العرب في بريطانيا | تحليل: هل بدأت مرحلة ما بعد ستارمر.. أم عودة ال...

تحليل: هل بدأت مرحلة ما بعد ستارمر.. أم عودة البليرية من الباب الخلفي؟

تحليل: هل بدأت مرحلة ما بعد ستارمر.. أم عودة البليرية من الباب الخلفي؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

رئيس بلدية لم يعد بعد إلى مجلس العموم يتصرف وكأنه يشكل الحكومة البريطانية المقبلة.

ووزراء حاليون أو سابقون تتردد أسماؤهم في حقائب لم تصبح شاغرة بعد. ومستشارون قدامى يُستدعون مجددًا إلى قلب السلطة.

وصحف تناقش شكل الحكومة التالية أكثر مما تناقش الحكومة الحالية. كل ذلك، بينما لا يزال كير ستارمر رئيسًا للوزراء.

الكل يظهر كما لو كان يقف على جثة حكومة لا تزال في الحكم.

المفارقة هنا لا تتعلق فقط بضعف سياسي عابر، بل بسؤال أكثر إثارة: متى تبدأ مرحلة ما بعد القادة؟ وهل تنتهي السلطة فعليًا قبل أن تنتهي رسميًا؟

ففي بريطانيا اليوم، يبدو أن كثيرين بدأوا يتصرفون وكأن عهد ستارمر يقترب من نهايته، رغم أنه لا يزال في داونينغ ستريت.

حين يفقد القادة سلطة المستقبل

House of Commons recalled on Saturday 12 April - UK Parliament
البرلمان الانجليزي- مجلس العموم.

في الأنظمة البرلمانية، لا ترتبط السلطة فقط بالقدرة على إصدار القرارات أو الفوز بالتصويت داخل مجلس العموم.

بل بالقدرة على جعل الآخرين يعتقدون أنك ستكون موجودًا غدًا. ولهذا لا يبدأ سقوط القادة عادة مع الانتخابات، بل قبلها. يبدأ حين يتوقف الوزراء عن الاستثمار في بقائهم السياسي إلى جانب رئيس الحكومة. وحين يبدأ النواب في البحث عن تموضع جديد. وحين تتحول أحاديث الكواليس من الدفاع عن الحكومة إلى التفكير في شكل الحكومة التالية.

فأندي بورنام لم يستعد بعد مقعده البرلماني في ميكرفيلد، لكنه بدأ بالفعل التواصل مع شخصيات مرشحة لتولي مناصب وزارية. وتتحدث بعض الصحف عن دور محتمل لإد ميليباند في وزارة الخزانة، فيما عاد مورغان ماكسويني، أحد أبرز مهندسي صعود ستارمر، إلى دائرة المشورة السياسية المحيطة برئيس الوزراء في محاولة لاحتواء أخطر تهديد داخلي يواجهه منذ وصوله إلى السلطة.

قد لا يعني ذلك أن ستارمر انتهى سياسيًا، فحرب أهلية بلا دماء يستعد لها الأطراف داخل حزب العمال الحاكم ستحسم ذلك، لكنه يعني أن الجميع بدأ يستعد لاحتمال هزيمة ستارمر في هذه الحرب، أو هكذا تشير أغلب الاحتمالات.

مفارقة اسمها “أندي بورنام”

Andy Burnham Launches His Campaign To Become Mayor Of Manchester
أندي بورنام أثناء حملته لعمودية مانشيستر. (غيتي إيمدج).

لكن ربما تكون المفارقة الأكثر إثارة في كل هذا هي شخصية الرجل الذي يجري الحديث عنه بوصفه وريثًا محتملًا لستارمر.

فبورنام، عمدة مانشستر الكبرى، لم يقدم نفسه يومًا باعتباره نسخة جديدة من توني بلير، بل على العكس.

كان يُنظر إليه باعتباره أكثر قربًا من قواعد الحزب، وأكثر حساسية تجاه العدالة الاجتماعية، وأقل انجذابًا إلى الوصفات البليرية التقليدية التي أعادت تشكيل حزب العمال في تسعينيات القرن الماضي.

لكن الاقتراب من السلطة يغير الأشياء ويغير العقول أيضًا.

فالرجل الذي صعد جزئيًا عبر انتقاد إرث بلير، يتحدث اليوم عن ضرورة إصلاح نظام الرفاه بدل التوسع فيه، وعدم “التحرج” من خفض بعض أوجه الإنفاق إذا كان ذلك ضروريًا لتعزيز الدفاع، وطمأنة الأسواق، والاستماع إلى تحذيرات المؤسسة الأمنية بشأن عالم يزداد خطورة.

وهي كلها مفردات تبدو مألوفة لأي قارئ لمرحلة بلير، وهنا تبرز المفارقة.

هل يستطيع حزب العمال الهروب من البليرية؟

بعد ربع قرن من وصول توني بلير إلى داونينغ ستريت، لا يزال حزب العمال يحاول الهروب من البليرية كلما جلس على مقاعد المعارضة.

ثم يعود إليها، بدرجات متفاوتة، كلما اقترب من الحكم.

ففي المعارضة، تبدو الوعود أكثر جرأة، والنبرة أكثر راديكالية، والمسافة مع إرث بلير أكبر.

لكن عندما تقترب السلطة، تعود الأسئلة القديمة نفسها:

كيف تطمئن الأسواق؟

كيف تمول الدفاع؟

كيف تحافظ على دولة الرفاه دون أن تفقد مصداقيتك الاقتصادية؟

وكيف تقنع الناخب المتردد بأنك حزب يمكنه إدارة الدولة لا مجرد الحلم بتغييرها؟

وهكذا لا تبدو البليرية مجرد تيار سياسي داخل حزب العمال بقدر ما تبدو نقطة الجاذبية التي تعيد تشكيله كلما اقترب من الحكم.

أكثر من أزمة قيادة

BRITAIN-POLITICS-LABOUR

قد ينجح ستارمر في تجاوز هذه اللحظة.

وقد يفشل بورنام أصلًا في ترجمة الضجيج المحيط باسمه إلى مشروع سياسي متماسك.

لكن ما تكشفه تغطية اليوم يتجاوز مصير الرجلين.

فالسؤال لم يعد فقط ما إذا كانت مرحلة ما بعد ستارمر قد بدأت بالفعل. بل ما إذا كان حزب العمال قادرًا أصلًا على تخيل طريق مختلف إلى السلطة.

وربما يكون اللافت في مشهد بورنام اليوم أنه كلما اقترب من السلطة، بدا أقل تمردًا على إرث توني بلير وأكثر اقترابًا منه.

فبعد ربع قرن من وصول بلير إلى داونينغ ستريت، لا يزال حزب العمال يحاول الهروب من البليرية في المعارضة، ثم يعود إليها كلما اقترب من الحكم.

وكأن السؤال الذي يواجه الحزب لم يعد من سيخلف كير ستارمر، بل ما إذا كان قادرًا أصلًا على تخيل طريق آخر إلى السلطة.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا