العرب في بريطانيا | معاقل حزب العمال.. هل يبدأ بيرنهام استعادتها من...

هل يستعيد العمال معاقله التي خسرها؟ بارنسلي تختبر تأثير بيرنهام

هل يستعيد العمال معاقله التي خسرها؟ بارنسلي تختبر تأثير بيرنهام
محمد سعد أغسطس 16, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

بعد نحو مئة يوم فقط من واحدة من أسوأ الهزائم التي تعرض لها حزب العمال في معاقله التقليدية، تعود الأنظار إلى بارنسلي في جنوب يوركشاير، حيث يستعد الناخبون لاختبار سياسي صغير في حجمه، لكنه قد يحمل دلالة أكبر بكثير على قدرة رئيس الوزراء آندي بيرنهام على استعادة الناخبين الذين انتقلوا إلى حزب ريفورم (الإصلاح).

فبارنسلي ليست القصة في حد ذاتها بقدر ما هي اختبار لقصة سياسية أوسع: هل كان انهيار العمال في عدد من معاقله التقليدية تحولًا طويل الأمد في ولاءات الناخبين، أم يستطيع تغيير القيادة وإعادة تقديم الحزب تحت بيرنهام أن يعيدا جزءًا من الأصوات التي خسرها؟

ففي الانتخابات المحلية التي جرت في مايو/أيار الماضي، فقد العمال السيطرة على مجلس بارنسلي للمرة الأولى منذ تأسيسه عام 1974، بعدما حقق حزب ريفورم اليميني فوزًا كاسحًا حصل بموجبه على 42 مقعدًا، مقابل 11 فقط للعمال، في نتيجة عكست حجم الغضب من الحزب الحاكم داخل منطقة ارتبطت تاريخيًا بالعمال والحركة النقابية ومجتمعات التعدين.

لكن المشهد السياسي تغير سريعًا منذ ذلك الحين. استقال كير ستارمر، وتولى بيرنهام قيادة حزب العمال ورئاسة الحكومة، بينما بدأ الحزب يستعيد بعض زخمه في استطلاعات الرأي. ويشير أحدث استطلاع لـYouGov إلى حصول العمال على 24 في المئة، مقابل 22 في المئة لحزب ريفورم و21 في المئة للمحافظين، وهي أعلى نسبة يسجلها العمال في استطلاعات المؤسسة منذ يوليو/تموز 2025.

والسؤال الذي تحاول بارنسلي الإجابة عنه الآن هو: هل يمكن أن ينتقل هذا التحسن الوطني إلى الأماكن التي عاقبت العمال بالفعل في صناديق الاقتراع؟

من معقل عمالي إلى مجلس يسيطر عليه ريفورم

لا توجد أماكن كثيرة تختصر أزمة العمال مع ناخبيه التقليديين مثل بارنسلي.

فالحزب كان يدير المجلس المحلي منذ إنشائه قبل أكثر من نصف قرن، لكنه دخل انتخابات مايو/أيار وسط تراجع الثقة في الحكومة واستياء من مستوى الخدمات والاقتصاد والهجرة، وشعور لدى بعض الناخبين بأن العمال أصبح بعيدًا عن المجتمعات التي اعتمد عليها تاريخيًا.

وكانت النتيجة قاسية: من أصل 63 مقعدًا في المجلس، حصل ريفورم على 42، والعمال على 11، والديمقراطيون الأحرار على ثمانية، بينما ذهب مقعدان إلى مستقلين. وبلغت نسبة المشاركة نحو 37.25 في المئة.

ووصف جيمس هيغينبوتوم، الذي أصبح زعيم مجموعة العمال المعارضة في المجلس، حجم خسارة الحزب بأنه تجاوز حتى أسوأ توقعاته.

وفي تقرير ميداني نشرته صحيفة الغارديان من بارنسلي، قال بعض الناخبين الذين صوتوا للعمال طوال حياتهم إنهم انتقلوا إلى ريفورم في مايو/أيار بسبب شعورهم بأن الحزب اعتاد على أصوات المنطقة ولم يعد مضطرًا إلى القتال من أجلها.

«لنرَ ماذا يستطيع أن يفعل»

لكن التقرير نفسه رصد مؤشرات مبكرة على أن وصول بيرنهام إلى داونينغ ستريت قد يدفع بعض هؤلاء الناخبين إلى إعادة التفكير.

ولا يعني ذلك أن موجة عودة واسعة إلى العمال قد بدأت بالفعل. بعض من تحدثت إليهم الصحيفة ما زالوا مقتنعين بقرار التصويت للإصلاح، بينما يقول آخرون إنهم مستعدون على الأقل لمنح بيرنهام فرصة قبل تحديد موقفهم في الانتخابات المقبلة.

وهنا تكمن أهمية شخصية رئيس الوزراء الجديد بالنسبة إلى استراتيجية العمال.

فبيرنهام بنى جزءًا كبيرًا من صورته السياسية على تقديم نفسه باعتباره سياسيًا من شمال إنجلترا قادرًا على الحديث مع الناخبين الذين يشعرون بأن وستمنستر بعيدة عن حياتهم اليومية، وهو الرهان الذي يأمل العمال أن يساعده في استعادة مناطق خسرها الحزب لمصلحة ريفورم.

وعلى المستوى الوطني، توجد بالفعل إشارات مشجعة للحزب. فقد أظهر استطلاع YouGov في 9 و10 أغسطس/آب تقدم العمال بنقطتين على ريفورم، بينما يشير متتبع استطلاعات Financial Times إلى أن العمال استعادوا صدارة متوسط الاستطلاعات للمرة الأولى منذ أكثر من عام.

لكن استطلاعات الرأي الوطنية شيء، وإقناع ناخب تخلى بالفعل عن الحزب بالعودة إليه شيء آخر.

اختبار انتخابي بعد أيام

وسيكون أول اختبار ملموس لهذا السؤال في Penistone East، إحدى دوائر مجلس بارنسلي، حيث تُجرى انتخابات فرعية يوم الخميس 20 أغسطس/آب لاختيار عضو جديد في المجلس.

وجاءت الانتخابات بعد استقالة عضوة حزب ريفورم كاي هيوز، التي كانت قد فازت بالمقعد في مايو/أيار ثم تنحت لأسباب شخصية بعد فترة قصيرة من انتخابها.

والدائرة مثيرة للاهتمام تحديدًا لأنها ليست منطقة اكتسح فيها ريفورم العمال بالكامل.

ففي انتخابات مايو/أيار، انتخبت Penistone East ثلاثة أعضاء: اثنين من العمال وواحدًا من ريفورم. وحصل العمال إجمالًا على نحو 38 في المئة من الأصوات في الدائرة مقابل نحو 34 في المئة للإصلاح، ما يجعل المقعد الذي يدافع عنه ريفورم قابلًا للمنافسة بقوة.

ويتنافس ثمانية مرشحين في الانتخابات الفرعية المقبلة.

لماذا تهم انتخابات مجلس محلي واحدة؟

في الظروف العادية، قد لا تستقطب انتخابات فرعية على مقعد واحد في مجلس محلي اهتمامًا وطنيًا كبيرًا.

لكن توقيتها يمنحها وزنًا مختلفًا، ليس لأن مقعدًا واحدًا في بارنسلي سيحدد اتجاه السياسة البريطانية، وإنما لأن المنطقة توفر مقياسًا مبكرًا لشيء يبحث عنه العمال في مناطق كثيرة أخرى: هل بدأ الناخب الذي ترك الحزب لمصلحة ريفورم يفكر في العودة؟

فقد مرت ثلاثة أشهر فقط على سقوط بارنسلي في يد ريفورم، وبضعة أسابيع على انتقال قيادة البلاد من ستارمر إلى بيرنهام. وإذا تمكن العمال من انتزاع المقعد الذي يشغله ريفورم، فسيتمكن الحزب من تقديم النتيجة باعتبارها أول دليل انتخابي على أن التحول في استطلاعات الرأي بدأ يظهر على الأرض، وربما مؤشرًا أوليًا على إمكانية استعادة بعض معاقله السابقة.

ويقول مسؤولو العمال المحليون إنهم تحدثوا بالفعل إلى أكثر من ألف ناخب في الدائرة، وإن بعض من رفضوا الحزب في مايو/أيار أصبحوا أكثر استعدادًا للاستماع إليه الآن. ويعتقد الحزب أنه يملك فرصة حقيقية للفوز بالمقعد.

لكن خسارة ريفورم للمقعد لن تعني تلقائيًا انقلاب المزاج في «الجدار الأحمر».

فالمشاركة في الانتخابات المحلية الفرعية عادة محدودة، كما أن Penistone East كانت أصلًا أكثر تنافسية من مناطق أخرى في بارنسلي، وحصل العمال فيها على أصوات أكثر من ريفورم حتى في مايو/أيار. لذلك سيكون من المبالغة التعامل مع نتيجة واحدة باعتبارها حكمًا نهائيًا على الاتجاه السياسي في شمال إنجلترا.

هل المشكلة كانت ستارمر أم العمال أنفسهم؟

وهذه ربما تكون المسألة الأهم التي تتجاوز انتخابات الخميس.

إذا عاد جزء من الناخبين إلى العمال بعد تغيير الزعيم، فسيعزز ذلك حجة داخل الحزب تقول إن المشكلة الأساسية كانت قيادة ستارمر وصعوبة تواصله مع الناخبين، وليس انهيار الارتباط التاريخي بين العمال ومجتمعات الطبقة العاملة.

أما إذا استمر ريفورم في تحقيق نتائج قوية حتى في ظل ارتفاع شعبية بيرنهام، فسيشير ذلك إلى أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد تغيير الشخص الموجود في داونينغ ستريت.

وتظهر استطلاعات YouGov أن بيرنهام نفسه يتمتع بموقع شخصي أقوى من منافسه نايجل فاراج؛ ففي مواجهة مباشرة بشأن من سيكون رئيس الوزراء الأفضل، اختار 48 في المئة بيرنهام مقابل 22 في المئة لفاراج.

لكن الانتخابات لا تُحسم فقط بشعبية الزعيم. فالناخبون الذين تحدثت إليهم الغارديان في بارنسلي ركزوا أيضًا على مسائل يومية مباشرة، من إصلاح الطرق والحفر إلى الخدمات المحلية والشعور بأن السياسيين لا يستمعون إليهم.

ولهذا لا تكمن أهمية Penistone East في المقعد وحده. بارنسلي هنا عينة من سؤال أكبر يمتد إلى معاقل عمالية سابقة في شمال إنجلترا وأماكن أخرى خسر فيها الحزب ناخبيه: هل يستطيع بيرنهام تحويل تحسن صورته واستطلاعات حزبه إلى استعادة فعلية للأصوات، أم أن انتقال هؤلاء الناخبين إلى ريفورم يعكس شرخًا أعمق لن يصلحه تغيير القيادة وحده؟

نتيجة الخميس لن تقدم جوابًا نهائيًا، لكنها ستمنح العمال أول إشارة من صناديق الاقتراع إلى ما إذا كان الطريق نحو استعادة معاقله قد بدأ بالفعل، أم أن بارنسلي ستظل تذكيرًا بحجم ما خسره الحزب وبمدى صعوبة استعادته.

 

المصدر: الغارديان


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا