العرب في بريطانيا | أبناء البشر: فيلم بريطاني يقرأ زمن اليمين المتط...

أبناء البشر: فيلم بريطاني يقرأ زمن اليمين المتطرف قبل وقوعه

أبناء البشر: فيلم بريطاني يقرأ زمن اليمين المتطرف قبل وقوعه
عدنان حميدان أبريل 28, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

حين أُنتج فيلم Children of Men (أبناء البشر) عام 2006، بدا لكثيرين مجرد عمل سينمائي قاتم يتخيّل مستقبلًا مخيفًا تنهار فيه البشرية تدريجيًا. لم يكن فيلمًا عن نهاية العالم بالمعنى التقليدي، بل عن نهاية الأمل، حين تفقد الإنسانية قدرتها على الإنجاب، ويتوقف آخر طفل عن الولادة، فتدخل المجتمعات في حالة من اليأس الجماعي، والانهيار النفسي، والفوضى السياسية.

لكن ما يجعل هذا الفيلم استثنائيًا اليوم ليس فقط قوته الفنية أو براعته الإخراجية، بل أن أحداثه تدور في عام 2027 — أي بعد واحد وعشرين عامًا فقط من تاريخ إنتاجه — وكأن صُنّاعه أرادوا القول إن التحولات الكبرى لا تحتاج قرونًا حتى تقع، بل قد يكفي جيل واحد فقط كي تنزلق دولة ديمقراطية عريقة نحو الخوف، والانغلاق، وتحويل الأمن إلى ذريعة لتآكل القيم الإنسانية.

واليوم، ونحن نقترب فعليًا من عام 2027، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: هل كان Children of Men مجرد خيال سينمائي؟ أم أنه كان قراءة مبكرة لمسار سياسي يمكن أن تسلكه المجتمعات حين تستسلم لخطابات الخوف، وصناعة العدو، والبحث عن كبش فداء؟

الفيلم مأخوذ عن رواية الكاتبة البريطانية بي. دي. جيمس Children of Men (أبناء البشر)، الصادرة عام 1992، لكن النسخة السينمائية التي أخرجها ألفونسو كوارون عام 2006 ذهبت أبعد من الرواية في تركيزها على الجانب السياسي والإنساني، خصوصًا ما يتعلق بمصير اللاجئين والمهاجرين داخل بريطانيا.

في هذا المستقبل المتخيَّل، تنهار معظم دول العالم تحت وطأة الفوضى، بينما تبدو المملكة المتحدة وكأنها “آخر دولة مستقرة”. لكن هذا الاستقرار ليس ثمرة عدالة أو ازدهار، بل نتيجة تحوّل الدولة إلى حصن أمني مغلق، يعيش على الخوف، ويبرر قسوته باسم البقاء.

بريطانيا هنا لا تُقدَّم بوصفها نموذجًا للنجاة، بل بوصفها مثالًا على ما قد يحدث حين تقرر دولة ما أن حماية نفسها تعني التخلي عن إنسانيتها.

في عالم الفيلم، يتدفق اللاجئون من أنحاء العالم إلى بريطانيا باعتبارها الملاذ الأخير. لكن بدل استقبالهم كبشر هاربين من الكوارث، يُعاملون كخطر أمني. يُعتقلون في الشوارع، ويُنقلون في أقفاص، ويُرحّلون إلى مناطق احتجاز ضخمة مثل بيكسهيل، التي تتحول إلى سجن مفتوح يختلط فيه القمع بالعزل والإهانة.

حتى اللغة نفسها تصبح أداة سياسية. اللاجئون لا يُسمَّون لاجئين، بل يُختصرون في كلمة “فوجيز” (Fugees)، وهي صيغة مختزلة تُفرغ الإنسان من قصته ومعاناته، وتحوله إلى تصنيف بارد يمكن التعامل معه كعبء أو تهديد.

وهنا يقدم الفيلم واحدة من أهم رسائله السياسية: القسوة لا تبدأ بالسجون… بل تبدأ بالكلمات.

حين يُعاد تعريف البشر بوصفهم “مشكلة”، أو “عبئًا”، أو “غزاة”، يصبح تبرير السياسات القاسية ضدهم أسهل. وهكذا تبدأ رحلة نزع الإنسانية: من اللغة، إلى القانون، إلى الممارسة.

هذا ليس مجرد خيال سينمائي، بل تحذير تاريخي متكرر.

فكثير من مشاريع اليمين المتطرف عبر التاريخ بدأت أولًا بإقناع الناس أن مشكلاتهم ليست في السياسات الفاشلة أو الظلم الاقتصادي أو سوء الإدارة، بل في “الآخر” المختلف: المهاجر، اللاجئ، الأجنبي، أو الأقلية.

وهنا تحديدًا يصبح Children of Men أكثر راهنية ونحن نراقب تصاعد الخطاب اليميني في بريطانيا، خاصة مع حضور قوى مثل حزب “ريفورم يو كي” (Reform UK) بقيادة نايجل فاراج، الذي يستثمر سياسيًا في ملفات الهجرة والحدود والهوية الوطنية.

من حق أي دولة أن تناقش سياسات الهجرة، ومن حق المواطنين أن يقلقوا بشأن الخدمات العامة أو الحدود، لكن الخطر يبدأ حين يتحول النقاش من “كيف ندير الهجرة؟” إلى “كيف نحمي أنفسنا من المهاجرين؟”.

هناك فرق كبير بين إدارة التحديات… وصناعة الخوف.

حين تُستخدم أزمات السكن، أو الضغط على النظام الصحي، أو التحديات الاقتصادية، لتوجيه غضب الناس نحو الفئات الأضعف، بدل مساءلة الخيارات السياسية والاقتصادية الكبرى، يصبح الخطاب أقرب إلى الشعبوية منه إلى الحلول الحقيقية.

هذا ما يلتقطه الفيلم بذكاء شديد: الدولة لا تحل أزماتها، بل تعيد توجيه خوف الناس نحو هدف أسهل.

في Children of Men، اللاجئ ليس سبب الأزمة، لكنه يُقدَّم للجمهور كأنه تجسيد لها.

وفي كثير من خطابات اليمين المعاصر، تتكرر الآلية نفسها: بدل الاعتراف بتعقيد الأزمات البنيوية، يجري تقديم “الآخر” بوصفه المشكلة الأسرع تسويقًا انتخابيًا.

لكن التاريخ يُظهر أن المجتمعات لا تنهض عبر شيطنة الضعفاء.

أزمة الخدمات الصحية لم يصنعها اللاجئ.

أزمة غلاء المعيشة لم يخلقها طالب اللجوء.

وأزمات السكن والعمل ليست نتاج قوارب الهجرة وحدها، بل حصيلة تراكمات اقتصادية وسياسية أعمق بكثير.

ومع ذلك، تظل الشعبوية جذابة لأنها تقدم رواية بسيطة وسهلة: “أنتم تعانون لأن هناك غرباء أخذوا مكانكم”.

هذه البساطة قد تكون انتخابيًا فعالة… لكنها أخلاقيًا خطيرة.

الفيلم أيضًا لافت في طريقته البصرية في الإشارة إلى من يُنظر إليهم باعتبارهم “الآخر”. كثير من اللاجئين يحملون ملامح شرق أوسطية أو إفريقية، في تلميح واضح إلى عالم ما بعد هجمات 11 سبتمبر، حيث تزايد الربط بين الهجرة، والاختلاف الثقافي، والتهديد الأمني.

ورغم أن الفيلم لا يهاجم المسلمين أو العرب مباشرة، فإنه يكشف كيف يمكن للأنظمة والخطابات السياسية أن تصنع من جماعات معينة هدفًا للخوف العام، حتى دون تصريح مباشر.

بالنسبة للعرب في بريطانيا، ولجميع المؤمنين بعدالة المجتمع البريطاني، فإن أهمية الفيلم اليوم لا تكمن في توقعه الدقيق للمستقبل، بل في تحذيره من الطريق الذي قد يقود إليه تطبيع الخوف.

فالانتخابات المحلية، رغم أنها تبدو أقل أهمية من الانتخابات العامة، هي في الحقيقة مساحة شديدة التأثير في تشكيل المزاج السياسي العام. فيها تُختبر اللغة، وتُطبع الأفكار، ويُعرف ما إذا كانت الشعارات المتشددة ستظل هامشية أم ستتحول إلى جزء من الخطاب السائد.

من هنا، فإن مواجهة اليمين المتطرف لا تعني فقط رفض العنصرية الصريحة، بل أيضًا الانتباه للخطاب الذي يبدو “عمليًا” أو “واقعيًا” بينما يقوم فعليًا على تضخيم الخوف، وتبسيط الأزمات، وتحويل الإنسان المختلف إلى مشروع تهديد دائم.

إن أخطر ما يحذر منه Children of Men ليس انهيار العالم… بل انهيار البوصلة الأخلاقية.

فالمجتمعات لا تفقد إنسانيتها دفعة واحدة، بل بالتدريج:

حين يصبح الخوف سياسة،

والقسوة ضرورة،

والتمييز أمرًا اعتياديًا،

ويتحول الصمت إلى تواطؤ.

حين تخيّل الفيلم عام 2027 من موقع 2006، لم يكن يقول إن هذا المستقبل حتمي، بل كان يطلق إنذارًا مبكرًا: إذا استمررتم في إدارة السياسة بالخوف، فقد يصبح ما يبدو اليوم خيالًا… واقعًا أقرب مما تظنون.

ولهذا، ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ربما يكون السؤال الأهم أمام بريطانيا ليس فقط: من سيفوز؟

بل: أي نوع من البلاد تريد أن تكون؟

بلدًا يرى في التنوع تحديًا يمكن إدارته بعدالة؟

أم بلدًا يرى في الآخر خطرًا يجب عزله؟

لأن بريطانيا لا تُختبر فقط بقدرتها على حماية حدودها…

بل بقدرتها على ألا تخسر روحها وهي تفعل ذلك.


 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 26 مايو 2026
"ضربني بحذائه على أسفل ظهري.." الناشط الاسكتلندي في أسطول الصمود "هيو ستيرلينغ" يروي بألم تفاصيل التعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرض له من قبل قوات الاحتلال أثناء احتجازه، وسط صمت دولي مرعب تجاه هذه المعاملة القاسية. #شاهد #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 26 مايو 2026
في خير أيام الدنيا، حيثُ تتنزلُ الرحماتُ وتُستجابُ الدعوات، قلوبنا معلقةٌ بأهلنا في غزة والسودان وكل جريح في بلادنا العربية والإسلامية. بينما نرفعُ أيدينا بالدعاء، دعونا نمدُّ لهم يدَ العطاء عبر منظمة العمل من أجل الإنسان. تبرعُك اليوم طوقُ نجاةٍ…
𝕏 @alarabinuk · 26 مايو 2026
🗞️بين طقس يشتعل وسياسة تلتهب، عناوين ثقيلة تتصدر الصحف البريطانية اليوم.. فبينما تسجل البلاد درجات حرارة تاريخية، تنشغل اسكتلندا بقضية قانونية طالت زوج رئيسة الوزراء السابقة بتهمة اختلاس أموال الحزب. للاطلاع على أبرز ما تناولته الصحف: https://alarabinuk.com/?p=227631 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 26 مايو 2026
برمنغهام تُنصّب أول عمدة مسلم في تاريخها.. وسط حضور لافت في "مجلس المدينة"، تم رسميًا تنصيب المستشار زاكر شودري عمدةً لمدينة برمنغهام لدورة 2026–2027 (Lord Mayor)، في حفل مهيب افتُتح بتلاوة آيات من القرآن الكريم. ولد شودري في إقليم "آزاد…
عرض المزيد على X ←