العرب في بريطانيا | واشنطن تختار وزير خزانة بريطانيا؟ لماذا تدخل إد...

تحليل: واشنطن تختار وزير خزانة بريطانيا؟ لماذا تتدخل إدارة ترامب في تشكيل الحكومة البريطانية؟

تحليل: واشنطن تختار وزير خزانة بريطانيا؟ لماذا تتدخل إدارة ترامب في تشكيل الحكومة البريطانية؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

ليست القصة أن واشنطن ستختار رسميًا وزير خزانة بريطانيا.

القصة أبعد من ذلك.

أن يصل تحذير من مسؤولين أمريكيين كبار إلى لندن من تعيين إد ميليباند وزيرًا للخزانة في حكومة آندي بيرنام المحتملة، فهذا لا يعني أن الولايات المتحدة تملك حق الفيتو على تشكيل الحكومة البريطانية. لكنه يعني أن “العلاقة الخاصة” لم تعد دائمًا علاقة نصيحة هادئة بين حليفين، بل قد تتحول إلى ضغط مبكر على اختيارات داخلية قبل أن تولد الحكومة أصلًا.

بحسب صحيفة التايمز، حذر مسؤولون في إدارة دونالد ترامب من أن تعيين ميليباند وزيرًا للخزانة سيكون “خطأ”. والسبب المعلن ليس سيرته الحزبية فقط، ولا صورته كسياسي من يسار حزب العمال، بل موقفه من وقف تراخيص النفط والغاز الجديدة في بحر الشمال.

هنا تصبح القصة أكبر من اسم وزير.

فبحر الشمال ليس تفصيلًا إداريًا. إنه ملف بريطاني داخلي يربط الطاقة، والضرائب، والوظائف، والمناخ، وتمويل الدولة. لكن واشنطن تنظر إليه من زاوية أخرى: مورد يمكن أن يوفر عائدات ضريبية، ويخفف الاعتماد على الخارج، ويدعم تمويل الدفاع في لحظة تضغط فيها الولايات المتحدة على حلفائها الأوروبيين لزيادة إنفاقهم العسكري.

ومن هنا يخيف ميليباند إدارة ترامب.

ليس لأنه إد ميليباند فقط، بل لأنه يمثل تصورًا اقتصاديًا للطاقة يناقض المزاج الترامبي: انتقال أخضر، وحذر من الوقود الأحفوري، ودور أكبر للدولة في إعادة توجيه الاقتصاد نحو الطاقة النظيفة. في المقابل، ترى إدارة ترامب النفط والغاز قوة، وسيادة، ومالًا سريعًا، لا مجرد عبء بيئي يجب التخلص منه.

تدخل أم تحذير؟

The White House in Washington DC
البيت الأبيض-واشنطن.

يمكن لواشنطن أن تقول: إن الأمر مجرد رأي من حليف.

ويمكن للندن أن تقول: إن تشكيل الحكومة شأن بريطاني خالص.

لكن خلف التصريحات الرسمية تتكشف الضغوط غير الرسمية. أحيانًا يكفي أن يعرف رئيس وزراء محتمل أن اسمًا بعينه يثير قلق واشنطن حتى يتحول التعيين من قرار داخلي إلى رسالة خارجية.

إذا اختار بيرنام ميليباند، سيبدو كأنه يتحدى إدارة ترامب مبكرًا، وهو ما قد لا يريده قبل دخول داونينغ ستريت. وإذا استبعده، سيُسأل: هل فعل ذلك لأنه غير مقتنع به، أم لأنه لا يريد فتح معركة مع واشنطن قبل أن يبدأ حكمه؟

هذه هي المشكلة.

فالضغط الخارجي لا يحتاج دائمًا إلى أمر مباشر. يكفي أن يسبق القرار، وأن يضع ثمنًا سياسيًا على أحد الخيارات.

ترامب وفانس.. نمط لا حادثة

ما يجعل القصة أكثر حساسية أنها لا تأتي من فراغ.

سبق لترامب أن تحدث علنًا عن السياسة البريطانية الداخلية، وانتقد اتجاه لندن في الطاقة والهجرة، وهاجم سياسات الرياح والطاقة النظيفة، ودعا إلى استغلال نفط بحر الشمال وغازه بدل الاعتماد على واردات من الخارج.

وذهب جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، أبعد في خطابه الشهير أمام مؤتمر ميونيخ للأمن، حين تحدث عن “تراجع حرية التعبير” في أوروبا، ووجه انتقادات لقوانين وممارسات داخلية بريطانية مرتبطة بمناطق الحماية حول عيادات الإجهاض وحرية التعبير. كما استخدم مقتل المراهق البريطاني هنري نوفاك لانتقاد الحكومة البريطانية، محملًا سياسات الهجرة والنخب الأوروبية مسؤولية ما وصفه بتدهور أوسع.

Fury as JD Vance attacks European leaders in anti-immigration rant at Munich conference | The Independent
جيه دي فانس-مؤتمر ميونيخ للأمن

قد تختلف الملفات: الطاقة، أو الهجرة، أو حرية التعبير، أو تشكيل الحكومة. لكن النمط واحد: إدارة أمريكية ترى أن السياسة الداخلية البريطانية والأوروبية ليست شأنًا محليًا بالكامل عندما تتعارض مع رؤيتها الأيديولوجية أو مصالحها الاقتصادية.

في الماضي، كانت “العلاقة الخاصة” تُقدَّم باعتبارها شراكة استراتيجية بين بلدين يتشاركان الأمن، والاستخبارات، والدفاع. واليوم تبدو أحيانًا كأنها علاقة غير متكافئة: حليف أكبر هو الولايات المتحدة يتحدث بصوت عالٍ، وحليف أصغر هو بريطانيا يضطر إلى حساب رد الفعل الأمريكي قبل اتخاذ قراراته الداخلية. وهو ما يولد مرارة وتساؤلات عن حدود التحالف والتدخل لدى بعض القطاعات في بريطانيا.

بحر الشمال بوصفه اختبارًا للسيادة

Maersk Drilling nets North Sea Breagh contract, sells two jackup rigs | Offshore Magazine
منصة تنقيب-بحر الشمال.

لهذا لا ينبغي قراءة الخلاف بشأن ميليباند بوصفه خلافًا شخصيًا.

السؤال الحقيقي هو: من يقرر سياسة الطاقة البريطانية؟

هل تقررها حكومة منتخبة بناءً على وعودها المناخية، وضغوط النقابات، وحسابات الوظائف، ومخاطر الانتقال الأخضر؟ أم تدخل واشنطن بوصفها طرفًا غير مباشر في النقاش؛ لأنها ترى أن إغلاق الباب أمام التنقيب الجديد يضر بالاقتصاد، والدفاع، والتحالف الغربي؟

المفارقة أن بحر الشمال نفسه يحمل أكثر من قراءة.

فبالنسبة إلى ميليباند وأنصاره، فإن الاستمرار في تراخيص جديدة للنفط والغاز يؤخر التحول الأخضر، ويقيد بريطانيا بنموذج اقتصادي قديم، ويفتح الباب أمام استثمارات قصيرة المدى لا تحل أزمة الطاقة على المدى الطويل.

أما بالنسبة إلى إدارة ترامب وبعض نواب العمال والنقابات، فإن وقف التنقيب قد يعني خسارة وظائف، وتراجع عائدات ضريبية، وإضعاف قطاع تستطيع الدولة استخدامه في تمويل أولويات أخرى، ومنها الدفاع.

هذا خلاف بريطاني مشروع.

لكن تحوله إلى موضع تحذير أمريكي يكشف أن قرار الطاقة في بريطانيا لم يعد محصورًا داخل الحدود البريطانية.

بيرنام بين واشنطن وحزبه

إذا وصل بيرنام إلى داونينغ ستريت، فاختيار وزير الخزانة سيكون أول اختبار كبير لشكل حكومته.

هل ستكون حكومة تواصل وسطية ستارمر، بحذر مالي ورسائل طمأنة إلى الأسواق والحلفاء؟ أم حكومة أكثر جرأة، تستخدم الخزانة لتغيير العلاقة بين الدولة، والسوق، والطاقة، والأقاليم؟

ميليباند، في هذا السياق، ليس مجرد مرشح لمنصب مالي. إنه إشارة سياسية.

فتعيينه سيقول: إن حكومة بيرنام تريد اقتصادًا أكثر تدخلًا وخطة خضراء أجرأ. أما استبعاده، فقد يطمئن واشنطن وبعض المستثمرين، لكنه قد يُغضب جناحًا داخل حزب العمال يريد قطيعة أوضح مع إرث ستارمر.

وهنا يصبح بيرنام محاصرًا مبكرًا بين ثلاث جبهات: واشنطن، والأسواق، وحزبه.

وقبل أن يعلن تشكيلته، سيكتشف أن بعض الأسماء ليست أسماء فقط، بل اختبارات للسيادة، والاتجاه، والجرأة.

حدود العلاقة الخاصة

Waving English and American flag

تكشف قضية ميليباند نمطًا من الضغط تختلط فيه اعتبارات التحالف باعتبارات التدخل. وهنا قد يقول أنصار التحالف الكامل: إن من حق الولايات المتحدة أن تهتم بسياسات حليفها في الطاقة والدفاع. وفي المقابل، قد يرى أنصار استقلالية القرار البريطاني أن السؤال الحقيقي هو: متى يصبح اهتمام الحليف تدخلًا في القرار الداخلي؟

قد لا تختار واشنطن وزير خزانة بريطانيا.

لكن إذا أصبح على رئيس وزراء بريطاني محتمل أن يحسب حساب غضب ترامب قبل اختيار وزيره، فإن السؤال لم يعد ساخرًا في الحقيقة.

من يملك حق تشكيل الحكومة؟

الناخبون وحزب الأغلبية فقط؟

أم أن “العلاقة الخاصة” صارت تضع مقعدًا غير معلن لواشنطن على طاولة الاختيارات الداخلية؟


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا