لماذا تكشف بريطانيا سرقاتها الصغيرة بالأرقام بينما تغيب الأرقام المماثلة عن عواصم عربية؟
عندما تتحدث بريطانيا عن سرقة المتاجر أو سرقة الهواتف في الشوارع، لا تكتفي الشرطة بالقول إن الظاهرة «مقلقة» أو «آخذة في الارتفاع». هناك أرقام محددة، وفترات زمنية محددة، وتصنيفات واضحة، وقواعد بيانات يستطيع الصحفي أو الباحث الرجوع إليها وإعادة تحليلها.
في أحدث بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، سجلت الشرطة في إنجلترا وويلز 507,086 جريمة سرقة من المتاجر في السنة المنتهية في مارس/آذار 2026، بانخفاض 4% عن السنة السابقة التي سجلت 530,324 جريمة. وكان العدد قد بلغ 509,566 في السنة المنتهية في ديسمبر/كانون الأول 2025، بينما سجلت السنة المنتهية في سبتمبر/أيلول 2025 نحو 519,381 جريمة. (Office for National Statistics)
الأرقام ضخمة، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة. فهي لا تعني أن أكثر من نصف مليون سرقة متجر وقعت بالضرورة في بريطانيا ولم تُكتشف سوى هذه الحالات؛ بل تعني أن هذا العدد من الجرائم سجلته الشرطة وفق قواعد التسجيل المعتمدة.
وهنا تظهر مفارقة مهمة عند مقارنة بريطانيا بالعواصم العربية: لماذا يستطيع القارئ البريطاني أن يعرف حجم السرقات الصغيرة المسجلة، بينما يصعب عليه العثور على سلسلة مماثلة وحديثة ومنتظمة عن سرقة المتاجر أو الهواتف في كثير من العواصم العربية؟
الإجابة لا تبدأ من اختلاف القوانين، ولا تثبت أن البريطانيين أكثر ميلًا إلى السرقة. إنها تبدأ من طريقة إنتاج أرقام الجريمة نفسها.
بريطانيا لا تخفي حتى تفاصيل الجريمة الصغيرة

النظام البريطاني لا يعتمد على رقم سنوي واحد تصدره الشرطة ثم ينتهي الأمر. فمكتب الإحصاءات الوطنية ينشر بيانات دورية عن الجرائم المسجلة لدى الشرطة، كما ينشر جداول مفصلة بحسب مناطق الشرطة، ويتيح البيانات التاريخية التي تسمح بتتبع التغيرات على مدى سنوات. وتصدر أحدث جداول مناطق الشرطة مع إصدار مارس/آذار 2026، وتشمل أيضًا إصدار ديسمبر/كانون الأول 2025. (Office for National Statistics)
وفي لندن، يصبح الأمر أكثر تفصيلًا. فقاعدة بيانات شرطة العاصمة المنشورة عبر London Datastore تحصي الجرائم شهريًا حسب نوع الجريمة وعلى ثلاثة مستويات جغرافية: المنطقة الإدارية، والدائرة الانتخابية، والمنطقة الإحصائية الأصغر LSOA. كما تُحدّث قاعدة البيانات دوريًا، وتتوفر فيها ملفات حديثة تغطي آخر 24 شهرًا إلى جانب السلاسل التاريخية. (Data London)
كما تُحدّث بيانات لوحة الجرائم الشهرية لشرطة العاصمة بانتظام، وتوضح المنصة أن البيانات تستخدم تعريفات وقواعد العد المعتمدة لدى وزارة الداخلية البريطانية. (Data London)
وهذا يعني أن الصحفي لا يحتاج إلى تخمين حجم المشكلة من تصريحات المسؤولين. يستطيع، على سبيل المثال، أن يتتبع سرقات الأشخاص أو جرائم المتاجر في منطقة معينة، ثم يقارنها بالشهر أو العام السابق.
حتى سرقة الهاتف لها سجل قابل للتدقيق

تقدم سرقة الهواتف مثالًا أوضح على هذه الشفافية.
ففي يونيو/حزيران 2025 نشرت شرطة العاصمة استجابة لطلب حرية معلومات تضمنت أعداد سرقات الهواتف المسجلة في لندن منذ 2019 وحتى مارس/آذار 2025. وتظهر البيانات ارتفاع الرقم من 91,481 في 2019 إلى 115,261 في 2023، ثم 117,211 في 2024، مع تسجيل 27,167 حالة في الأشهر الثلاثة الأولى من 2025. (Met Police)
لكن شرطة العاصمة نفسها تحذر من التعامل مع هذه الأرقام دون قراءة تعريفها؛ فبعض مجموعات البيانات تتعلق بعدد الممتلكات المصنفة مسروقة، وليس بالضرورة بعدد الجرائم أو عدد الضحايا. وهذه الدقة في تعريف الرقم جزء من قيمة البيانات نفسها.
وفي يونيو/حزيران 2026، قدمت الشرطة صورة أحدث عن سرقة الهواتف، وقالت إن جرائم السرقة من الأشخاص والسطو التي يكون الهاتف المحمول فيها مسروقًا انخفضت خلال الاثني عشر شهرًا حتى مايو/أيار 2026 بنسبة 18%، أي بنحو 14 ألف جريمة أقل، بينما انخفضت خلال يناير/كانون الثاني إلى مايو/أيار 2026 بنسبة 20.6% مقارنة بالفترة نفسها من 2025. (Mynewsdesk)
وبذلك لا تكشف البيانات حجم المشكلة فقط، بل تكشف أيضًا اتجاهها الحديث: بعض أشكال سرقة الهواتف في لندن كانت تتراجع خلال النصف الأول من 2026.
تراجع السرقة من المتاجر
الصورة نفسها تظهر في سرقة المتاجر.
فبعد الارتفاع الكبير في السنوات السابقة، سجلت إنجلترا وويلز 507,086 جريمة سرقة من المتاجر في السنة المنتهية مارس/آذار 2026، بانخفاض 4% عن السنة السابقة. (Office for National Statistics)
وفي لندن، أعلنت شرطة العاصمة في يونيو/حزيران 2026 أن سرقة المتاجر انخفضت خلال السنة المالية 2025/2026 بنسبة 3.7%، أي نحو 3,500 واقعة أقل.
لكن الرقم الأكثر إثارة للاهتمام كان في الجانب الآخر من المعادلة: قالت الشرطة إن 104 من الجناة الأكثر تكرارًا ارتبطوا بـ4,389 واقعة خلال عامين، وإن الأمر احتاج إلى 31 واقعة على الأقل في المتوسط لكل واحد منهم قبل صدور عقوبة سالبة للحرية في الحالات التي رصدتها الشرطة. (Mynewsdesk)
وهنا نعود إلى النقاش الذي أثار أصلًا مسألة السرقات الصغيرة: وجود عدد ضخم من الجرائم المسجلة لا يعني أن الدولة تسجن أصحابها جميعًا. فالسرقة المسجلة، والمتهم، والمدان، ومن تصدر بحقه عقوبة سجن، أربع مراحل مختلفة تمامًا.
فلماذا لا نرى السلسلة نفسها في عواصم عربية؟

هنا ينبغي الحذر من صياغة الإجابة بطريقة توحي بأن «العواصم العربية لا تسجل الجرائم».
هذا غير صحيح.
في عدد من الدول العربية توجد أجهزة أمنية تنشر حصائل دورية للجريمة، وتصدر وزارات الداخلية تقارير وبيانات عن السرقات والقبض على المتهمين، كما توجد في بعض الدول قواعد بيانات ومؤشرات رقمية متقدمة.
لكن ما يصعب العثور عليه بصورة متجانسة عبر العواصم العربية هو نوع البيانات الذي يستطيع الباحث استخدامه لمقارنة مدينة بأخرى أو لندن بعاصمة عربية على أساس واحد.
فالمطلوب للمقارنة ليس مجرد بيان يقول إن الشرطة ضبطت عددًا من لصوص السيارات أو الهواتف. المطلوب سلسلة من نوع: كم عدد سرقات المتاجر؟ كم عدد سرقات الأشخاص؟ كم عدد سرقات الهواتف؟ خلال أي فترة؟ ما عدد السكان؟ كيف عُرفت الجريمة؟ ما قواعد تسجيلها؟ وهل تشمل البلاغات فقط أم الوقائع التي اكتشفتها الشرطة؟ وكم منها انتهى إلى ضبط أو إحالة أو إدانة؟
في بريطانيا، أجزاء كبيرة من هذه السلسلة منشورة ومحدثة بصورة دورية. أما عبر العواصم العربية، فلا تتوافر للباحث حتى الآن سلسلة موحدة منشورة للعامة تغطي 2025 والنصف الأول من 2026 بالطريقة نفسها.
وهذا هو الفارق الذي يمكن إثباته، وليس القول إن الجريمة أقل في العواصم العربية.
الأمم المتحدة تحذر من الوقوع في هذا الفخ
المشكلة ليست بريطانية أو عربية بحد ذاتها. إنها مشكلة معروفة في الإحصاءات الدولية للجريمة.
يشرح مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن إحصاءات الجرائم التي تسجلها الشرطة تعاني من مشكلات في المقارنة بين البلدان بسبب اختلاف تعريفات الجرائم، وقواعد التسجيل والعد والترميز، وسلوك الضحايا في الإبلاغ عن الجرائم. (UNODC)
ولهذا طورت الأمم المتحدة «التصنيف الدولي للجريمة لأغراض إحصائية» ICCS بهدف تحسين الاتساق في تعريف الجرائم وقياسها، لكن وجود تصنيف دولي لا يعني أن جميع الدول تطبق قواعد التسجيل نفسها أو أن بيانات الشرطة أصبحت قابلة للمقارنة تلقائيًا. (UNODC)
وهذه النقطة بالغة الأهمية عندما نتحدث عن «العواصم العربية» كمجموعة واحدة. فالقاهرة والرياض وبغداد وعمّان والرباط والجزائر وتونس وبيروت وأبوظبي والدوحة وغيرها ليست جزءًا من نظام إحصائي موحد، ولكل دولة جهازها الأمني والقضائي ونظامها الإحصائي وقواعدها في تسجيل ونشر الجرائم.
لذلك لا توجد، ببساطة، خانة واحدة في قاعدة بيانات دولية يمكن للصحفي أن يفتحها ليجد «سرقات العواصم العربية في 2025» ثم يقارنها بلندن.
بريطانيا لا تعتبر أرقام الشرطة مرآة كاملة للجريمة

وهنا تكمن المفارقة.
بريطانيا، رغم قدرتها الكبيرة على نشر أرقام الجريمة، لا تقول إن بيانات الشرطة تمثل كل ما يحدث في المجتمع.
فبيانات الشرطة تقيس الجرائم التي وصلت إلى الشرطة وسجلتها، بينما يستخدم مكتب الإحصاءات الوطنية أيضًا Crime Survey for England and Wales لقياس تجارب الضحايا، بما في ذلك الجرائم التي لم تصل إلى الشرطة.
وتحذر ONS من أن بيانات الشرطة يمكن أن تتأثر بمستوى الإبلاغ وممارسات التسجيل، وأن التغير في عدد الجرائم المسجلة لا يعكس دائمًا التغير في حجم الجريمة الفعلي وحده. (Office for National Statistics)
وهذا يظهر بوضوح في سرقة المتاجر؛ فقد أشارت ONS إلى أن التغير في الإبلاغ وتحسن التواصل بين الشرطة وتجار التجزئة يمكن أن يؤثرا في أعداد السرقات التي تدخل السجلات الرسمية، إلى جانب التغير الفعلي في الجريمة. (Office for National Statistics)
بعبارة أخرى، يمكن أن يرتفع الرقم لأن السرقة زادت، أو لأن الإبلاغ عنها زاد، أو لأن الشرطة أصبحت تسجلها بصورة أفضل، أو بسبب مزيج من هذه العوامل.
ماذا يعني ذلك عندما لا نجد رقمًا مماثلًا لعاصمة عربية؟
يعني أولًا أننا لا نملك الحق في ملء الفراغ بالاستنتاج.
إذا وجد الباحث أرقامًا ضخمة لسرقة المتاجر والهواتف في بريطانيا ولم يجد رقمًا مماثلًا لعاصمة عربية، فهناك أكثر من تفسير محتمل: قد تكون الجريمة أقل فعلًا، وقد يكون الإبلاغ أقل، وقد تستخدم الشرطة تصنيفًا مختلفًا، وقد تكون البيانات موجودة لدى الأجهزة المختصة لكنها غير منشورة بالتفصيل نفسه، وقد تكون البيانات منشورة على مستوى الدولة لا العاصمة، أو تجمع عدة أنواع من الجرائم في فئة واحدة.
والأهم أن عدم وجود رقم منشور لا يساوي عدم وجود الجريمة.
ولهذا سيكون من الخطأ أن يكتب الصحفي: «لا توجد سرقات هواتف كثيرة في العواصم العربية»، لمجرد أنه لم يجد جدولًا مماثلًا لجدول شرطة العاصمة البريطانية.
الأكثر دقة أن يكتب: لا تتوافر بيانات عامة متجانسة تسمح بقياس هذه السرقات ومقارنتها بلندن على أساس واحد.
لماذا تظهر بريطانيا إذن وكأنها «أكثر سرقة»؟

لأن لديها قدرة عالية على جعل الجريمة المسجلة مرئية.
هناك رقم وطني، وهناك بيانات لقوات الشرطة، وهناك بيانات شهرية في لندن، وهناك تقسيم جغرافي، وهناك قواعد معلنة للعد والتصنيف، وهناك طلبات حرية معلومات، وهناك إمكانية لمقارنة عدد الجرائم بالنتائج الإيجابية.
والبيانات المنشورة عن لندن تُظهر حتى التغيرات الصغيرة نسبيًا في الظاهرة. قاعدة شرطة العاصمة المنشورة عبر London Datastore، مثلًا، تسجل الجرائم حسب النوع والمكان والشهر، بينما تُحدث بيانات الجرائم بصورة دورية. (Data London)
هذه البنية لا تجعل المجتمع البريطاني بالضرورة أكثر إجرامًا؛ لكنها تجعل الجريمة أكثر قابلية للرؤية والعد والمساءلة الصحفية.
وفي المقابل، عندما تعتمد المعلومات المتاحة عن الجريمة في عاصمة ما أساسًا على بيانات الشرطة الصحفية أو الحملات الأمنية أو الحصائل السنوية، فقد يعرف الجمهور أن الشرطة ضبطت لصوصًا أو فككت عصابة، لكنه لا يحصل بالضرورة على سلسلة شهرية تسمح له بمعرفة عدد سرقات الهواتف أو المتاجر مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.
وهنا يصبح الفرق في «الرؤية الإحصائية» كبيرًا، حتى لو كان الفرق في الجريمة الفعلية أقل مما توحي به الأرقام.
والنتيجة أن السؤال الذي يبدو في البداية متعلقًا بسلوك الناس قد يكون، في جزء كبير منه، سؤالًا عن قدرة الدولة على تسجيل الجريمة وإظهارها للعلن.
ففي بريطانيا، يمكن أن نرى سرقة المتاجر وهي تتجاوز نصف مليون واقعة مسجلة سنويًا، ثم نرى الرقم يتراجع في 2026، ونرى سرقة الهواتف تنخفض في لندن خلال الأشهر الأولى من العام، ونستطيع العودة إلى قواعد البيانات لمعرفة أين حدث ذلك وكيف تغيرت الأرقام. (Office for National Statistics)
أما عندما لا نجد السلسلة المقابلة في عاصمة عربية، فالمعلومة التي نملكها يقينًا ليست أن السرقة أقل، وإنما أن البيانات المنشورة لا تسمح لنا برؤية حجمها بالطريقة نفسها.
وهذه ربما هي المفارقة الأهم في المقارنة بين بريطانيا والعواصم العربية: الدولة التي تنشر أرقامًا أكثر عن الجريمة قد تبدو، للوهلة الأولى، أكثر إجرامًا؛ بينما قد يكون جزء من الفارق ببساطة أن لديها نظامًا أكثر قدرة على رؤية الجريمة وقياسها ونشرها.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇