الانتقائية التي ترى الماضي كله بوضوح، لكنها تعجز أحياناً عن رؤية الحاضر.
الرابط المختصر هنا ⬇