ملفات إبستين تهدد تحقيق ماندلسون.. لماذا تنتظر شرطة لندن أدلة أمريكية؟
يواجه التحقيق الجنائي مع بيتر ماندلسون خطر التعثر بسبب عدم حصول شرطة العاصمة حتى الآن على نسخ غير منقحة من ملفات جيفري إبستين الموجودة لدى السلطات الأمريكية، والتي يُعتقد أنها قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الوزير البريطاني السابق قد مرر معلومات حكومية سرية وحساسة للأسواق إلى الممول الأمريكي الراحل.
وبحسب تقارير نشرتها صحف بريطانية السبت 22 أغسطس/آب، لم تحصل شرطة العاصمة حتى الآن على الوثائق التي طلبتها من وزارة العدل الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، رغم أن التحقيق مع ماندلسون مستمر منذ أشهر.
وكان ماندلسون قد اعتُقل في 23 فبراير/شباط للاشتباه في ارتكاب جريمة سوء السلوك في منصب عام، وفتشت الشرطة ممتلكات مرتبطة به، قبل الإفراج عنه مع استمرار التحقيق.
وجاء اعتقاله بعد أشهر من تحول علاقته بإبستين وملابسات تعيينه سفيرًا في واشنطن إلى واحدة من أكثر القضايا إحراجًا لحكومة كير ستارمر في مرحلتها الأخيرة، بعدما أثارت القضية تساؤلات بشأن قرار رئيس الوزراء تعيين ماندلسون رغم التحذيرات المتعلقة بسمعته وعلاقاته، وأسهمت في تعميق الأزمات السياسية التي واجهت الحكومة قبل رحيل ستارمر. وينفي ماندلسون ارتكاب أي مخالفة.
لماذا تحتاج الشرطة إلى ملفات إبستين؟

تدور القضية حول مزاعم بأن ماندلسون، عندما كان وزيرًا للأعمال في الحكومة البريطانية، نقل معلومات حساسة إلى إبستين، في وقت كانت فيه الحكومة تتعامل مع تداعيات الأزمة المالية العالمية.
وجاء جانب مهم من هذه المزاعم من الوثائق والمراسلات التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية ضمن ملايين الصفحات المرتبطة بإبستين.
لكن أجزاء من الملفات المنشورة حُجبت، ما يعني أن الشرطة البريطانية لا تملك حتى الآن النسخ الكاملة من بعض المواد التي قد تحتاج إليها في التحقيق.
وتسعى شرطة العاصمة إلى الحصول على النسخ غير المنقحة من الوثائق، بما يسمح للمحققين بفحص المراسلات كاملة وتحديد سياقها ومصدرها قبل اتخاذ أي قرار بشأن توجيه اتهامات.
وكان مفوض شرطة العاصمة مارك رولي قد تحدث في مارس/آذار عن أهمية حصول المحققين البريطانيين على المواد غير المنقحة والأصلية الموجودة في الولايات المتحدة إذا وصلت التحقيقات المرتبطة بملفات إبستين إلى مرحلة المحاكمة.
الشرطة طلبت الملفات.. لكنها لم تحصل عليها
بدأت شرطة العاصمة محاولة الحصول على المواد عبر ترتيبات غير رسمية لتبادل المعلومات بين أجهزة إنفاذ القانون البريطانية والأمريكية.
وبعد عدم حصولها على الوثائق المطلوبة، صعّدت الشرطة الطلب إلى مسار رسمي للمساعدة القانونية المتبادلة (Mutual Legal Assistance)، وهي الآلية المستخدمة للحصول على أدلة من دولة أخرى لأغراض التحقيقات والإجراءات الجنائية.
لكن هذا المسار قد يستغرق وقتًا طويلًا، ولا توجد حتى الآن ضمانات بأن تحصل الشرطة البريطانية على جميع المواد التي تريدها.
وتشير التقارير إلى أن التأخير أثار مخاوف داخل التحقيق من أن يصبح بناء قضية جنائية قوية ضد ماندلسون أكثر صعوبة إذا ظلت الملفات الكاملة في الولايات المتحدة.
وفي المقابل، أفاد تقرير للإندبندنت بأن مسؤولين أمريكيين يقولون إنهم لم يرفضوا تقديم المساعدة، وإن التعامل مع الطلب يجري عبر الإجراءات القانونية المعمول بها.
لماذا قد يتعثر التحقيق من دون الوثائق؟
تُعد جريمة سوء السلوك في منصب عام من الجرائم التي يمكن أن يكون إثباتها معقدًا، ولا يكفي بالضرورة إثبات وجود علاقة بين مسؤول حكومي وشخص من خارج الحكومة.
وفي حالة ماندلسون، سيكون على المحققين تحديد طبيعة المعلومات التي يُزعم أنه نقلها، وما إذا كانت سرية أو حساسة، والظروف التي نُقلت فيها، وما إذا كان ذلك يرقى إلى مستوى السلوك الجنائي.
وقد يستطيع المحققون بناء أجزاء من القضية من خلال مقابلة مسؤولين وسياسيين عملوا مع ماندلسون داخل الحكومة، لكن التقارير تشير إلى أن الوثائق الأمريكية غير المنقحة تُعد مهمة لإقامة سلسلة أدلة أكثر اكتمالًا.
ومن دونها، يمكن لفريق الدفاع أن يجادل بأن الرسائل أو الوثائق المنشورة لا تقدم السياق الكامل لما حدث.
ولهذا ذهبت بعض التقارير البريطانية إلى القول إن التحقيق قد يكون معرضًا للانهيار، لكن ذلك لا يعني أن الشرطة أغلقت القضية أو قررت عدم توجيه اتهامات.
من سفير بريطانيا في واشنطن إلى تحقيق جنائي
يمثل التطور فصلًا جديدًا في السقوط السياسي الحاد لماندلسون، أحد أبرز شخصيات حزب العمال خلال العقود الماضية.
وكانت علاقته بإبستين قد عادت إلى الواجهة بقوة بعد نشر مزيد من المراسلات والوثائق، قبل أن تؤدي التداعيات السياسية إلى خروجه من منصبه سفيرًا للمملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة.
وفي فبراير/شباط، وبعد ظهور دفعة جديدة من ملفات إبستين، فتحت شرطة العاصمة تحقيقًا جنائيًا بشأن مزاعم تسريب معلومات حكومية، ثم اعتُقل ماندلسون في وقت لاحق من الشهر.
كما استقال من مجلس اللوردات، بينما ظل ينفي ارتكاب أي مخالفة، وقال سابقًا إنه يأسف لعلاقته بإبستين.
هل يمكن أن تنتهي القضية بسبب ملفات موجودة في أمريكا؟

هذا هو السؤال الذي يجعل التطور الجديد مهمًا.
فالشرطة البريطانية لم تصل، بحسب التقارير، إلى نتيجة تبرئ ماندلسون، كما لم توجه إليه اتهامًا جنائيًا حتى الآن. المشكلة أن جزءًا من الأدلة التي تعتقد أنها قد تحتاج إليها لاتخاذ هذه الخطوة موجود تحت سيطرة دولة أخرى.
وبذلك أصبح مستقبل أحد أكثر التحقيقات السياسية حساسية في البلاد مرتبطًا جزئيًا بمدى تعاون السلطات الأمريكية، وبالسرعة التي يمكن أن تتحرك بها إجراءات تبادل الأدلة بين البلدين.
وإذا حصلت شرطة العاصمة على الملفات الكاملة، يمكن أن تساعدها في تحديد ما إذا كانت الأدلة تبرر إحالة القضية إلى الادعاء. أما إذا ظلت الوثائق محجوبة أو تأخر الحصول عليها طويلًا، فقد يصبح السؤال مختلفًا: هل تستطيع الشرطة بناء قضية ضد ماندلسون من دون أهم الأدلة الموجودة على الجانب الآخر من الأطلسي؟
الرابط المختصر هنا ⬇