شابانا محمود بالكاد خففت خططها ونظام الهجرة البريطاني بات مسرحًا للقسوة
مقال رأي للكاتب أوين جونز، كاتب العمود في صحيفة الغارديان، يرى فيه أن إصلاحات وزيرة الداخلية لا تفعل سوى ترسيخ الكذبة القائلة إن المهاجرين هم المسؤولون عن كل مشكلات المملكة المتحدة.
قبل خمس سنوات، دعت شابانا محمود إلى «عفو عام» عن المهاجرين غير الموثّقين. وقالت متحسرةً: «هذه ليست بعدُ سياسة رسمية لحزب العمال، لكنني ومجموعة من نواب الحزب الآخرين نواصل الدفاع عن هذه الحجة».
أحد أشد أنظمة الهجرة واللجوء عقابًا في أوروبا
أما اليوم، وقد أصبحت وزيرة للداخلية، فهي تُدخل واحدًا من أشد أنظمة الهجرة واللجوء عقابًا في أوروبا. ستتضاعف فترة التأهل المعتادة التي يحتاجها العمال المهاجرون للحصول على إقامة آمنة لتصل إلى 10 سنوات، أي ضعف المدة المعمول بها في جميع دول الاتحاد الأوروبي تقريبًا. وستبلغ فترة الانتظار المعتادة للاجئين الذين يطلبون اللجوء في بريطانيا خارج مسارات إعادة التوطين المحددة 20 عامًا، أي أربعة أضعاف فترة التأهل المعتادة البالغة خمس سنوات في ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا.
لكن حتى هذا مضلِّل. فكما تشير وزارة الداخلية البريطانية: «لا توجد مسارات تأشيرة تتيح للناس طلب اللجوء في المملكة المتحدة من الخارج». وتضيف الوزارة: «يجب أن يكون الشخص موجودًا في المملكة المتحدة لكي يطلب اللجوء فيها». ولذلك فإن الوصول إلى هذه العملية العقابية بالطرق النظامية مستحيل في جوهره.
أعادت محمود فتح برنامج لإعادة التوطين محدود للغاية، يُتوقع أن تشكّل النساء والفتيات الأفغانيات والفلسطينيون نحو ربع الإحالات فيه. والشق الأخير ترضية انتهازية فجّة للناخبين التقدميين الغاضبين من تواطؤ حزب العمال في الإبادة التي ترتكبها إسرائيل. وقد سبق أن مُنحت استثناءات للسفر إلى بريطانيا لأسباب إنسانية: من أوكرانيا وهونغ كونغ وأفغانستان. لكن إن كنت تسعى إلى الفرار من الاضطهاد في إيران أو إريتريا أو الصومال مثلًا، فلا يمكنك التقدم بطلب لجوء بطريقة قانونية. والوصول على متن قارب صغير هو فرصتك الوحيدة. ومن يفعل ذلك وتُقبل طلبات لجوئه، تنتظره فترة قد تصل إلى 30 عامًا قبل الحصول على الإقامة الدائمة.
قبل أحد عشر عامًا، أمضت محمود ثلاثة أيام في مخيم للاجئين في اليونان، وكتبت عن تجربتها في مجلة نيو ستيتسمان. وقالت لقرّائها: «أنت كنت ستهرب. وأنا كنت سأهرب. وهم يهربون. يجب أن نقوم بدورنا لمساعدتهم».
ولنتذكر أن بريطانيا تتلقى طلبات لجوء أقل، نسبةً إلى عدد السكان، من متوسط الاتحاد الأوروبي. ولنتذكر أيضًا أن نحو سبعة من كل 10 لاجئين في العالم تستضيفهم دول منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. ولنتذكر كذلك دور بريطانيا في أعمال العنف التي أدت إلى زعزعة الاستقرار وتسريع حركة السكان، مثل الحربين في العراق وليبيا، وقد صوّتت محمود لصالح الأخيرة.
تراجع جزئي لا يعالج أزمة الرعاية الاجتماعية
نعم، حدث تراجع جزئي فيما يخص عمال الرعاية الاجتماعية، إذ بات بإمكان من دخلوا هذا المسار قبل أيار/مايو 2025 واستوفوا الشروط ذات الصلة التقدم بطلب الإقامة الدائمة غير المحددة المدة بعد خمس سنوات. لكن تأمّلوا كيف دُفع قطاع الرعاية الاجتماعية بالفعل إلى الأزمة بسبب سياسات الهجرة البريطانية التي «تجدع أنفها نكايةً بوجهها». فقد تراجع عدد المجنّدين الدوليين الجدد من 105,000 إلى 30,000 في غضون عامين، في حين يعاني القطاع من نحو 100,000 وظيفة شاغرة. ولن تعكس تنازلات محمود مسار هذه الأزمة.
خرق للثقة ونزعة طبقية
إليكم سبب كون هذه السياسات مهزلة. فالخرق الجوهري للثقة انتهاك لأي مبادئ للعدالة الطبيعية. عندما فرضت سلف محمود المحافظة تيريزا ماي حدًا أدنى للراتب قدره 35,000 باوند للحصول على الإقامة الدائمة عام 2012، استثنت المهاجرين الذين حصلوا على تأشيرات عمل مؤهِّلة قبل نيسان/أبريل 2011. أما محمود فتطبّق خط الأساس البالغ 10 سنوات على كثير ممن يقيمون بالفعل إقامة قانونية، رغم أن كثيرًا من المهاجرين وعائلاتهم بنوا خططهم على ما وُعدوا به. وسيتضرر نصف مليون شخص من هذا النكث بالوعود.
وماذا عن النزعة الطبقية المستشرية في أن يتأهل من يكسب أكثر من 125,000 باوند خلال ثلاث سنوات فقط، بينما ينتظر من يقل دخله عن 50,000 باوند 10 سنوات عادةً؟ أصدرت مؤسسة الاقتصاد الجديد ذات مرة بحثًا وجد أن عامل رعاية الأطفال يولّد ما يصل إلى 9.50 باوند من القيمة الاجتماعية مقابل كل باوند يتقاضاه، وعامل النظافة في المستشفى يولّد 10 باوندات، وعامل إعادة التدوير 12 باوندًا. في المقابل، يدمّر المصرفي في حي المال بلندن (سيتي) 7 باوندات من القيمة الاجتماعية مقابل كل باوند يولّده، وترتفع هذه القيمة إلى 11 باوندًا لمدير الإعلانات و47 باوندًا لمحاسب التهرب الضريبي. ومع ذلك، تحظى هذه المهن ذات الأجور الباهظة بمسار مدته ثلاث سنوات، مقارنةً بعشر سنوات للعمال الأساسيين الذين يتقاضون أجورًا زهيدة.
اعترفت محمود على الأقل بأن الممرضين والمعلمين وعمال الرعاية يقدّمون إسهامات لا يمكن قياسها بالراتب وحده. ولكن لماذا لا ينطبق هذا المبدأ على العمال الآخرين؟
إضعاف القدرة التفاوضية للعمال
ثم هناك الحزب الذي يُفترض أنه حزب العمال يقوّض القدرة على المفاوضة الجماعية للعمال، بإبقائهم معتمدين على تأشيرات يكفلها أصحاب العمل لعقد كامل. وحتى وزارة الداخلية البريطانية اعترفت بأن الإقامة الدائمة يمكن أن تحسّن الأجور، لأن العمال يصبحون أحرارًا في تغيير وظائفهم. وستضر هذه الخطط بالعمال المهاجرين والعمال المولودين في بريطانيا على حد سواء. ويشير اتحاد النقابات العمالية (TUC) إلى أن «هذا يخلق ضغوطًا نحو الأسفل في القطاعات ككل، إذ تعيق الكفالة قدرة العمال على المطالبة بأجور وظروف أفضل أو التصدي لسوء المعاملة».
ثم هناك اشتراط ألا يكون المهاجرون قد حصلوا على دعم حكومي محدد لمدة خمس سنوات قبل التأهل للإقامة الدائمة عبر المسار المعتاد، وإلا واجهوا فترة انتظار أطول، وإن كان النطاق الدقيق لهذا الشرط واستثناءاته لم يتضح بعد. وقد يُعاقَب الأشخاص من ذوي الإعاقة، بينما قد يُجبَر الوالدان على فرض المشقة على أطفالهما من أجل الحصول على الإقامة الدائمة.
كذبة كبش الفداء
كل هذا قائم على كذبة خبيثة روّجت لها المؤسستان الإعلامية والسياسية في بريطانيا: أن الهجرة مسؤولة عن مشكلات بلادنا. ليس القطاع المالي، الذي أغرق البلاد في كارثة لم نتعافَ منها قط. وليس أرباب العمل الجشعون المستغِلّون الذين لا يدفعون لعمالهم أجورًا لائقة منذ أن كُبّلت الحركة العمالية على نحو دائم في ثمانينيات القرن الماضي. وليس نظامًا اقتصاديًا متحيّزًا لصالح رأس المال المالي الكبير والأصول بدلًا من الصناعة المنتجة، ولا السياسيين الذين يرفضون بناء المساكن التي نحتاجها. لا، المهاجرون هم من صاروا كبش الفداء.
حسنًا، الآن وقد شُيّدت بيئة عدائية للمهاجرين على أكمل وجه، فمن سيجد الباحثون عن كبش فداء ليلقوا عليه اللوم؟
الرابط المختصر هنا ⬇
