العرب في بريطانيا | الأسير الفلسطيني: وجعٌ لا يليق به النسيان

الأسير الفلسطيني: وجعٌ لا يليق به النسيان

الأسير الفلسطيني
أميرة عليان تبلو أبريل 18, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

هل كان من المروءة أن يمرّ يومُ الأسير الفلسطيني عليك دون أن يهتزّ فيك شيء؟

دعني أقول لك بصدقٍ لا يحتمل المجاملة: هذا السّؤال ليس زينةً بلاغية تُلقى في هواء اللغة ثم تتبدّد، وليس جملةً تُستعار لتجميل النصوص، هو حدٌّ فاصلٌ بين إنسان يليق بكرامته، وآخر تسرّبت منه دون أن يشعر.
إنّه لحظةُ مواجهةٍ صريحة مع نفسك، حيث لا تستطيع أن تختبئ خلف الكلمات، ولا أن تتوارى خلف الصمت.

هو سؤالٌ لا ينتظر جواباً يُقال، ببساطة ينتظر أثراً يُحسّ.
هل ارتجف في داخلك شيء؟
هل انكسر صمتٌ قديم؟
أم مرّ اليوم كما تمرّ الغيوم الخفيفة… لا ظلّ لها، ولا مطر؟

أن يمرّ يومُ الأسير الفلسطيني دون أن يتعثّر الزمن في داخلك، دون أن تضيق أنفاسك ولو للحظة وأنت تتخيّل إنساناً يُحبس داخل عمره، داخل ذاكرته، داخل وطنٍ لا يستطيع أن يلمسه… فذلك انسحابٌ هادئ من المعنى؛ فالحياد في حضرة الألم فراغ.
والفراغ الأخلاقي لا يبقى فارغاً طويلاً؛ سرعان ما يمتلئ بقسوةٍ صامتة، وباعتيادٍ مرعب، يجعل من المأساة خبراً، ومن الإنسان رقماً، ومن الوجع تفصيلاً عابراً في نشرةٍ مزدحمة.

من هو الأسير الفلسطيني؟

إنّه حكايةٌ مكثّفة للصراع بين الحرية والقيد، بين الذاكرة ومحاولات المحو، بين إرادةٍ حيّة وجدارٍ يريد لها أن تخمد.

هو إنسانٌ أُريد له أن يُختزل، فاختار أن يتمدّد.
أُريد له أن يُنسى، فصار ذاكرة.
أُريد له أن يصمت، فصار صدىً لا ينطفئ.

في الزنزانة، لا يُقاس الوقت بالدقائق، يُقاس بما يُنتزع من الروح:
قطعةُ سماء، رائحةُ تراب، صوتُ أم، ضحكةُ طفل، ظلُّ شجرة…
تفاصيل تبدو عاديةً هنا، لكنها هناك تتحوّل إلى وطنٍ كامل يُفتقد.

فهل تمرّ هذه الحقيقة دون أن تترك ندبةً خفيفة فيك؟
أم أن الاعتياد نجح، بصبرٍ بارد، في أن يُطفئ دهشتك، ويُخدّر إحساسك؟

إنّ أخطر ما يواجه الإنسان ليس القهر، ولكن الألفة مع القهر.
أن يصبح الألم جزءاً من الخلفية، لا يلفت الانتباه.
أن تتكرّر المأساة حتى تفقد حدّتها، فلا تعود تجرح… وإنّما تمرّ.

عندها يبدأ الانهيار الحقيقي؛ لأن الشعور انكمش.

فيا أخي، يومُ الأسير الفلسطيني ليس يوماً له وحده،
إنّه يومك أنت أيضاً…
يومٌ تُسأل فيه، عن إنسانيتك:

ما الحرية؟

أهي أن تسير بلا قيود، أم أن تعيش بكرامةٍ لا تُمسّ؟
وهل يمكن لإنسانٍ أن يكون حرّاً حقّاً، بينما تُسلب الحرية أمام عينيه؟

إنّ الحرية نسيجٌ إنسانيّ واحد، إذا تمزّق خيطٌ منه في مكان، اهتزّ النسيج كلّه… وإن تأخّر الإحساس.

وقد يقول قائل: وما جدوى التأثّر؟

والجواب:

أن التأثّر لا يفتح السجون فوراً… لكنه يمنع المعنى من أن يُسجن.
لأن أول ما يُهزم في معركة الظلم ليس الجسد، الّذي يُهزم أوّلاً هو المعنى.
فإذا مات الشعور، ماتت القضية في الوعي.
وإذا ماتت في الوعي، صارت قابلة للنسيان.
وإذا نُسيت… لم يعد لها من يطالب بها.

التأثّر هو بداية الفعل، هو الشرارة الأولى، اللحظة التي تدرك فيها أن الصمت لم يعد بريئاً، وأن اللامبالاة لم تعد خياراً خفيفاً.

أما ألا تتأثّر…
فذلك ليس بروداً عابراً، ذاك أشبه بتآكل صامت في إنسانيتك.
أن ترى ولا تشعر، أن تسمع ولا ترتجف، أن تمرّ الحكايات من أمامك دون أن تترك أثراً…
ذلك يعني أن شيئاً فيك بدأ ينسحب دون ضجيج.

ولأقول لك شيئاً: إنّ العالم لا ينهار لأن الظلم قوي، وإنّما يا صديقي ينهار لأنه اعتاد أن يُرى دون أن يُرفض.

ولا لأن الجدران صلبة،
وإنّما لأن القلوب صارت أقلّ قدرة على الارتجاف.

في يوم الأسير الفلسطيني، تُفتح نافذة صغيرة في جدار الاعتياد…
نافذة تقول لك: تذكّر.
لا تدع الأيام تُمرّ عليك فتسرق قدرتك على الشعور.
لا تسمح للخبر أن يقتل الحكاية، ولا للرقم أن يمحو الوجه.

فخلف كل رقم إنسان،
وخلف كل إنسان عالمٌ كامل من الأحلام المؤجّلة.

وربما، في لحظة صدقٍ نادرة، تكتشف أن السؤال لم يكن يوماً:
هل كان عليك أن تتأثّر؟

بل كان، وسيبقى:
كيف استطعت ألّا تتأثّر؟

كيف مرّت الحكايات دون أن تترك فيك أثراً؟
كيف لم يتغيّر شيء، وأنت تعرف أن هناك من يعيش زمناً لا يشبه الزمن، وحياةً لا تُشبه الحياة؟

إنّ التأثّر ضرورةٌ تحفظ ما تبقّى منك إنساناً.

فإن مرّ هذا اليوم دون أن يهزّك،
فلا تقل: مرّ كما تمرّ الأيام…

بل اسأل نفسك بهدوءٍ موجع:
أيُّ جزءٍ من إنسانيتي مرّ… ولم أشعر؟


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

التعليقات

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 25 مايو 2026
بنسبة تقارب 13%.. صدمة جديدة تنتظر ملايين الأسر في بريطانيا بسبب أسعار الطاقة. 📈 تشير توقعات خبراء الطاقة بشركة «كورنوال إنسايت» إلى زيادة قاسية ومرتقبة في فواتير الغاز والكهرباء بنسبة تقارب الـ 13% خلال ثلاثة أشهر فقط. وبفعل اضطرابات أسواق…
𝕏 @alarabinuk · 25 مايو 2026
تعذيب، ضرب، وتجريد من الإنسانية.. نشطاء أسطول الصمود يصلون إلى تركيا بعد أيام من المعاناة والتعذيب على يد سلطات الاحتلال، معبّرين عن خيبة أملهم من العالم الذي يكتفي بمراقبة المشهد بصمت. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 25 مايو 2026
رسائلكم المؤجلة ستنتظر.. البريد الملكي البريطاني خارج الخدمة اليوم.🚨 أعلنت شركة البريد البريطانية عن توقف تام لعمليات تسليم وجمع البريد في جميع الرموز البريدية بالمملكة المتحدة اليوم الإثنين 25 مايو، وذلك تزامنًا مع عطلة البنوك الربيعية (Spring Bank Holiday)، مستثنية…
𝕏 @alarabinuk · 25 مايو 2026
يُهانون أمام الكاميرا وكير ستارمر صامت.. السياسي البريطاني جورج غالاوي ينتقد صمت كير ستارمر تجاه إهانة واعتداء "بن غفير" على النشطاء الأجانب، الذين تم اختطافهم من أسطول الصمود في المياه الدولية، مشيرًا إلى أن صمته امتدادٌ لاعتياده الصمت منذ رؤية…
عرض المزيد على X ←