التهدئة كخيار مرحلي لا نهائي
يمكن قراءة تراجع دونالد ترامب عن التصعيد والدخول في وقف إطلاق النار باعتباره نتيجة مزيج معقّد من الضغوط الداخلية والخارجية، أكثر منه تحوّلاً مفاجئاً في الموقف.
داخلياً، يواجه ترامب معادلة حساسة؛ فقاعدته الشعبية تميل إلى تقليل الانخراط في الحروب الخارجية والتركيز على الاقتصاد، في حين أن أي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة التضخم، وهو ما ينعكس مباشرة على المزاج الانتخابي. يضاف إلى ذلك ضغط المؤسسات، سواء من البنتاغون الذي يدرك كلفة أي مواجهة واسعة، أو من الكونغرس المنقسم الذي قد لا يمنح غطاءً سياسياً كاملاً لمغامرة عسكرية غير محسوبة.
خارجياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ فالتصعيد مع إيران لا يعني مواجهة محدودة، بل احتمال فتح جبهات متعددة عبر حلفائها في المنطقة، بما يشمل استهداف قواعد ومصالح أمريكية. كما أن أي حرب واسعة قد تضع إسرائيل أمام مخاطر غير مسبوقة، وهو ما لا تريده واشنطن إذا لم تكن النتائج مضمونة.
في الوقت نفسه، يضغط الحلفاء الأوروبيون، وخاصة ضمن الاتحاد الأوروبي، باتجاه التهدئة، بينما تخشى دول المنطقة من أن تتحول أراضيها إلى ساحة صراع مفتوح. ولا يمكن إغفال البعد الدولي الأوسع، حيث قد تستفيد الصين وروسيا من أي استنزاف أمريكي طويل.
في المحصلة، لا يعكس هذا التراجع بالضرورة ضعفاً، بل هو أقرب إلى إعادة حسابات دقيقة في ضوء كلفة مرتفعة ومخاطر غير مضمونة. فالقرار هنا تحكمه قاعدة واضحة: عندما تصبح كلفة التصعيد أعلى من مكاسبه المحتملة، تكون التهدئة خياراً عقلانياً، حتى لو بدت ظاهرياً تراجعاً.
ومع ذلك، لا يمكن التعامل مع هذا التراجع على أنه نهائي أو مستقر؛ فنهج دونالد ترامب السياسي قائم إلى حد كبير على التكتيك والضغط المتدرّج، وتقلبات المزاج الشخصية، ما يعني أن التهدئة قد تكون مؤقتة في انتظار تغيّر الظروف أو تحسّن موقعه التفاوضي.
إذا تبدلت المعطيات -سواء داخلياً مع تحسّن المؤشرات الاقتصادية، أو سياسياً مع الحاجة لإظهار الحزم، أو خارجياً عبر أي تحرك من إيران أو تطور ميداني مفاجئ- فإن خيار التصعيد قد يعود إلى الواجهة بسرعة.
ما نشهده قد يكون أقرب إلى “استراحة استراتيجية” أكثر منه تحوّلاً دائماً في المسار.
الرابط المختصر هنا ⬇