تحليل: فوز بورنام.. هل خسر ستارمر رغم انتصار حزب العمال؟
لم تكن انتخابات ميكرفيلد الفرعية تحمل نتيجة جيدة لكير ستارمر.
كانت تحمل نتيجتين سيئتين فقط.
إذا خسر حزب العمال المقعد، فإن الهزيمة كانت ستضاف إلى سلسلة الانتكاسات التي بدأت منذ الانتخابات المحلية، وتؤكد أن الحزب الحاكم لم يعد قادرًا حتى على الدفاع عن مناطقه التقليدية.
وإذا فاز أندي بورنام، فإن الفوز نفسه كان سيصبح مشكلة من نوع آخر: عودة أخطر منافس محتمل إلى البرلمان، وفتح الباب أمام معركة مباشرة على زعامة حزب العمال ورئاسة الحكومة.
الآن، بعد إعلان فوز بورنام، لم يعد الخطر افتراضيًا.
لقد دخل الرجل إلى وستمنستر.
ليس بفوز ضيق أو نتيجة رمزية، بل بأكثر من نصف الأصوات.
فبورنام، عمدة مانشستر الكبرى السابق، حصل على 54.8 في المئة من الأصوات في انتخابات ميكرفيلد، متفوقًا وحده على مجموع ما حصل عليه مرشحا المركزين الثاني والثالث معًا. فقد نال مرشح ريفورم، روب كينيون، 34.5 في المئة، في حين حصلت ريبيكا شيبرد، مرشحة حزب “استعادة بريطانيا” (Restore Britain)، على 6.8 في المئة. وبجمع النتيجتين معًا، يصل مجموعهما إلى 41.3 في المئة، أي أقل بوضوح من نصيب بورنام وحده.
وهذا ما يجعل النتيجة أكبر من مجرد احتفاظ حزب العمال بمقعد.
إنها عودة قوية لرجل حاولت قيادة الحزب من قبل إبعاده عن البرلمان، ثم عاد الآن بتفويض انتخابي يتجاوز كل استطلاعات الرأي التي لم يمنحه أي منها أكثر من 50 في المئة خلال الحملة.
ومعه دخل حزب العمال مرحلة جديدة: مرحلة ما بعد ستارمر، حتى لو بقي ستارمر رسميًا في داونينغ ستريت.

انتخابات بلا مخرج آمن
من النادر أن يجد رئيس وزراء نفسه أمام انتخابات تكون الهزيمة فيها مشكلة، ويكون الفوز فيها مشكلة أكبر.
لكن هذا بالضبط ما حدث في ميكرفيلد.
فستارمر كان يعرف أن خسارة حزب العمال المقعد ستبدو استمرارًا لانهيار الثقة في حكومته. ومع صعود حزب ريفورم، وتراجع شعبية العمال في مناطق ما بعد الصناعة، كانت أي هزيمة ستُقرأ باعتبارها دليلًا جديدًا على أن الحزب فقد صلته بالناخبين الذين أعادوه إلى السلطة.
لكن فوز بورنام لم يكن خبرًا مريحًا أيضًا.
فالمنتصر ليس نائبًا عاديًا يضيف رقمًا إلى كتلة حزب العمال في البرلمان. إنه عمدة مانشستر الكبرى السابق، وصاحب حضور شعبي في شمال إنجلترا، ويُعرف في دوائر الحزب باسم “ملك الشمال”، وأحد الأسماء القليلة داخل الحزب التي تبدو قادرة على تقديم نفسها باعتبارها بديلًا وطنيًا لستارمر.
بمعنى آخر، فوز العمال في ميكرفيلد لم ينقذ ستارمر.
بل أعاد خصمه إلى الساحة التي يمكن منها إسقاطه.
الأرقام التي جعلت الفوز أخطر
لو كان بورنام فاز بفارق محدود، لكان ستارمر قادرًا على التقليل من أهمية النتيجة.
كان يمكن أن يقول إن حزب العمال احتفظ بمقعده بصعوبة، وإن الناخبين ما زالوا غاضبين، وإن بورنام لم يثبت بعد أنه قادر على مواجهة ريفورم أو إعادة بناء الثقة الشعبية.
لكن الأرقام لا تسمح بهذا التفسير.
فالحصول على 54.8 في المئة من الأصوات يعني أن بورنام لم يفز فقط، بل تجاوز سقف التوقعات. والأهم أنه فاز رغم وجود منافسة قوية من ريفورم، ورغم أن الانتخابات جاءت في لحظة صعبة لحزب العمال، ورغم أن الاستطلاعات لم تمنحه هذه الأفضلية المريحة.
هذه ليست نتيجة دفاعية.
إنها نتيجة هجومية.
فهو لم يعد إلى البرلمان فقط.
بل عاد برسالة سياسية واضحة: يستطيع أن يجذب أكثر من قاعدة حزب العمال التقليدية، ويستطيع أن يهزم ريفورم، ويستطيع أن يقدم نفسه للنواب باعتباره فرصة لا خطرًا.
وهذا ما يجعل النتيجة أخطر على ستارمر.
لأنها لا تقدم بورنام بوصفه متمردًا على الحزب، بل بوصفه الرجل الذي قد ينقذ الحزب من التراجع، في وقت بات فيه ريفورم الخطر الانتخابي الأبرز على حزب العمال في عدد من دوائره التقليدية.
الرجل الذي حاول ستارمر إبعاده
هذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها ستارمر التعامل مع مشكلة اسمها أندي بورنام.
في يناير/كانون الثاني 2026، منعت قيادة حزب العمال، عبر اللجنة التنفيذية الوطنية للحزب، بورنام من خوض انتخابات فرعية سابقة كانت ستعيده إلى مجلس العموم. وجاء التبرير الرسمي حينها أن ترشحه كان سيؤدي إلى أعباء تنظيمية ومالية على الحزب؛ بسبب الحاجة إلى انتخابات مبكرة لاختيار عمدة جديد لمانشستر الكبرى.
لكن كثيرين قرأوا القرار وقتها بوصفه محاولة سياسية لإبعاد منافس محتمل عن البرلمان.
فما دام بورنام خارج مجلس العموم، ظل تهديده لستارمر محدودًا. يمكن الحديث عنه بوصفه زعيمًا محتملًا، لكنه لا يملك المنصة البرلمانية اللازمة لتحويل الطموح إلى تحدٍّ مباشر.
في ذلك الوقت، بدا ستارمر قادرًا على إغلاق الباب.
هذه المرة، لم ينجح.
عاد بورنام من بوابة ميكرفيلد، وبأغلبية كبيرة، وفي لحظة يمر فيها رئيس الوزراء بأضعف مراحله السياسية منذ دخوله داونينغ ستريت.
وهذا ما يجعل النتيجة أكبر من مجرد فوز انتخابي.
إنها كسر للحاجز الذي كان يمنع بورنام من التحول من تهديد نظري إلى تهديد عملي.
فوز بورنام ليس مجرد فوز
لم يفز بورنام فقط لأنه مرشح حزب العمال في مقعد تقليدي.
فوزه جاء في لحظة يريد فيها جزء من الحزب والناخبين سماع رسالة مختلفة.
فبعد أشهر من التراجع، والانقسامات، والغضب من أداء الحكومة، بدا بورنام قادرًا على قول شيء لا يستطيع ستارمر قوله بسهولة: إن حزب العمال يحتاج إلى تغيير قبل أن يُجبره الناخبون على التغيير من الخارج.
وهذه هي نقطة قوة بورنام.
هو لا يقدم نفسه بوصفه معارضًا لحزب العمال، بل بوصفه فرصة أخيرة لإنقاذه.
لا يقول للنواب إن عليهم إسقاط الحكومة، بل إن عليهم إنقاذها من رئيسها.
وهذه الرسالة قد تكون أكثر خطورة على ستارمر من أي هجوم مباشر.
لأنها تمنح النواب الخائفين من المستقبل مخرجًا يبدو أقل تدميرًا: ليس الانقلاب على الحزب، بل تغيير القائد قبل فوات الأوان.
بداية المعركة داخل الحزب
فوز بورنام لا يعني أن ستارمر انتهى فورًا. السياسة لا تعمل بهذه الطريقة.
القادة لا يسقطون في اللحظة التي يفقدون فيها مناصبهم، بل في اللحظة التي يفقدون فيها السيطرة على دوائر تحالفاتهم القوية.
وحين يبدأ النواب، والمانحون، والنقابات، والصحف، في التفكير في الحكومة التالية، حتى والحكومة الحالية لا تزال قائمة، يكون الزعيم قد دخل مرحلة خطرة.
هذا ما يواجهه ستارمر الآن.
فهو لم يعد يواجه خصوم المعارضة فقط. ولا يواجه فقط ضغط حزب ريفورم، أو آثار الهزائم المحلية، أو غضب الناخبين من الاقتصاد والخدمات والهجرة. بل يواجه الآن خصمًا من داخل بيته السياسي، عاد إلى البرلمان بصفة انتخابية لا يمكن تجاهلها.
وهذا يجعل المعركة المقبلة مختلفة. فهي ليست مجرد خلاف داخل حزب العمال بشأن السياسات. إنها صراع بشأن من يستطيع إبقاء الحزب في الحكم.
داونينغ ستريت تحت الاختبار
المعضلة أمام ستارمر الآن بسيطة وقاسية.
إما أن يخوض معركة شرسة لإثبات أنه لا يزال قادرًا على قيادة حزب العمال والحكومة، وإما أن يبدأ الاستعداد للحظة مغادرة داونينغ ستريت.
فالنتيجة في ميكرفيلد لم تمنح بورنام مقعدًا فقط.
منحته منصة.
ومنحت خصوم ستارمر داخل الحزب اسمًا يمكن الالتفاف حوله.
ومنحت المترددين سببًا للانتقال من الشك إلى الحركة.
لهذا يمكن القول إن فوز بورنام لم يبدأ فقط فصلًا جديدًا في مسيرته السياسية، بل بدأ فصلًا جديدًا في أزمة ستارمر.
فقد كان رئيس الوزراء يخشى خسارة حزب العمال للمقعد.
لكنه حصل على نتيجة ربما تكون أشد خطرًا عليه: فوز حزب العمال بمرشح قد يكون سببًا في إنهاء زعامته.
وهنا تكمن المفارقة.
أحيانًا لا تكون الهزيمة هي ما يطيح بالقادة.
بل يكون الفوز نفسه هو بداية النهاية.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇