اخفض عينيك عند تقديم الموعظة… أنت لستَ إلهاً لتحاسب
ثمّة لحظة دقيقة، تكاد تكون خفية، ينقلب فيها الوعظ من نورٍ يُهدي إلى سيفٍ يجرح، ومن رسالةٍ تُنقذ إلى سلطةٍ تُدين. تلك اللحظة لا تُرى بالعين، لكنها تُحسّ في نبرة الصوت، وفي ارتفاع الحاجب، وفي ذلك الشعور الخفيّ بالتفوّق الذي يتسلّل إلى قلب الواعظ دون أن يشعر. عندها فقط يصبح اللسان أداة محاكمة، بعيداً عن أن يكون أداة هداية، وتغدو النصيحة قيداً لا رحمة فيها.
لهذا قيل: اخفض عينيك عند تقديم الموعظة، فأنت لست إلهاً لتحاسب.
العبارة تفكيكٌ عميق لفكرة السلطة الأخلاقية حين تنفلت من إنسانيتها.
إن الإنسان حين يعظ، يقف على حافة دقيقة بين أن يكون انعكاساً للحق، أو وصيّاً على الآخرين باسمه. والفرق بين الحالتين شاسع كالمسافة بين النور والظلال. ففي الأولى، يتحدث من موقع التجربة، من جرحٍ عرف طريقه إلى الشفاء، ومن خطأٍ ذاق مرارته فتعلم. أما في الثانية، فإنه يتكئ على وهم الطهارة المطلقة، وكأنه خرج من دائرة الخطأ منذ الأزل، وأصبح مؤهلاً لتوزيع صكوك البراءة والإدانة.
لكن من قال إن الإنسان بريءٌ من الخطأ حتى يحق له أن يُدين غيره؟
ومن الذي منح أحدنا حق الوقوف فوق رقاب الآخرين باسم الفضيلة؟
إن الموعظة هي اعتراف مشترك بالضعف الإنساني. وهي ليست منصةً للخطابة المتعالية، وإنّما خيطٌ هشّ بين قلبين يعرفان التناقض نفسه، وإن اختلفت أشكاله. وحين يتحول الواعظ إلى قاضٍ، يفقد الكلام روحه، وتتحول النصيحة إلى آداة ضعيفة تعكس صورة المتلقي كخطأٍ يجب إصلاحه لا كإنسانٍ يجب احتواؤه.
إن أخطر ما في الموعظة أنها قابلة للتلوّن بالغرور دون أن يشعر صاحبها. يبدأ الأمر بنية صادقة، ثم يتسلل الإحساس بالمعرفة، ثم يتضخم الشعور بالاستقامة، حتى يصبح الواعظ أسير فكرة خفية تقول: “أنا أعرف، وهم لا يعرفون”. وفي هذه اللحظة بالذات، تبدأ الكارثة الأخلاقية، لأن المعرفة حين تنفصل عن التواضع، تتحول إلى سلطة، والسلطة حين تنفصل عن الرحمة، تتحول إلى قسوة.
لذلك، كان خفض العين في الموعظة رمزاً قبل أن يكون حركة جسدية. هو إقرارٌ ضمني بأنك لا تعلو على أحد، وأنك حين تتحدث عن الخطأ، فأنت لا تقف خارجه، ولكن داخله أيضاً بطريقة أو بأخرى. ثمّ أنت لست كائناً طاهراً يخاطب المذنبين، أنت إنسان يخاطب إنسان آخر يحمل نفس التناقض، وإن اختلفت العناوين.
في العمق، كل موعظة هي اعتراف مؤجل. اعتراف بأننا جميعاً نحتاج إلى من يذكرنا، لا من يحاكمنا. ولهذا فإن أصدق النصائح هي تلك التي تُقال بصوتٍ منخفض، كأنها تُهمس في أذن القلب لا تُلقى على منبرٍ مرتفع. فالصوت المرتفع في الأخلاق كثيراً ما يخفي فراغاً داخليّاً، بينما الهدوء في الموعظة يدل على يقينٍ لا يحتاج إلى استعراض.
تأمل كيف تتغير النصيحة حين تُقال من موقع الرحمة لا من موقع التفوق. نفس الكلمات يمكن أن تكون دواءً أو سُمّاً، بحسب النية التي تحملها. يمكنك أن تقول لشخصٍ مخطئ: “أنت على خطأ”، فيشعر بالإدانة والانكسار، أو أن تقول له: “أنا أفهم ما تمر به، لكن هناك طريق آخر”، فيشعر بأنه مفهومٌ لا مدان. الفرق هنا بعيداً عن أي شيء هو وجوديٌّ عميق، يحدد ما إذا كانت الموعظة ستفتح باباً للتغيير أو ستغلق أبواب القلب.
إن الإنسان لا يتغير تحت ضغط الإدانة، وإنّما تحت دفء الفهم. لا أحد يُشفى حين يُقال له إنه مريض فقط، ولكن حين يُمدّ له يدٌ تعترف بإنسانيته رغم مرضه. وهكذا هي الموعظة: ليست تشخيصاً أخلاقيّاً بقدر ما هي مشاركة في البحث عن الشفاء.
وحين نرفع أعيننا في الموعظة، نكون في الحقيقة نرفع ذواتنا فوق الآخرين، ولو لحظة. وهذه اللحظة الصغيرة كفيلة بأن تفسد معنى الكلام كله. لأن الرسالة الأخلاقية تُقاس بقدرتها على البقاء إنسانية حتى آخر كلمة فيها.
إن أكثر الواعظين حكمةً ليسوا أولئك الذين يتحدثون كثيراً، هم الذين يشعرون بثقل الكلمة قبل أن ينطقوها. الذين يدركون أن كل نصيحة تحمل في داخلها احتمال أن تُفهم كحكم، وأن كل حكمٍ قاسٍ قد يُغلق باباً كان يمكن أن يُفتح بالرحمة.
ولهذا، فإن خفض العين هو ببساطة قمة القوة الأخلاقية. لأن من يملك القدرة على الإدانة ثم يختار الرحمة، هو أقرب إلى جوهر الحكمة من ذلك الذي يظن أن الصواب يمنحه الحق في التسلط، لذلك التواضع هنا لا بدّ منه، لكي يحفظ الإنسان من أن يتحول إلى نسخة صغيرة من ما يخشاه في الآخرين.
في النهاية، لسنا أوصياء على أرواح أحد، ولسنا قضاة في محكمة خفية تُسمى الحياة. نحن فقط عابرون في دروب التجربة، نحمل ما تعلمناه من سقوطنا، ونقدمه للآخرين كإشارة لا كحكم. فإن أصبنا، فبفضل إنسانيتنا، وإن أخطأنا، فبفضل إنسانيتنا أيضاً.
لذلك، حين تقدم الموعظة، تذكّر أن أمامك إنساناً وليس مشروع إدانة، وأنك أنت أيضاً لست خارج الدائرة. اخفض عينيك، احتراماً لهذا التشابه العميق بينك وبين من تخاطبه. ففي لحظة التواضع وحدها، تصبح الكلمة نوراً، وتعود الموعظة إلى معناها الأول: أن تكون وسيلةً… لا سيفاً.
الرابط المختصر هنا ⬇
لا جف حبرك استاذة راقية و أنيقة دائمآ بحروفك