العرب في بريطانيا | اعتراف بريطانيا بالدولة الفلسطينية.. هل تتحول ا...

حين تسبق الشجاعةُ الأثر: اعترافٌ تاريخيٌّ أمام اختبار الاستحقاق

حين تسبق الشجاعةُ الأثر: اعترافٌ تاريخيٌّ أمام اختبار الاستحقاق

حين تسبق الشجاعةُ الأثر: اعترافٌ تاريخيٌّ أمام اختبار الاستحقاق

كرم نعمة سبتمبر 26, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ما الذي يعنيه أن تمتلك حكومةٌ بريطانية الجرأة لترميم انحيازٍ استمرّ لأكثر من قرن؟

ليس الأمر مجرد تصريح يُضاف إلى أرشيف الدبلوماسية، بل لحظة سياسية تتجاوز حدود اللغة إلى حدود الاختبار. حين يقف وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند ليعلن أن بلاده ماضية في الدفاع عمّا هو «حق»، ويضع الاعتراف بالدولة الفلسطينية في سياقٍ لا لبس فيه، وبعد مرور سنة على اعتراف المملكة المتحدة بالدولة الفلسطينية، فإن حكومة حزب العمال تقتحم منطقة ظلّت الحكومات البريطانية السابقة تتفاداها كما لو أنها أرضٌ ملغّمة.

علينا ألّا ننسى شيئًا: رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام يمتلك الشجاعة السياسية والأخلاقية، التي لم يسبق أن وصل إليها أي رئيس وزراء بريطاني سابق، وهو يعترف بأن بلاده تأخرت ولم تبدِ رد الفعل الكافي تجاه الوضع في قطاع غزة، واصفًا المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني بأنها جرح في ضمير العالم: «لا يمكنني الوقوف متفرجًا بينما تستمر هذه المعاناة الرهيبة، وتتعرض رؤية حل الدولتين التي تشكل الأمل الأكبر للسلام والاستقرار في المنطقة للهجوم».

الاعتراف بداية الطريق

هذه ليست شجاعة لغوية، بل شجاعة في مواجهة الإرث. فبريطانيا، الدولة التي صاغت جزءًا من مأساة الشرق الأوسط بيدها، تعرف أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس هدية، بل مسؤولية. ومع ذلك، فإن خطورة هذه الشجاعة تكمن في أنها ترفع السقف إلى مستوى لا يسمح بالارتداد ولا بالاحتماء بالرمزية.

الاعتراف، بوزنه التاريخي، ليس نهاية الطريق، بل بدايته. إنه إعلان نوايا لا يكتمل إلا إذا تحوّل إلى أدوات ضغط، وإلى سياسة قادرة على حماية أثرها من التآكل.

السؤال الذي يواجه لندن اليوم ليس عمّا قالته، بل عمّا ستفعله. كيف ستترجم هذه الحكومة توصيفها الأخلاقي إلى فعل سياسي؟ كيف ستمنع إسرائيل من تحويل الاعتراف إلى ورقة بلا أثر، أو إلى جملة تُقرأ ثم تُنسى؟ الشجاعة تصنع اللحظة، لكن الاستحقاق وحده يصنع التاريخ.

بريطانيا والبحث عن دور جديد

هنا يصبح الرهان مفتوحًا: هل تستطيع حكومة حزب العمال تحويل هذه الشجاعة إلى استراتيجية استعادة؟ أم ستظل الخطوة معلّقة كعلامة فارقة في كتاب النوايا الحسنة؟ فبريطانيا، منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، تعيش في منطقة رمادية: لا هي أوروبية بما يكفي لتصوغ سياسة مستقلة، ولا هي أميركية بما يكفي لتكون شريكًا نديًّا لواشنطن، ولا هي قادرة على رسم طريق ثالث بين الولايات المتحدة والصين.

إنها دولة تبحث عن تعريف جديد لدورها، وكل خطوة في السياسة الخارجية تتحوّل إلى اختبار لهذا الدور.

إرث التبعية وحدود الاستقلال

وهنا تحديدًا يصبح استدعاء الذاكرة ضرورة لا ترفًا. حين وصفت الصحافة البريطانية توني بلير بأنه «ذيل بوش»، لم تكن تمارس السخرية، بل كانت تشير إلى لحظة فقدت فيها بريطانيا إرادتها السياسية، واندفعت إلى حرب العراق تحت ذرائع ثبت زيفها. كان اللقب تعبيرًا عن بنية كاملة من التبعية، لا عن شخص بلير وحده. تلك البنية لم تُهدم بعد، بل أعيد طلاؤها بلغة مختلفة، وبخطاب أكثر تهذيبًا، لكنه يحمل الجوهر نفسه: شراكة بلا قدرة على قول «لا».

وهنا يتجلى جوهر المأزق: الاستقلالية ليست بيانًا صحافيًا، بل قدرة على تحمّل العواقب. أن تقول «لا» يعني أن تكون مستعدًا لدفع ثمن هذه الـ«لا»، اقتصاديًا، وأمنيًا وسياسيًا. وبريطانيا اليوم لا تبدو في وضع يسمح لها بذلك. ولهذا تأتي تصريحاتها مصاغة بعناية: رفض بلا مواجهة مع حكومة نتنياهو، ومبادئ بلا قوة، وسيادة فلسطينية بلا أدوات تنفيذية.

من الاعتراف إلى الفعل

لكن تصريح ميليباند يفتح فجوة صغيرة في هذا الجدار. فهو يعيد الاعتراف إلى مكانه الطبيعي، ليس كرمزية أخلاقية، بل كاختبار لقدرة بريطانيا على أن تكون دولة ذات إرادة، لا دولة تكتفي بتعليق المواقف على جدار الخطابة.

وإذا كانت هذه الحكومة تريد أن تكتب صفحة جديدة، فإن الصفحة لن تُكتب بالتصريحات، بل بالقدرة على حماية أثرها من التلاشي، وعلى تحويل الشجاعة إلى سياسة، والسياسة إلى فعل، والفعل إلى تغيير.

في النهاية، يبقى السؤال معلّقًا فوق كل خطوة بريطانية: هل ستدافع لندن عن شجاعتها، أم ستتركها معلّقة في الهواء كجملة جميلة بلا أثر؟ فالتاريخ لا يحفظ الكلمات، بل يحفظ ما تفعله الدول حين تختبرها اللحظة.

اترك تعليقا

↑