لماذا قد يجعلنا الطقس نشعر بالغضب أو القلق؟ 4 طرق للشعور بالهدوء عندما يشتد الحر
تترقب بريطانيا موجة الحر الأولى هذا العام، وسط توقعات بارتفاع درجات الحرارة لتلامس منتصف الثلاثينيات، وهو ما قد يبدد الحماس المعتاد لاستقبال أشعة الشمس بفعل مخاوف خفية تتجاوز مجرد الشعور بالإرهاق والانزعاج الجسدي.
وبات من الواضح علميًا أن فترات الحر الشديد والملتهب تؤثر بشكل متزايد وعميق على صحتنا النفسية والعقلية ومزاجنا العام.
وللوقوف على الأبعاد النفسية للارتفاع المستمر في درجات الحرارة واستكشاف استراتيجيات فعالة للحفاظ على التوازن النفسي، التقت صحيفة “إندبندنت” بالدكتور “رافي جيل”، وهو طبيب نفساني ممارس؛ ليشرح مسببات هذا التوتر ويقدم حلولاً عملية لمواجهته.
كيف تؤثر موجات الحر على نظامنا العصبي ومزاجنا؟

تؤدي التغيرات الفسيولوجية التي تطرأ على الجسم والدماغ بفعل الحرارة الشديدة إلى التأثير مباشرة على الحالة المزاجية خلال موجات الحر.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور رافي جيل قائلاً: “تتسبب الحرارة المرتفعة في إحداث اضطراب بنظم النواقل العصبية (مثل السيروتونين)، كما تعرقل القدرة على النوم الطبيعي، وترفع مستويات هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، وهي الهرمونات الأساسية المسؤولة عن تنظيم المزاج والتحكم بالانفعالات والاندفاعات”.
ويضيف الطبيب النفسي أن الانزعاج الجسدي المستمر واضطراب النوم جراء موجات الحر يسهمان في تفاقم عدم الاستقرار المزاجي، أو إثارة نوبات حادة من القلق، أو زيادة حدة الانفعال وسرعة الغضب.
وتابع جيل: “إن الانزعاج المستمر والتوتر البيئي يضغطان على المرونة العاطفية للإنسان، ما يجعل المثيرات البسيطة والتافهة تبدو ساحقة ولا تطاق. كما يمكن لموجات الحر أن تصعد التوترات الاجتماعية والنزاعات -سواء داخل المنازل، أو في ازدحام حركة المرور، أو في الأماكن العامة- ما يحول المحفزات الصغيرة إلى مشاجرات وخلافات”.
الفئات الأكثر عرضة للخطر وأثر الأدوية النفسية

تشير الأبحاث الطبية أيضًا إلى أن الأشخاص الذين يعانون من ظروف صحية نفسية مسبقة يكونون أكثر هشاشة وعرضة للخطر خلال موجات الحر.
ويلفت الدكتور جيل إلى أن “الاضطرابات النفسية مثل القلق، أو الاكتئاب، أو الاضطراب الثنائي القطب، أو انفصام الشخصية، قد تجعل من الصعب على المريض إدراك العلامات المبكرة للإجهاد الحراري أو اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة.
إضافة إلى ذلك، فإن بعض الأدوية النفسية (مثل مضادات الذهان، وبعض مضادات الاكتئاب “antidepressants”، ومثبتات المزاج) تقلل من قدرة الجسم الطبيعية على إفراز العرق أو تنظيم درجة حرارته، ما يرفع لديهم مخاطر الإصابة بالإجهاد الحراري أو ضربات الشمس الحارقة”.
معركة النوم الليلية.. كيف يدمر الحر عواطفنا؟

تشكل درجات الحرارة المرتفعة ليلاً عائقاً كبيراً أمام الجسم لخفض درجة حرارته الأساسية، وهو أمر ضروري جداً للدخول في مرحلة النوم العميق والمستقر والاستمرار فيه.
ويوضح الدكتور جيل: “يستيقظ الناس باستمرار أثناء الليل، لا سيما خلال مرحلة (نوم حركة العين السريعة – REM)، وهي المرحلة الحيوية والضرورية للغاية لمعالجة العواطف وترسيخ الذاكرة، ما يؤدي إلى خفض جودة الراحة الإجمالية للجسم”.
هذا الحرمان من النوم المريح يترك أثرًا بليغًا على قدرتنا على ضبط المشاعر، حيث يشرح جيل قائلاً: “قلة النوم تضعف من نشاط قشرة الفص الجبهي في الدماغ (المسؤولة عن التحكم بالانفعالات) وتزيد من تفاعل اللوزة الدماغية (المرتبطة بمشاعر الخوف والغضب والقلق)، وهذا التباين يجعلنا أكثر تقلبًا من الناحية العاطفية.
كما أن نقص نوم حركة العين السريعة يضاعف استجابات التوتر ويقلل من مرونتنا في مواجهة خيبات الأمل اليومية المعتادة. فضلًا عن ذلك، فإن الحرمان من النوم يضعف الانتباه، والذاكرة العاملة، وقدرات اتخاذ القرار، وحل المشكلات، ما يؤدي بالتبعية إلى زيادة الإرهاق الذهني”.
كيف تتأثر الوظائف الإدراكية بالحر والجفاف؟

لا تتوقف أضرار الحرارة عند المشاعر والنوم، بل تمتد لتصيب الوظائف الإدراكية الأساسية مثل الذاكرة، والتركيز، واتخاذ القرارات.
ويشير الدكتور جيل إلى أن الأسباب وراء ذلك تدمج بين تأثيرات الدماغ المباشرة والعوامل الثانوية مثل الجفاف واضطراب النوم؛ فالحرارة المرتفعة تتسبب في تمدد الأوعية الدموية وتحويل تدفق الدم نحو الجلد لغرض تبريد الجسم، ما يقلل بدوره من تدفق الدم والأكسجين الواصل إلى مراكز التفكير في الدماغ (وبخاصة قشرة الفص الجبهي).
وفي الوقت نفسه، يغير الإجهاد الحراري من توازن الدوبامين، والسيروتونين، والأسيتايل كولين، وهي نواقل عصبية حاسمة لعمليات الانتباه والتعلم والذاكرة.
كما أن التعرق المفرط يستنزف الصوديوم، والبوتاسيوم، والمعادن الأخرى (الإلكتروليتات)، ما يؤثر سلبًا على نقل الإشارات العصبية ويبطئ العمليات العقلية.
أما عن الجفاف، فيؤكد الدكتور جيل أنه “حتى الجفاف الطفيف (المتمثل في فقدان السوائل بنسبة 1-2 في المئة من وزن الجسم) يمكن أن يبطئ المعالجة العصبية ويضعف الذاكرة والانتباه ووقت الاستجابة. كما أن الجفاف يزيد من إفراز هرمون الكورتيزول ويغير نشاط السيروتونين، ما يؤدي مباشرة إلى الانفعال والقلق وانخفاض القدرة على تحمل خيبة الأمل، فضلاً عن أن انخفاض حجم الدم واختلال التوازن الإلكتروليتي يحدان من وصول الأكسجين والمغذيات إلى الدماغ، مسببين الخمول العقلي”.
4 طرق عملية للشعور بالهدوء وتجاوز موجة الحر

لمواجهة هذه الآثار السلبية واستعادة التوازن النفسي والذهني، يوصي الدكتور رافي جيل باتباع الاستراتيجيات الأربع الآتية:
- منح الأولوية للترطيب بالسوائل المدعمة بالإلكتروليتات: ينصح الدكتور جيل بضرورة شرب الماء بانتظام طوال اليوم، وألا ينتظر الشخص حتى يشعر بالعطش، مع أهمية تضمين المشروبات مصادر الإلكتروليتات (الأملاح والمعادن)؛ حيث يساعد ذلك في الحفاظ على الإشارات الدماغية المثالية، ويمنع البطء الإدراكي، ويقلل من حدة الانفعال المرتبطة بالجفاف.
- تهيئة بيئة باردة وملائمة للنوم: يُوصى بمحاولة الالتزام بجدول مواعيد ثابت ومستمر للنوم والاستيقاظ، مع استخدام المراوح، والستائر المعتمة (Blackout curtains) لمنع دخول الحرارة نهاراً، والحرص على فرش أغطية أسرة مسامية تسمح بالتنفس، وإذا كان ذلك ممكناً، يفضل تبريد غرفة النوم مسبقاً قبل التوجه للنوم؛ إذ إن حماية النوم العميق ومرحلة حركة العين السريعة تصون القدرة على تنظيم العواطف، وترسيخ الذاكرة، واتخاذ القرارات السليمة.
- ممارسة تمارين تنظيم التوتر الصديقة للحرارة: يُفضل ممارسة تمارين الاسترخاء والتنفس أو تمارين التثبيت (Grounding exercises) في أكثر الأوقات برودة من اليوم. كما يمكن ممارسة تمدد العضلات اللطيف أو اليوغا في الأماكن المظللة أو المكيفة؛ حيث تساعد هذه الأنشطة في تنظيم مستويات الكورتيزول وتمنع الجهاز العصبي من البقاء في حالة استنفار مستمرة وطويلة الأمد أو ما يُعرف بحالة “الكر والفر” (Fight-or-flight).
- إعادة تنظيم وهيكلة اليوم بناءً على درجات الحرارة: يقترح الدكتور جيل جدولة المهام التي تتطلب مجهوداً ذهنياً وفكرياً كبيراً خلال ساعات الصباح الباكر والأكثر برودة، مع الحرص على أخذ فترات راحة منتظمة ودورية خلال أوقات ذروة الحرارة؛ إذ تسهم هذه الخطوة في حماية التركيز والذاكرة العاملة، وتقلل من الأخطاء الناتجة عن الإرهاق الإدراكي المرتبط بالحرارة.
المصدر:إندبندنت
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇