العرب في بريطانيا | مستقبل الإعلام البريطاني.. هل تصمد بي بي سي وال...

هل تستطيع بي بي سي والقناة الرابعة الصمود أمام عمالقة البث الأمريكي؟

هل تستطيع بي بي سي والقناة الرابعة الصمود أمام عمالقة البث الأمريكي؟

هل تستطيع بي بي سي والقناة الرابعة الصمود أمام عمالقة البث الأمريكي؟

محمد سعد سبتمبر 19, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لم تعد المنافسة بين القنوات التلفزيونية البريطانية تدور حول مَن ينتج المسلسل الأكثر مشاهدة أو يستحوذ على حقوق بث المباريات الكبرى؛ فالمعركة أصبحت تتعلق بقدرة مؤسسات إعلامية عريقة على الاستمرار في سوق تتجه فيه أموال الإعلانات والمشاهدون نحو منصات عالمية مثل نتفليكس ويوتيوب وأمازون وديزني.

وتواجه بي بي سي والقناة الرابعة وITV ضغوطًا مالية تدفعها إلى تقليص الوظائف وإعادة النظر في نماذج عملها، بينما تتسارع التحولات في صناعة التلفزيون إلى درجة تثير تساؤلات حول مستقبل الإعلام البريطاني نفسه.

وفي تقرير موسع نشرته الغارديان، السبت 19 سبتمبر، تناولت الصحيفة حجم الأزمة التي تواجه مؤسسات البث العام البريطانية، والخيارات المتاحة أمامها للحفاظ على جمهورها وإيراداتها في مواجهة الشركات الأمريكية.

ثلاث مؤسسات وثلاث أزمات مختلفة

تتخذ الأزمة أشكالًا مختلفة داخل المؤسسات الإعلامية الكبرى، لكنها تنبع من تحول اقتصادي واحد: تراجع قدرة التلفزيون التقليدي على تمويل نفسه بالطريقة التي اعتاد عليها لعقود.

فقد أعلنت القناة الرابعة خفض نحو 28 في المئة من قوتها العاملة، في أكبر عملية لتقليص الوظائف في تاريخها، مع تراجع إيرادات الإعلانات التي تعتمد عليها بصورة أساسية.

أما بي بي سي، فتعمل على خطة قد تؤدي إلى إلغاء ما يصل إلى ألفي وظيفة، في إطار مساعيها لتوفير نحو 500 مليون باوند بحلول عام 2028، وسط ضغوط متزايدة على إيرادات رسوم الترخيص التلفزيوني.

وتواجه ITV بدورها تحولًا قد يكون أكثر جذرية؛ إذ تتجه إلى بيع نشاطها في البث التلفزيوني لشركة سكاي مقابل نحو 1.6 مليار باوند، في خطوة تعكس صعوبة استمرار نموذج التلفزيون التجاري التقليدي وسط المنافسة الرقمية.

ولا تعني هذه التطورات أن المؤسسات الثلاث تواجه المصير نفسه، لكنها تكشف أن أيًّا من نماذج التمويل البريطانية الرئيسية لم يعد بمنأى عن الضغوط.

لماذا لم تعد رسوم الترخيص كافية لتمويل بي بي سي؟

تختلف بي بي سي عن منافسيها في أنها تعتمد أساسًا على رسوم الترخيص التلفزيوني، بدلًا من الإعلانات التجارية، لتمويل خدماتها العامة.

لكن هذا النموذج يواجه مشكلة متزايدة مع انتقال المشاهدين من البث المباشر إلى خدمات المشاهدة عند الطلب.

فقد تراجعت القيمة الحقيقية لإيرادات رسوم الترخيص بنسبة 38 في المئة منذ عام 2010، بينما انخفض عدد الأسر التي تدفع الرسوم إلى أدنى مستوى له منذ عام 1999.

وتظهر المشكلة بصورة أوضح عند مقارنة استخدام خدمات المؤسسة بعدد المساهمين في تمويلها؛ إذ يستخدم نحو 94 في المئة من سكان المملكة المتحدة خدمات بي بي سي شهريًا، بينما تدفع رسوم الترخيص أقل من 80 في المئة من الأسر.

وهذا لا يعني بالضرورة أن جميع المستخدمين الآخرين مطالبون قانونيًا بالدفع، لكنه يكشف اتساع الفجوة بين جمهور المؤسسة والقاعدة التي تمولها.

وتفاقمت الضغوط المالية بعدما تراجعت الاحتياطيات النقدية لقطاع الخدمة العامة في بي بي سي من 369 مليون باوند إلى 125 مليونًا خلال عام واحد، وفق بيانات نشرتها الغارديان الجمعة 18 سبتمبر.

ويضع ذلك المؤسسة أمام معادلة صعبة؛ فهي مطالبة بالاستثمار في التكنولوجيا والمحتوى الرقمي لمنافسة المنصات العالمية، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى خفض إنفاقها للحفاظ على استقرارها المالي.

أين تذهب أموال الإعلانات البريطانية؟

لا تواجه القنوات التجارية المشكلة نفسها المتعلقة برسوم الترخيص، لكنها تعاني تحولًا لا يقل خطورة في سوق الإعلانات.

فمع انتقال الجمهور إلى المنصات الرقمية، انتقلت معه الشركات المعلنة، التي أصبحت قادرة على الوصول إلى فئات محددة من المستهلكين عبر يوتيوب ومحركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي.

وبحسب الأرقام الواردة في تقرير الغارديان، يُتوقع أن تستحوذ المنصات الرقمية الأمريكية على نحو 50 مليار دولار من إجمالي إنفاق إعلاني بريطاني يبلغ 74 مليار دولار بحلول عام 2028.

وهذا التحول لا يعني اختفاء الإعلانات التلفزيونية، لكنه يقلص المساحة المالية المتاحة للمؤسسات البريطانية لإنتاج البرامج والأخبار والدراما المحلية.

وتظهر المشكلة بوضوح في القناة الرابعة، التي تعتمد على الإعلانات في تمويل نحو 90 في المئة من إيراداتها، البالغة قرابة مليار باوند.

وكلما انتقلت حصة إضافية من الإنفاق الإعلاني إلى المنصات العالمية، أصبحت القناة أكثر اعتمادًا على خفض التكاليف أو البحث عن مصادر دخل جديدة.

هل يكون التعاون بديلًا من المنافسة؟

بدأت المؤسسات البريطانية بالفعل البحث عن ترتيبات جديدة تسمح لها بتوسيع نطاق عملها دون تحمل جميع التكاليف منفردة.

فقد حصلت القناة الرابعة مؤخرًا على نشاط بيع الإعلانات التلفزيونية لشركة باراماونت في المملكة المتحدة، الذي تتجاوز قيمته 300 مليون باوند، بعد انتقاله من سكاي.

ويتيح الاتفاق جمع مبيعات الإعلانات الخاصة بالقناتين الرابعة والخامسة ضمن ترتيب تجاري واحد، بما يمنحهما قدرة أكبر على الوصول إلى المعلنين.

وفي المقابل، طرحت بي بي سي تصورًا لفتح منصة iPlayer أمام محتوى مؤسسات بريطانية أخرى، بما فيها ITV والقناة الرابعة، بدلًا من استمرار كل مؤسسة في محاولة بناء منصتها الخاصة لمنافسة الشركات العالمية.

وقد يسمح هذا النموذج بجمع المحتوى البريطاني في وجهة رقمية واحدة، مع الاحتفاظ بآليات التمويل المختلفة، مثل الإعلانات والاشتراكات للمحتوى التجاري، واستمرار تقديم محتوى الخدمة العامة لبي بي سي دون إعلانات.

لكن هذه المقترحات لا تزال بحاجة إلى ترتيبات تجارية وتنظيمية، ولا تمثل حتى الآن حلًا محسومًا لأزمة التمويل.

ماذا يخسر المشاهد إذا تراجعت المؤسسات البريطانية؟

لا تقتصر أهمية هذه الأزمة على مستقبل الوظائف أو أرباح شركات الإعلام.

فمؤسسات البث العام البريطانية مطالبة بتقديم خدمات لا توفرها جميع المنصات التجارية العالمية بالقدر نفسه، مثل الأخبار المحلية والتغطية الإقليمية والبرامج التعليمية ومحتوى الأطفال والإنتاج الذي يعكس الحياة داخل المملكة المتحدة.

وتختلف هذه الوظائف عن المنطق التجاري الذي يحكم المنصات العالمية، إذ يرتبط الاستثمار في المحتوى إلى حد كبير بقدرته على جذب المشتركين أو تحقيق عوائد إعلانية عبر أسواق متعددة.

ولا يعني ذلك أن الشركات الأمريكية لا تنتج محتوى بريطانيًا أو لا تستثمر في صناعة التلفزيون المحلية؛ بل إن بعضها أصبح من كبار ممولي الإنتاج داخل المملكة المتحدة.

لكن الاستثمار في مسلسل قادر على جذب جمهور عالمي ليس بالضرورة بديلًا من تمويل الأخبار المحلية أو التغطيات البرلمانية أو البرامج التي تخدم جمهورًا محدودًا داخل منطقة بريطانية بعينها.

ومن هنا تتجاوز القضية المنافسة بين شركات الإعلام إلى سؤال يتعلق بنوع المحتوى الذي سيظل متاحًا للجمهور إذا أصبح السوق وحده هو المحدد الرئيسي لما يُنتج ويُعرض.

مستقبل الإعلام البريطاني أمام الحكومة

تأتي هذه التحولات في وقت تخوض فيه بي بي سي نقاشًا مع الحكومة بشأن تجديد ميثاقها الملكي، الذي يحدد دورها وطريقة إدارتها وتمويلها.

وتتضمن الخيارات المطروحة إصلاح نظام رسوم الترخيص، وتوسيع التعاون بين مؤسسات البث العام، وتطوير حضورها على المنصات الرقمية.

كما طرحت الحكومة مقترحات لتعزيز ظهور محتوى المؤسسات الإعلامية البريطانية على منصات مثل يوتيوب وتيك توك، في محاولة لضمان استمرار وصول الجمهور إلى الأخبار والمحتوى ذي الطابع العام.

غير أن هذه المقترحات تثير بدورها أسئلة حول المنافسة العادلة ومدى تدخل الدولة في تحديد المحتوى الذي يحظى بأولوية الظهور على المنصات الرقمية.

وفي المحصلة، لا تبدو الأزمة مجرد انتقال للمشاهدين من شاشة التلفزيون إلى الهاتف المحمول؛ إنها انتقال في موازين القوة الاقتصادية داخل صناعة الإعلام.

فبينما تملك المنصات الأمريكية القدرة على توزيع تكاليف الإنتاج والتكنولوجيا على جمهور عالمي، تظل المؤسسات البريطانية مطالبة بالحفاظ على خدمات محلية ووطنية واسعة، بموارد مالية تتعرض لضغوط متزايدة.

المصدر: الغارديان


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا