العرب في بريطانيا | هل تستطيع المنتخبات العربية تمويل نفسها؟ بين ال...

هل تستطيع المنتخبات العربية تمويل نفسها؟ بين النموذج الأوروبي والدعم الحكومي

هل تستطيع المنتخبات العربية تمويل نفسها؟ بين النموذج الأوروبي والدعم الحكومي
دانية عبد الفتاح يوليو 21, 2026
شارك

 كلما شاهدنا منتخبات مثل إنجلترا أو ألمانيا أو فرنسا تحقق مئات الملايين من الباوندات عبر الرعاية وحقوق البث والتسويق، يتبادر سؤال منطقي إلى أذهان كثير من المتابعين: هل توجد منتخبات عربية استطاعت الوصول إلى النموذج نفسه؟ وهل أصبحت كرة القدم في العالم العربي صناعة تمول نفسها، أم أنها لا تزال تعتمد بدرجات متفاوتة على الحكومات؟

الإجابة ليست سهلة؛ لأن المنتخبات العربية لا تعمل وفق نموذج مالي واحد، بل تختلف مصادر تمويلها باختلاف طبيعة الاقتصاد في كل دولة، وحجم سوقها الرياضي، وقوة مسابقاتها المحلية، ومدى تطور القطاع التجاري المرتبط بكرة القدم.

ومع ذلك، يمكن تقسيم النماذج العربية الحالية إلى ثلاثة اتجاهات رئيسة، لكل منها فلسفته وأهدافه الاقتصادية.

النموذج الخليجي: استثمار استراتيجي يتجاوز كرة القدم

تمثل السعودية وقطر النموذج الأكثر وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالاستثمار الرياضي.

فخلال السنوات الأخيرة، ضخت الدولتان استثمارات ضخمة في كرة القدم، سواء على مستوى المنتخبات أو الأندية أو البنية التحتية الرياضية. ويأتي ذلك ضمن استراتيجيات وطنية أوسع تستهدف تعزيز السياحة، وجذب الاستثمارات، وبناء ما يعرف بـ”القوة الناعمة” من خلال الرياضة.

فالسعودية، التي تستعد لاستضافة كأس العالم 2034، استثمرت مليارات الدولارات في تطوير الملاعب والمنشآت الرياضية واستقطاب أبرز نجوم كرة القدم العالمية، في حين واصلت قطر الاستثمار في القطاع الرياضي بعد نجاحها في تنظيم كأس العالم 2022.

لكن من المهم التمييز بين الاستثمار والتمويل الذاتي.

فرغم وجود عقود رعاية وإيرادات تجارية متزايدة، لا تعتمد اتحادات كرة القدم في هذه الدول على عوائد السوق وحدها كما هو الحال في بعض الاتحادات الأوروبية، بل يشكل الدعم الحكومي والاستثمار السيادي جزءاً أساسياً من المنظومة المالية.

المغرب: أقرب نموذج عربي للتحول التجاري

إذا كان هناك اتحاد عربي اقترب خلال السنوات الأخيرة من توسيع موارده التجارية، فهو الاتحاد المغربي لكرة القدم.

فبعد الإنجاز التاريخي بالوصول إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، ارتفعت القيمة التسويقية للمنتخب المغربي بصفة ملحوظة، كما توسعت عقود الرعاية، وازداد اهتمام الشركات العالمية بالارتباط بالمنتخب.

ويُتوقع أن تمنح استضافة كأس العالم 2030، بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، دفعة إضافية للإيرادات التجارية، سواء من الرعاية أو التسويق أو تطوير البنية الرياضية.

ومع ذلك، لا يزال التمويل الحكومي يشكل جزءاً مهماً من منظومة دعم كرة القدم المغربية، وإن كانت الإيرادات التجارية لها دور أكبر مما كانت عليه قبل سنوات.

منتخبات تعتمد على الدعم الحكومي بدرجات مختلفة

أما في دول مثل مصر والجزائر وتونس والعراق والأردن، فتعتمد اتحادات كرة القدم عادة على مزيج من التمويل الحكومي، وعقود الرعاية، وحقوق البث، والدعم الذي يقدمه الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، إضافة إلى عوائد المشاركات في البطولات القارية والدولية.

لكن حجم السوق التجاري في هذه الدول يظل أصغر مقارنة بالأسواق الأوروبية، وهو ما يحد من قدرة الاتحادات على الاعتماد الكامل على الإيرادات التجارية.

ففي كثير من الحالات، لا تكفي عوائد الرعاية المحلية أو مبيعات التذاكر لتغطية جميع النفقات التشغيلية، ولا سيما مع ارتفاع تكاليف المعسكرات، ورواتب الأجهزة الفنية، والسفر، وبرامج إعداد المنتخبات.

ولهذا، يبقى الدعم الحكومي جزءاً أساسياً من استدامة عمل العديد من الاتحادات العربية.

لماذا يختلف النموذج العربي عن الأوروبي؟

يكمن الفارق الأساسي في حجم السوق.

فالمنتخب الإنجليزي، على سبيل المثال، يستفيد من أحد أكبر أسواق كرة القدم في العالم، حيث تحقق حقوق البث والرعاية والتسويق التجاري عوائد ضخمة، كما يمتلك الاتحاد الإنجليزي ملعب ويمبلي الذي يدر ملايين الباوندات سنوياً من استضافة المباريات والفعاليات.

في المقابل، لا تزال الأسواق الرياضية في معظم الدول العربية أصغر حجماً، سواء من حيث قيمة عقود الرعاية أو الإيرادات التجارية أو الإنفاق الإعلاني المرتبط بالرياضة.

كما أن الثقافة الاستثمارية في القطاع الرياضي ما زالت في طور النمو في كثير من الدول، وهو ما يجعل الحكومات شريكاً رئيساً في تمويل الاتحادات الوطنية.

هل الدعم الحكومي يعني الإخفاق؟

يربط بعض الناس بين التمويل الحكومي وضعف الأداء التجاري، لكن هذا الربط ليس دقيقاً دائماً.

ففي عدد من الدول، تنظر الحكومات إلى الرياضة باعتبارها استثماراً وطنياً، وليس مشروعاً تجارياً بحتاً.

فالمنتخب الوطني يمثل الدولة في المحافل الدولية، ويساهم في تعزيز الهوية الوطنية، كما يمكن أن ينعكس نجاحه على السياحة والاستثمار والصورة الدولية للبلاد.

ولهذا، فإن جزءاً من الإنفاق الحكومي يُنظر إليه باعتباره استثماراً طويل الأجل في المجتمع والاقتصاد، وليس مجرد مصروفات رياضية.

هل يمكن أن تتغير المعادلة؟

تشير التطورات التي شهدتها كرة القدم العربية خلال السنوات الأخيرة إلى أن الاعتماد على الإيرادات التجارية قد يزداد تدريجياً.

فارتفاع قيمة عقود الرعاية، وزيادة الاهتمام بحقوق البث، وتوسع التسويق الرقمي، ودخول مستثمرين جدد إلى القطاع الرياضي، كلها عوامل قد تمنح الاتحادات العربية مصادر دخل أكثر تنوعاً خلال السنوات المقبلة.

لكن الوصول إلى نموذج قريب من الاتحاد الإنجليزي أو الألماني لن يحدث بين ليلة وضحاها؛ لأنه يرتبط بحجم السوق، وقوة الدوري المحلي، والقدرة على بناء علامة تجارية تحقق إيرادات مستدامة لسنوات طويلة.

بين الرياضة والاقتصاد… لكل نموذج أولوياته

تكشف تجربة المنتخبات العربية أن كرة القدم ليست مجرد منافسة داخل الملعب، بل انعكاس للنموذج الاقتصادي الذي تتبعه كل دولة.

ففي أوروبا، تعتمد الاتحادات الكبرى بدرجة كبيرة على السوق التجارية، بينما لا يزال الدعم الحكومي في العالم العربي يمثل ركيزة أساسية في تمويل العديد من المنتخبات، مع اختلاف النسب من دولة إلى أخرى.

ومع استمرار تطور صناعة الرياضة في المنطقة، قد تقترب بعض الاتحادات العربية من تحقيق استقلال مالي أكبر، لكن ذلك يتطلب سنوات من الاستثمار في التسويق، وتطوير المسابقات المحلية، وبناء منظومة اقتصادية تجعل كرة القدم قادرة على تمويل نفسها بشكل متزايد.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال هو: “هل يجب أن يتوقف الدعم الحكومي؟”، بل: “كيف يمكن للاتحادات العربية أن تبني مصادر دخل مستدامة تجعلها أقل اعتماداً على التمويل العام وأكثر قدرة على الاستثمار في مستقبل اللعبة؟”.


 

 

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 21 يوليو 2026
الانقسام لن يبني مستقبلًا، فالأغنياء ليسوا سيئين وكذلك المهاجرون.. رجل الأعمال سايمون سكويب يوجه رسالة حاسمة لرئيس الوزراء آندي بيرنهام: النهوض ببريطانيا يحتاج إنهاء الانقسام، إصلاح التعليم، وتشجيع البريطانيين على العمل. هل تتفقون مع طرحه؟ #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 21 يوليو 2026
لأن نجاح مؤسستك يبدأ من اختيار الفريق المناسب.. 💼 نساعدك في منصة "العرب في بريطانيا" على الوصول إلى أفضل الكفاءات والخبرات العربية والمحلية بكل سهولة. كل ما عليك هو إدخال تفاصيل الوظيفة والشروط المطلوبة عبر صفحة الوظائف في موقعنا: https://alarabinuk.com/add-job/…
𝕏 @alarabinuk · 21 يوليو 2026
مطالبةٌ حازمة بوقف دعم جرائم إسرائيل وإبادتها في غزة... في كلمة قوية داخل البرلمان، النائبة البريطانية نادية ويتوم تطالب بحظرٍ فوري للتجارة مع المستوطنات غير الشرعية، داعيةً إلى وقف التغاضي عن جرائم غزة والضفة، والانتقال من القول إلى الفعل. #شاهد…
𝕏 @alarabinuk · 21 يوليو 2026
العقود وشراء المحلات التجارية في بريطانيا: كيف تحمي نفسك قبل التوقيع؟ https://x.com/i/broadcasts/1lKQRRanBQVGE
عرض المزيد على X ←