ندوة “الأشرطة الحمراء” من لندن: الحرب الوحشية على الأسرى مستمرة بلا هدنة ولا توقف
في أمسية امتزجت فيها الشهادات القانونية بالقصص الإنسانية المؤلمة، والقراءات السياسية بالنداءات الأخلاقية الملحّة، تحولت ندوة التضامن مع الأسرى والرهائن الفلسطينيين التي استضافها مدرج الخليلي في جامعة SOAS بلندن مساء الجمعة 19 يونيو/حزيران، إلى مساحة مفتوحة لكشف جانب من الحرب المستمرة التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية، في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى الحرب الدائرة في غزة.
الندوة، التي نظمها مركز العدالة الدولية للفلسطينيين (ICJP) بالتعاون مع حملة “الأشرطة الحمراء”، شارك فيها الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية الدكتور مصطفى البرغوثي، ورئيس مركز العدالة الدولية للفلسطينيين المحامي طيب علي، والمحامي خالد محاجنة، والناشط الفلسطيني والمتحدث باسم أسطول “صمود” سيف أبو كشك، والناشطة الحقوقية كاترينا غراهام، فيما أدارتها الإعلامية والناشطة ماتيلدا مالينسون، واستهل الحديث بها منسق حملة الأشرطة الحمراء عدنان حميدان.
ولم تكن الدموع التي انهمرت أكثر من مرة من عيون الحضور مجرد تعبير عاطفي عابر، بل انعكاساً مباشراً لشهادات حية ومشاهد إنسانية قاسية نقلها المتحدثون عن واقع الأسرى الفلسطينيين، وما يتعرضون له من تجويع وعزل وإذلال، وانتهاكات متواصلة خلف القضبان.
عدنان حميدان: الأشرطة الحمراء رسالة إلى العالم بأن الوقت ينفد

في كلمته الافتتاحية، أكد منسق حملة الأشرطة الحمراء عدنان حميدان أن الأسرى الفلسطينيين ليسوا مجرد أرقام أو أسماء في سجلات السجون، بل بشر لهم عائلات وأحلام ومستقبل حُرموا منه بسبب الاعتقال.
وأشار إلى أن الفلسطينيين يعيشون بين الجدران والحواجز العسكرية وأبواب السجون الحديدية، موضحاً أن الحملة تستخدم مصطلح “الرهائن الفلسطينيين” للتعبير عن واقع احتجاز آلاف الفلسطينيين، واستخدامهم كوسيلة ضغط على المجتمع الفلسطيني.
ولفت إلى أن المعتقلين يشملون صحفيين وأطباء وطلبة جامعات وأطفالاً ونساءً وعاملين في القطاع الطبي، مؤكداً أن كثيرين منهم يقبعون خلف القضبان دون محاكمة، أو بموجب أوامر اعتقال إداري لا تتضمن اتهامات واضحة، أو سقفاً زمنياً محدداً للاحتجاز.
وأوضح أن حملة الأشرطة الحمراء انطلقت في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بعد الإفراج عن نحو ألفي أسير وبقاء أكثر من تسعة آلاف داخل السجون الإسرائيلية، بهدف إبقاء قضيتهم حية في الوعي العالمي والدفع باتجاه تحرك دولي عاجل، خصوصاً في ظل منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة الأسرى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وختم بالتأكيد أن الشريط الأحمر أصبح رمزاً لالتزام أخلاقي بعدم الصمت حتى نيل الأسرى حقوقهم وحريتهم وكرامتهم.
خالد محاجنة: الأسرى يرسلون رسالة واحدة إلى العالم… “أنقذونا”

وكانت مداخلة المحامي خالد محاجنة الأكثر تأثيراً على المستوى الإنساني، إذ نقل للحضور شهادات مباشرة من داخل السجون الإسرائيلية، مؤكداً أن ما يرويه لا يستند إلى تقارير أو روايات منقولة، بل إلى لقاءات وزيارات مستمرة يجريها مع الأسرى أنفسهم.
وقال إن الحرب على الأسرى الفلسطينيين باتت مساراً مستقلاً وموازياً للحرب على غزة، مشيراً إلى أن العامين الأخيرين شهدا تصعيداً غير مسبوق طال مختلف جوانب الحياة داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز.
وأوضح أن الإجراءات الجديدة شملت تشديد العزل والانتهاكات اليومية والتجويع والحرمان من الحقوق الأساسية، إضافة إلى مشاريع وقوانين تتعلق بإعدام الأسرى الفلسطينيين من الضفة الغربية والقدس، وأخرى تستهدف معتقلي غزة بموجب ما يعرف بقانون “المقاتل غير الشرعي”.
وأكد أن الأسرى يعيشون تحت ضغط نفسي هائل نتيجة الجمع بين ظروف الاحتجاز القاسية والتهديد الدائم بالموت أو الإعدام، وهو ما ينعكس أيضاً على عائلاتهم التي تعيش حالة انتظار وقلق دائمين.
وتوقف محاجنة عند منع الصليب الأحمر والمؤسسات الدولية وعائلات الأسرى من الزيارة منذ أكتوبر 2023، معتبراً أن هذا المنع غيّر واقع السجون بصورة جذرية، وفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات بعيداً عن الرقابة الدولية.
وأضاف أن إسرائيل لا تحتاج عملياً إلى قوانين جديدة للإعدام، لأن كثيراً من الأسرى يواجهون بالفعل خطر الموت اليومي نتيجة الجوع والإهمال الطبي والعنف وظروف الاعتقال القاسية، مشيراً إلى استشهاد عشرات الأسرى داخل السجون منذ اندلاع الحرب على غزة، مع احتمال أن تكون الأعداد الحقيقية أكبر من المعلن.
وفي واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً، روى محاجنة قصة الصحفي الفلسطيني محمد عرب الذي طلب منه خلال إحدى الزيارات أن يصف له ملامح وجهه، لأنه لم ير نفسه في مرآة منذ فترة طويلة جداً، معتبراً أن هذه الحادثة تختصر حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها الأسرى.
كما تحدث عن زيارته الأخيرة للأسير مروان البرغوثي، موضحاً أنه وجده منشغلاً بأوضاع الأسرى الآخرين أكثر من انشغاله بنفسه، رغم سنوات العزل الطويلة التي يعيشها.
وخلص إلى أن الرسالة التي يسمعها باستمرار من الأسرى، رغم اختلاف أماكن احتجازهم وتجاربهم، هي رسالة واحدة ومختصرة: “أنقذونا”.
مصطفى البرغوثي: قوانين الإعدام تكشف بنية الفصل العنصري والنزعة الانتقامية

من جانبه، اعتبر الدكتور مصطفى البرغوثي أن مشاريع القوانين الإسرائيلية الجديدة المتعلقة بإعدام الأسرى الفلسطينيين لا يمكن قراءتها بمعزل عن بنية الفصل العنصري القائمة منذ عقود.
وأوضح أن جوهر نظام الفصل العنصري يتمثل في وجود منظومتين قانونيتين مختلفتين لشعبين يعيشان في الجغرافيا نفسها، مشيراً إلى أن القوانين الجديدة تجعل الفلسطيني وحده عرضة لعقوبة الإعدام حتى إذا ارتكب الفعل ذاته الذي قد يرتكبه شخص آخر لا يخضع لهذه التشريعات.
ورأى أن هذه القوانين تكشف بصورة أكثر وضوحاً الطبيعة التمييزية للنظام القانوني الإسرائيلي، وتعزز ما وصفه بتكريس نظام الفصل العنصري.
كما اعتبر البرغوثي أن التشريعات الجديدة تعكس حالة من النزعة الانتقامية المتصاعدة داخل المجتمع الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من الخطاب السياسي السائد يقوم على الرغبة في الثأر الجماعي من الفلسطينيين.
وحذر من تنامي ما وصفه بالنزعات الفاشية داخل المجتمع الإسرائيلي، معتبراً أن حجم التأييد الواسع لهذه القوانين داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية يعكس تحولاً عميقاً يتجاوز حدود الحكومة إلى قطاعات واسعة من المجتمع.
وتوقف عند شهادات ميدانية تحدثت عن عمليات إعدام ميداني بحق معتقلين فلسطينيين دون محاكمة، مؤكداً أن مثل هذه الوقائع تستدعي تحقيقات دولية مستقلة ومساءلة قانونية.
واعتبر أن السياسات المتعلقة بالأسرى تأتي في إطار أوسع يشمل الحرب على غزة ومحاولات التهجير القسري والتطهير العرقي بحق الفلسطينيين.
طيب علي: ما تقوم به إسرائيل من شرعنة للإعدام سابقة خطيرة في القانون المعاصر

أما رئيس مركز العدالة الدولية للفلسطينيين المحامي طيب علي، فقد ركز على الجوانب القانونية للتشريعات الإسرائيلية الجديدة، معتبراً أنها تمثل سابقة خطيرة في التاريخ القانوني المعاصر.
وقال إن خطورة هذه القوانين لا تكمن فقط في عقوبة الإعدام نفسها، بل في كونها مصممة لاستهداف فئة محددة من السكان على أساس هويتهم القومية، الأمر الذي يجعلها تشريعات تمييزية بطبيعتها.
وأوضح أن النصوص القانونية المطروحة تنشئ مسارين قانونيين منفصلين، أحدهما للفلسطينيين والآخر لليهود في المنطقة ذاتها، بما يؤدي عملياً إلى معاملة قانونية مختلفة على أساس الانتماء القومي.
وأضاف أن القانون المقترح يفرض الإعدام الإلزامي في بعض الحالات، ما يلغي سلطة القاضي التقديرية ويجرد النظام القضائي من أحد أهم ضمانات العدالة.
وأشار إلى أن المحاكم العسكرية التي قد تنظر في هذه القضايا تسجل نسب إدانة مرتفعة للغاية، في حين تسمح بإدخال أدلة وإفادات لا يمكن قبولها في أنظمة قضائية عادية، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول معايير المحاكمة العادلة.
كما انتقد تسريع إجراءات التنفيذ خلال فترة زمنية قصيرة لا تتيح فرصاً كافية للاستئناف أو إعادة النظر القضائية، معتبراً أن ذلك يفرغ الحق في التقاضي من مضمونه.
وحذر من أن التشريعات الجديدة، إلى جانب المحاكمات الجماعية التي يجري الإعداد لها بحق مئات المعتقلين الفلسطينيين، تشكل جزءاً من منظومة قانونية تهدف إلى منح غطاء تشريعي لممارسات تتعارض مع المبادئ الأساسية للعدالة والقانون الدولي.
سيف أبو كشك: محاولة تفكيك القضية الفلسطينية وإسكات الأصوات المتضامنة

في مداخلته، تناول الناشط الفلسطيني والمتحدث باسم أسطول “صمود” سيف أبو كشك البعد السياسي والإعلامي للحرب الجارية، معتبراً أن إسرائيل لا تكتفي باستهداف الفلسطينيين، بل تسعى أيضاً إلى تجريم كل من يحاول كشف حقيقة ما يجري.
وقال إن السلطات الإسرائيلية وحلفاءها يسعون إلى شيطنة النشطاء والمتضامنين عبر اتهامات مختلفة، مشيراً إلى أن ممارسات مشابهة باتت تظهر في عدد من الدول الغربية ضد الناشطين المؤيدين للحقوق الفلسطينية.
ورأى أن أحد أخطر أوجه هذه السياسة يتمثل في محاولة تفكيك القضية الفلسطينية إلى ملفات منفصلة؛ الأسرى، غزة، الاستيطان، اللاجئون، بحيث يتم التعامل مع كل ملف بمعزل عن الجذور التاريخية للصراع.
وأكد أن استمرار التواطؤ السياسي والإعلامي الغربي يمثل عاملاً أساسياً في إطالة أمد المأساة الفلسطينية، معتبراً أن التضامن الشعبي العالمي أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى في مواجهة هذا الواقع.
كما تحدث عن تجربته الشخصية خلال الاعتقال والتحقيق، مشيراً إلى تصاعد مستويات الكراهية والعنصرية التي لمسها بصورة مباشرة، ومؤكداً أن النضال من أجل فلسطين بات مرتبطاً أيضاً بالدفاع عن القيم الإنسانية والحقوق الأساسية في مختلف أنحاء العالم.
كاترينا غراهام: إذا كان هذا يحدث لنا فماذا يحدث للفلسطينيين؟

الناشطة كاترينا غراهام تحدثت بدورها بإسهاب عن تجربتها خلال مشاركتها في أسطول “صمود” لكسر الحصار المفروض على غزة، وروت تفاصيل تعرضها للاعتقال وما رافق ذلك من انتهاكات ومضايقات.
واستعادت المواجهة التي جمعتها بوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وما تعرضت له من اعتداءات على أيدي عناصر الأمن، لكنها شددت على أن ما عاشته يظل محدوداً مقارنة بما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون بصورة يومية.
وقالت إن حملها لجواز سفر أوروبي وكونها ناشطة حقوقية لم يمنعا تعرضها لسوء المعاملة، متسائلة: إذا كان هذا ما يحدث لنا نحن، فكيف تبدو معاناة الفلسطينيين الذين يواجهون هذه المنظومة بشكل دائم؟
جيريمي كوربن يؤكد دعمه للأسرى الفلسطينيين

وشارك النائب المستقل جيريمي كوربن في الفعالية، معربًا عن تضامنه مع الأسرى الفلسطينيين، وداعيًا إلى تكثيف الرقابة الدولية على أوضاعهم داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية.
وعكست مشاركته تنامي القلق داخل أوساط من الطبقة السياسية والمجتمع المدني في بريطانيا إزاء التقارير التي تتحدث عن انتهاكات يتعرض لها المعتقلون الفلسطينيون، واستمرار حرمانهم من حقوقهم الأساسية.
تفاعل واسع ورسالة واحدة

أدار الندوة الإعلامية والناشطة ماتيلدا مالينسون، المعروفة بعملها في منصة “ميدل إيست آي” ومشاركتها في مبادرات كسر الحصار عن غزة، وشهدت الفعالية تفاعلاً واسعاً من الحضور الذين تابعوا باهتمام شهادات المتحدثين وأسئلتهم.
وبينما تنوّعت المداخلات بين القانون والسياسة والشهادات الإنسانية والتجارب الميدانية، بدت الرسالة المشتركة التي خرجت بها الندوة واضحة ومباشرة: الحرب على الأسرى الفلسطينيين مستمرّة وبأفظع الأشكال والطّرق، وأنّ الدفاع عن حقوقهم بات اختباراً حقيقيّاً لمدى التزام العالم بقيم العدالة وحقوق الإنسان.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇