العرب في بريطانيا | صيف الفوضى يطارد بيرنهام.. كيف تضغط النار والحر...

تحليل: صيف الفوضى يطارد بيرنهام.. نار أوروبا وحرب إيران وأزمة الطاقة

صيف الفوضى يطارد بيرنهام.. كيف تضغط النار والحرب والطاقة على حكومته؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

تبدو السياسة أحيانًا كالسير في حقل من النار؛ على السياسي البارع أن يتقدم من دون أن تلتهمه النيران. لكن هذا التعبير المجازي بدا واقعيًا أكثر من اللازم لرئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام. فهو لم يبدأ حكومته في فراغ، بل دخل داونينغ ستريت وهو يعد باحتواء كرات من اللهب خلفتها حكومة كير ستارمر، قبل أن يجد النيران السياسية محاطة بنيران فعلية: حرائق في أوروبا، ونيران مشتعلة في مضيق هرمز، حيث علقت الولايات المتحدة وإيران في حرب لا يبدو أن أيًّا منهما قادر على الخروج منها حتى الآن. وأسعار طاقة قلقة، وشبكة كهرباء تحاول أن تعبر من عصر الوقود التقليدي إلى عصر صافي الانبعاثات الصفرية من دون أن تفقد توازنها.

بهذا المعنى، لا يبدو عنوان “صيف الفوضى”، الذي اختارته صحف بريطانية لوصف هذا الصيف، مجرد وصف لموسم سفر مضطرب أو صور دخان فوق شواطئ أوروبية. إنه عنوان سياسي مبكر لعهد بيرنهام: رئيس وزراء جديد يريد أن يبدأ من الفاتورة اليومية، لكنه يجد أن الفاتورة نفسها صارت نقطة التقاء بين المناخ والحرب والطاقة والمالية العامة.

حين يصبح المناخ خبرًا يوميًا

حرائق جنوب أوروبا ليست تفصيلًا بيئيًا بعيدًا عن بريطانيا. حين يفرّ أو يُطلب من أكثر من 200 ألف شخص البقاء في أماكن مغلقة بسبب حرائق ضخمة في فرنسا وإسبانيا، وتعلن مدريد أول حالة طوارئ وطنية بسبب حرائق الغابات، يصبح المناخ خبرًا يوميًا لا ملفًا مؤجلًا إلى مؤتمرات دولية أو أهداف بعيدة لعام 2050.

File:Bandipur fires 2019.jpg - Wikimedia Commons
حرائق جنوب أوروبا ليست تفصيلًا بيئيًا بعيدًا عن بريطانيا| الصورة: ويكيميديا

وفي بريطانيا نفسها، لم تعد الأزمة مجرد صور قادمة من القارة. فقد أعلنت أجزاء من شمال ويلز ومنطقة أبر سيفرن حالة الجفاف بعد موجات حر وظروف جافة قياسية، بينما تلقت مناطق واسعة في إنجلترا نحو 3 في المئة فقط من متوسط أمطار يوليو. المعنى السياسي هنا واضح: المناخ لم يعد خلفية بعيدة، بل يدخل الماء والكهرباء والزراعة والصحة العامة.

هذه هي المعضلة الأولى أمام بيرنهام. فالحكومة التي تفكر في خفض فواتير الطاقة، وتبحث عن أدوات سريعة لتخفيف الضغط على الأسر، لا تستطيع تجاهل أن جزءًا من الأزمة التي تواجهها مرتبط أصلًا بنموذج الطاقة القديم. كل صيف أكثر سخونة، وكل موجة حرائق أوسع، تجعل التعهدات المناخية أقل ترفًا وأكثر التصاقًا بحياة الناس.

لكن المسار نحو التحول الأخضر نفسه ليس بلا كلفة أو مخاطر. التحذيرات من أن سباق صافي الصفر قد يجعل شبكة الكهرباء أكثر عرضة للانقطاعات لا تعني بالضرورة أن التحول خطأ، لكنها تكشف أن الانتقال من نظام يعتمد على محطات تقليدية يمكن تشغيلها والتحكم فيها بسهولة نسبية إلى نظام قائم على الرياح والشمس والبطاريات يحتاج إلى إدارة دقيقة واستثمار ضخم وقدرة أعلى على التنبؤ.

الحكومة مطالبة بأن تقنع الناس بأن التحول الأخضر سيحميهم من فواتير أعلى وكوارث مناخية أكبر، لا أن يضيف إلى مخاوفهم خوفًا جديدًا من انقطاع الكهرباء.

إيران تدخل دفتر الحسابات

USA - Iran Conflict Free Stock Photo - Public Domain Pictures
الحرب في الخليج تضع أسعار الطاقة على المحك| الصورة: فري ستوك.

في الوقت نفسه، لا تأتي أزمة الطاقة من المناخ وحده. التوتر مع إيران، وارتفاع أسعار النفط، واضطراب ممرات الطاقة، كلها تحوّل الشرق الأوسط من ملف خارجي إلى عامل مباشر في الحسابات البريطانية.

حين يتجاوز خام برنت عتبة 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ مايو، لا يبقى الأمر مجرد خبر في صفحة الاقتصاد. فارتفاع النفط يدخل سريعًا في توقعات التضخم، وكلفة النقل، وأسعار الطاقة، وحسابات بنك إنجلترا، ثم يصل في النهاية إلى جيب المواطن.

ولهذا تصبح حرب إيران جزءًا من دفتر الخزانة البريطانية. فإذا كان هامش المناورة المالي أمام وزير الخزانة جون هيلي قد يتقلص إلى نحو 7 مليارات باوند فقط، مع وصول عائد السندات الحكومية لعشر سنوات إلى 5.03 في المئة، فإن التوتر في الخليج لا يبقى في نشرات السياسة الخارجية. إنه يدخل في قرار الضرائب، وحدود الإنفاق، وكلفة الاقتراض، وقدرة الحكومة على تمويل وعودها للأسر والشركات الصغيرة.

وهذه نقطة مركزية في اختبار بيرنهام. فهو لا يملك رفاهية الفصل بين السياسة الخارجية والسياسة الاجتماعية. إذا ارتفعت أسعار الطاقة، زادت فاتورة الدعم أو زاد غضب الناس. وإذا ارتفعت كلفة الاقتراض، ضاقت قدرة الخزانة على الإنفاق. وإذا وعدت الحكومة بتخفيف العبء عن الأسر، فعليها أن تجد المال في لحظة لا يمنحها العالم فيها كثيرًا من الهدوء.

بهذا المعنى، تتحول حرب إيران إلى جزء من نقاش داخلي بريطاني: هل ترفع الحكومة الضرائب؟ هل تخفض الإنفاق؟ هل تؤجل بعض الوعود؟ أم تبحث عن مصادر جديدة للتمويل وهي تعرف أن الأسواق تراقبها واليمين ينتظر أي خطأ؟

الطاقة كاختبار للحكم

لهذا تبدو أزمة الطاقة أكبر من ملف فني. إنها اختبار لطريقة الحكم نفسها.

بيرنهام يريد أن يظهر كرئيس وزراء عملي، لا أسير شعارات. لكن العملية في ملف الطاقة تعني السير على حافة ضيقة: لا يستطيع أن يتجاهل فواتير الناس، ولا يستطيع أن يتعامل مع المناخ كترف، ولا يستطيع أن يبني خطته الاقتصادية على افتراض أن الشرق الأوسط سيبقى هادئًا، أو أن الأسواق ستمنحه وقتًا مفتوحًا.

وإذا كان مشروعه السياسي يقوم على إعادة الدولة إلى موقع الفعل، فإن الطاقة هي أول مجال يختبر هذا الادعاء. فالدولة هنا مطالبة في الوقت نفسه بأن تؤمّن الإمدادات، وتخفض الفواتير، وتحمي الشبكة من الانقطاعات، وتدفع نحو صافي الصفر، وتتعامل مع صدمات النفط والغاز العالمية.

أي خلل في هذه المعادلة سيتحول سريعًا إلى أزمة ثقة. فالناس لا ترى “استراتيجية الطاقة” في الوثائق الحكومية، بل في الفاتورة، وفي حرارة البيت شتاء، وفي قدرة الكهرباء على ألا تنقطع، وفي شعورها بأن الحكومة لا تطلب منها دفع ثمن أخطاء لم تصنعها.

حكومة جديدة في عالم لا ينتظر

ما يجعل لحظة بيرنهام صعبة أن الأزمات لا تأتي واحدة تلو الأخرى، بل متداخلة. وسط ذلك، يحاول بيرنهام تقديم صورة مختلفة للحكم، لكن العالم الخارجي يختبر هذه الصورة بسرعة أكبر مما كان يتوقع.

فالسؤال لم يعد فقط: هل يستطيع بيرنهام أن يمنح البريطانيين “مساحة تنفّس”؟ بل: هل توجد هذه المساحة أصلًا حين تضغط النار على أوروبا، والحرب على الخزانة، والطاقة على كل بيت؟

هنا تكمن قسوة صيفه الأول. فالفوضى ليست مجرد خلفية لحكومته الجديدة، بل هي المادة التي سيُحكم من خلالها على قدرته. وإذا كان يريد أن يثبت أن السياسة عادت إلى حياة الناس، فعليه أن يبرهن أن الدولة تستطيع إدارة عالم مضطرب من دون أن تنقل كل كلفته إلى المواطن.

صيف الفوضى، بهذا المعنى، ليس اختبارًا للطقس أو للأسواق فقط. إنه اختبار مبكر لوعد بيرنهام كله: أن يجعل الحكومة قادرة على حماية الناس في زمن لم يعد يفصل بين نار بعيدة وفاتورة قريبة.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا