ارحموا المغتربين يرحمكم الله!
حين يغادر الإنسان وطنه، لا يترك خلفه بيتًا فحسب، بل يترك جزءًا من روحه، يودع والديه وإخوته وأصدقاءه وأماكن ألفها، ثم يبدأ رحلة هو وأهله لا يعرف مرارتها إلا من ذاقها.
الغربة ليست راتبًا آخر الشهر، ولا صورًا جميلة تُنشر على وسائل التواصل، ولا سيارة حديثة يقودها المغترب في إجازته.
الغربة تفاصيل لا يراها الناس: وحدة واشتياق، وقلق وضغوط، وأيام تمر دون أن يجد فيها من يربت على كتفه أو يشاركه هم العيش.
ومع ذلك، ما إن يقترب موعد عودته حتى تبدأ قوائم الطلبات: هدايا لهذا، وعطور لذاك، وهواتف، وساعات، وألعاب للأطفال، وطلبات لا تنتهي، حتى يشعر بعض المغتربين أن عودتهم أصبحت امتحانًا لقدرتهم على إرضاء الجميع، لا فرصة لاحتضان من يحبون.
لا تثقلوا على المغتربين، فإن أثقل الأشياء في هذا الزمان ليس وزن الحقائب، بل وزن الغربة نفسها.
استقبلوهم بقلوبكم قبل أن تستقبلوا حقائبهم.
وافـرحوا بقدومهم، ولو لم يحملوا إليكم شيئًا.
وودعوهم بالمحبة، ولو لم يتركوا وراءهم شيئًا.
فوالله، ما من مغترب كريم إلا ويحسب نفقاته قبل سفره عشرات المرات، ويقتطع من رغباته ورغبات أبنائه، ويوفر من تعبه، حتى لا يعود خالي الوفاض، وحتى لا يحمر وجهه أمام أهله.
كثير منهم يحرم أبناءه من أشياء يحبونها، ليشتري هديةً لقريب، أو يحمل تذكارًا لصديق، أو يلبي طلبًا أُلقي على عاتقه دون أن يستطيع الاعتذار.
ولا يعلم الناس كم مرة قال لنفسه: “سأتحمل أنا… حتى لا ينكسر خاطرهم”!
إن المال الذي يأتي به المغترب لا ينبت على الأشجار، بل يُنتزع من ساعات عمل طويلة، ومن تعب الجسد، ومن مرارة البعد، ومن سنواتٍ تمر وهو يحلم بيوم يجلس فيه مع أسرته بلا موعد عودة.
وربما كان أغنى ما يحتاج إليه المغترب عند عودته ليس ملامح وجوه كأنها تسأل: “ماذا أحضرت لنا؟”.
بل كلمةً صادقة تقول: “الحمد لله على سلامتك… لقد اشتقنا إليك”.
هذه الكلمة أثمن عنده من كل الهدايا التي يحملها.
ارحموا المغتربين…
فإنهم يحملون أوطانهم في قلوبهم، ويحملون أهليهم في دعائهم، ويحملون هموم الجميع على أكتافهم.
ولا تجعلوا محبتكم لهم مشروطة بما في حقائبهم، بل بما في قلوبهم.
ارحموا المغتربين يرحمكم الله…
الرابط المختصر هنا ⬇