كيف أثر البريكست على معيشة العائلات في بريطانيا؟
مع اقتراب الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يبدو الحكم اليوم على تداعيات البريكست والأداء الاقتصادي لبريطانيا واضحاً ولا لبس فيه؛ إذ أدى قرار المغادرة إلى فرض تكاليف مالية باهظة وأضرار جسيمة على العائلات وقطاع الأعمال على حد سواء.
ورغم أن الركود الفوري الحاد الذي توقعته وزارة الخزانة البريطانية سابقاً بتوجيهات من وزير المالية الأسبق جورج أوزبورن — والذي أطلقت عليه حملة المغادرة حينها اسم “مشروع التخويف” — لم يحدث على أرض الواقع بالشكل المتوقع، ورغم أن تداعيات جائحة كورونا، والحروب في أوكرانيا وإيران، والمعارك التجارية التي قادها دونالد ترامب قد ألقت بظلالها على المشهد وضاعفت من ضبابيته، إلا أن الخبراء يجمعون اليوم على أن التوقعات طويلة المدى كانت دقيقة للغاية؛ فالاقتصاد البريطاني بات اليوم أصغر حجماً بشكل ملحوظ مما كان يمكن أن يكون عليه، وتضررت حركة التجارة، وتباطأ نمو الاستثمار التجاري والإنتاجية، لتجد العائلات البريطانية نفسها اليوم في وضع مالي أسوأ بآلاف الباوندات سنوياً في المتوسط.
وفي هذا الصدد، قال تشارلي بين، النائب السابق لمحافظ بنك إنجلترا، والذي تولى مراجعة توقعات وزارة الخزانة: “يتعين على أوزبورن تحمل مسؤولية كبيرة عندما كان يقول ببساطة: (تحليلات وزارة الخزانة تظهر أنه سيكون هناك ركود عميق غداً). لقد كان ذلك تشويهاً حقيقياً لما يمكن استخلاصه من المؤشرات، ومبالغة واضحة لمحاولة كسب المعركة السياسية آنذاك. ومن منظور الإدراك المتأخر، أجرى البريطانيون التصويت ولم يسقط العالم من حافة الهاوية على الفور، ولذلك يمكن لأنصار البريكست القول إن تلك التحذيرات لم تكن تساوي الحبر الذي كتبت به. ولكن تقييم المسار العام على المدى الطويل كان في النطاق الصحيح؛ نحن اليوم أفقر مما كنا سنكون عليه لولا الخروج”.
وفيما يلي رصد تحليلي بالأرقام والوقائع للتبعات الاقتصادية التي خلفها البريكست على مدار عقد من الزمن:
الباوند يفقد قيمته أمام العملات الأجنبية بعد البريكست

تأرجحت قيمة الباوند بشكل حاد وعنيف فور إغلاق صناديق الاقتراع في 23 يونيو/ حزيران 2016.
وفي اللحظات التي بدا فيها نايجل فاراج مستعداً للاعتراف بالهزيمة، ارتفعت العملة البريطانية، لكن النتائج المبكرة التي أظهرت فوز معسكر المغادرة في مناطق رئيسية مثل “سندرلاند”، تسببت في هبوط الباوند بنسبة 10%، في أكبر انخفاض له في يوم واحد على الإطلاق.
وأدى هذا الانهيار في قيمة الباوند إلى الارتفاع الحاد في تكلفة السلع المستوردة، مما فجر صدمة تضخمية أضرت بالمالية العامة وتسببت في معاناة مالية بالغة للأسر والعائلات في جميع أنحاء البلاد.
وفي المقابل، فشل المصدرون — الذين يستفيدون عادة من ضعف العملة المحلية لأن منتجاتهم تصبح أرخص للمشترين الأجانب — في استغلال هذه الميزة بسبب حالة عدم اليقين والضبابية التي خيمت على حركة التجارة.
وبعد مرور عقد من الزمن، لم ينجح الباوند قط في العودة إلى المستويات التي كان عليها قبل البريكست، مما أضر بالقدرة الشرائية للمصطافين والسياح البريطانيين؛ فبعد أن كان الباوند يقترب من حاجز 1.50 دولاراً و1.31 يورو فور إغلاق الاقتراع، فإنه يستقر اليوم عند مستوى 1.34 دولاراً و1.15 يورو فقط.
كيف تباطأ النمو الاقتصادي في بريطانيا بسبب البريكست؟

ثمة أسباب جوهرية حالت دون تحقق الركود الفوري الذي تضمنته التوقعات؛ وأبرزها أن توقعات وزارة الخزانة كانت تفترض خروجاً فورياً دون اتفاق، بدلاً من استمرار عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي حتى 31 يناير/ كانون الثاني 2020، والتي تلتها فترة انتقال استمرت 11 شهراً، بالإضافة إلى الاتفاقيات اللاحقة التي أُبرمت منذ ذلك الحين.
ووفقاً لـ “مكتب مسؤولية الميزانية” (OBR)، وهو المراقب المستقل لوزارة الخزانة البريطانية، فإن بريطانيا في طريقها لتكبد خسارة تعادل 4% من الدخل القومي الإجمالي على مدار فترة زمنية تبلغ 15 عاماً.
ومع بلوغ عتبة العشر سنوات، يظهر تحليل أجراه نيك بلوم، وهو اقتصادي بريطاني بارز في جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة، وآخرون في ورقة بحثية صادرة عن “المكتب الوطني الأمريكي للأبحاث الاقتصادية”، أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد في بريطانيا أقل بنسبة تتراوح بين 6% و8% عما كان سيكون عليه لولا البريكست.
واستناداً إلى الأداء الاقتصادي مقارنة بـ 33 اقتصاداً متقدماً آخر، تظهر التحليلات أن بريطانيا كانت تتبع مسار هذه الدول بدقة شديدة حتى عام 2016، قبل أن تفتح فجوة واسعة وضخمة في حجم الإنتاج الاقتصادي. وعلق بلوم على ذلك قائلاً: “الإحصاءات واضحة تماماً؛ لقد نمت بريطانيا بشكل أبطأ بعد البريكست مقارنة بما قبله.
هل هذا بسبب البريكست؟ على الأرجح نعم.
لا يمكن للمرء أن يكون متأكداً بنسبة 100%، لكنني لا أرى أي عامل آخر يمكنه أن يفتح هذه الفجوة الكبيرة بين المملكة المتحدة وبقية دول العالم”.
تضرر حركة التجارة والقيود الحدودية بعد البريكست

(رسم بياني: صحيفة الغارديان The Guardian / المصدر: مكتب مسؤولية الميزانية OBR ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD)
تضمن البريكست عملياً إقامة حواجز وعقبات تجارية جديدة، مما وجه ضربة موجعة لصادرات السلع البنيوية.
ولا يزال الاتحاد الأوروبي يمثل الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا؛ ففي عام 2025، بلغت قيمة الصادرات البريطانية إلى الكتلة الأوروبية 385 مليار باوند (ما يعادل 41% من إجمالي الصادرات البريطانية)، في حين بلغت قيمة الواردات 474 مليار باوند (49% من الإجمالي).
ومنيت صادرات السلع البريطانية بتباطؤ واضح مقارنة بدول مجموعة السبع (G7) منذ انتهاء الفترة الانتقالية للاتحاد الأوروبي في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2020، غير أن صادرات الخدمات سجلت أداءً أكثر قوة.
ويقدر مكتب مسؤولية الميزانية (OBR) أن السبب في ذلك يعود إلى أن “اتفاقية التجارة والتعاون” التي أبرمها بوريس جونسون مع بروكسل خلقت قيوداً وعراقيل أمام السلع والخدمات اللوجستية أكبر بكثير من تلك التي فرضتها على قطاع الخدمات، مما جعل المصدرين يواجهون مستويات معقدة من البيروقراطية (الروتين الإداري) والتأخيرات المستمرة على الحدود.
وشبّه بلوم هذا الوضع بمتجر ينقل نشاطه من وسط المدينة إلى أطرافها النائية، قائلاً: “أنت تجعل الوصول إلى المتجر والعودة منه أمراً شاقاً، ولذلك فمن الطبيعي أن يتراجع الطلب. وعندما تضيف إلى ذلك حالة عدم اليقين عبر فتح المتجر وإغلاقه طوال الوقت, فإن الناس لن يعرفوا ما إذا كنت متواجداً هناك أم لا”.
تجميد الاستثمارات وتراجع معدلات الإنتاجية البريطانية
بعد النتيجة الصادمة للاستفتاء، أدى غياب أي خطة واضحة من جانب الحكومة أو من قادة حملة المغادرة إلى سنوات من الصراعات والخلافات السياسية الداخلية حول المفهوم التطبيقي للبريكست، والذي لم يتم تعريفه بدقة قط وكان خاضعاً للأهواء الشخصية.
وفي خضم تلك الاضطرابات السياسية العاصفة، عمدت الشركات البريطانية إلى تجميد خططها الاستثمارية بالكامل.
ونتيجة لذلك، تشير التقديرات الحالية إلى أن الاستثمار انخفض بنسبة تقارب 18% عما كان يمكن أن يكون عليه في حال البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، كما انخفضت الإنتاجية بنسبة تصل إلى 4%، مما يعكس الإحجام الشديد عن الاستثمار في المعدات والمشاريع الكبرى بسبب ضبابية المشهد.
وفي هذا السياق، قال جون سبرينغفورد، من “مركز الإصلاح الأوروبي”: “بدأ إضراب الشركات عن الاستثمار في عام 2016 واستمر حتى عامي 2021-2022، ثم بدأ في الارتفاع مجدداً بمجرد استقرار ووضوح طبيعة العلاقات التجارية والاتفاقيات المبرمة. هذا التجميد أثر بشكل مباشر وملموس على مستويات الإنتاجية؛ وهو ما يعني أن العمال لا يمتلكون المعدات الأفضل والأحدث، فضلاً عن تدهور الأصول الرأسمالية الحالية [من مبانٍ ومعدات]، ولذلك يمكنك بالتأكيد عزو جزء من خسائر الناتج المحلي الإجمالي إلى هذا العامل. البريكست في جوهره هو قصة ركود طويل المدى وأشبه بـ (ثقب بطيء لوعاء اقتصادي)، أكثر من كونه ركوداً مفاجئاً أو ارتفاعاً حاداً ومؤقتاً في معدلات البطالة”.
تراجع الأجور الحقيقية وتحديات سوق العمل بعد البريكست
انخفضت معدلات البطالة في بريطانيا بعد استفتاء البريكست لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تعاود الارتفاع بحدة خلال فترة الجائحة.
ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن هذه الأرقام الظاهرية حجبت وراءها تحديات هيكلية عميقة؛ وأبرزها ركود نمو الأجور الحقيقية.
فالأجور الحقيقية المتوسطة لم تشهد أي نمو يُذكر إلا بعد انقضاء جائحة كورونا، وحتى مع التحسن الأخير المتسارع، فإن متوسط الأجور بات أعلى بـ 43 باوند فقط في الأسبوع، وذلك بعد احتساب معدلات التضخم وتآكل القيمة الشرائية.
وبرزت بريطانيا كأضعف دولة في مجموعة السبع (G7) من حيث وتيرة التعافي في معدلات المشاركة في القوة العاملة بعد رفع قيود الجائحة؛ حيث أدى تزايد المشاكل الصحية والمرضية إلى ارتفاع مستويات “الخمول الاقتصادي” — وهو المصطلح الذي يعبر عن البالغين في سن العمل الذين ليس لديهم وظيفة ولا يبحثون عنها —. وقد نال الشباب النصيب الأكبر من هذا التراجع؛ إذ ارتفع عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً والذين ليسوا في مجال التعليم أو العمل أو التدريب (المعروفين باختصار NEET) إلى أكثر من مليون شاب، وهو المستوى الأعلى منذ عام 2013.
ووفقاً لتقديرات بلوم، فإن حجم التوظيف والعمالة في بريطانيا أقل بنسبة تتراوح بين 3% و4% عما كان سيكون عليه في سيناريو البقاء.
استطلاعات الرأي تظهر انحسار التأييد الشعبي لقرار البريكست

شهد الدعم الشعبي لقرار البريكست تراجعاً مستمراً وتدريجياً منذ التصويت التاريخي الذي حُسم بنسبة 52% لصالح المغادرة مقابل 48% للبقاء.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “يوغوف” (YouGov) الشهر الماضي، أن 70% من البريطانيين يدعمون الآن إقامة علاقة وثيقة وأكثر عمقاً مع الاتحاد الأوروبي، ولكن دون إعادة الانضمام الكامل إلى الكتلة أو إلى سوقها الموحدة أو الاتحاد الجمركي.
ويرى أكثر من ثلثي المستطلعين أن تخفيف أو إضعاف الروابط مع أوروبا كان خطأً تاريخياً، في حين تؤيد أغلبية واضحة تبلغ 56% إعادة الانضمام المباشر والكامل إلى الاتحاد الأوروبي.
ويبدو هذا الدعم لإعادة الانضمام في ذروته بين ناخبي حزب الخضر وحزب العمال، بينما يسجل أدنى مستوياته بين مؤيدي حزب “إصلاح بريطانيا” (Reform\ UK) الذي يتزعمه نايجل فاراج، حيث يعارض 83% منهم هذه الفكرة جملة وتفصيلاً.
طفرة الهجرة الصافية وتشديد القيود الحكومية

على الرغم من الوعود الوردية التي قطعتها حملة المغادرة والحكومة المحافظة السابقة بالسيطرة التامة على الحدود، شهد صافي الهجرة إلى بريطانيا ارتفاعاً قياسياً وصادماً بعد البريكست؛ حيث سجل ذروة تاريخية غير مسبوقة واقترب من مليون شخص في العام المنتهي في يونيو/ حزيران 2023.
ولعبت الحرب في أوكرانيا والطلب المتراكم على الهجرة بعد تخفيف قيود كوفيد دوراً مساهماً في ذلك، لكن التغييرات الهيكلية في قواعد الهجرة بعد البريكست كان لها الأثر الأكبر؛ إذ تبين أن ما يقرب من 90% من الوافدين الجدد جاؤوا من دول خارج الاتحاد الأوروبي، في حين انخفض صافي الهجرة من دول التكتل الأوروبي السبع والعشرين.
ونتيجة لذلك، واجه أصحاب العمل البريطانيون نقصاً حاداً وقاسياً في العمالة بسبب فقدان العمال الأوروبيين الذين كانوا متاحين بسهولة في السابق، وتحديداً في قطاعات البناء والتشييد، الضيافة، والصناعات التحويلية.
ومع ذلك، عاودت الهجرة الصافية الانخفاض بشكل ملحوظ لتتراجع إلى 171 ألف شخص العام الماضي، وذلك في ظل الضوابط والقيود الصارمة والمشددة التي فرضتها حكومة المحافظين أولاً، ثم زادتها حكومة حزب العمال الحالية حزماً وتقييداً لضبط سوق العمل.
المصدر:الجارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇