بريطانيا تطلب مقعدًا في خطة «صُنع في أوروبا».. ماذا تريد من الاتحاد الأوروبي؟
بريطانيا تطلب مقعدًا في خطة «صُنع في أوروبا».. ماذا تريد من الاتحاد الأوروبي؟
تسعى الحكومة البريطانية إلى ضمان عدم استبعاد الشركات والمصانع في المملكة المتحدة من سياسة صناعية أوروبية جديدة تمنح أفضلية للمنتجات المصنوعة داخل القارة، في أحدث محاولة لتعميق العلاقات الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي بعد بريكست.
ومن المقرر أن يطرح وزير الخزانة جون هيلي القضية خلال محادثات مع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي في كوبنهاغن، الجمعة، حيث يريد أن تُعامَل بريطانيا باعتبارها جزءًا من مبادرة «صُنع في أوروبا» (Made in Europe)، التي يجري تطويرها ضمن السياسة الصناعية للاتحاد.
وتخشى لندن من أن تؤدي قواعد أوروبية جديدة تمنح الأفضلية للسلع المصنّعة داخل أوروبا إلى وضع الشركات البريطانية في موقف أقل قدرة على المنافسة، رغم الترابط الكبير بين سلاسل التوريد البريطانية والأوروبية.
ما المقصود بـ«صُنع في أوروبا»؟
لا يتعلق الأمر ببرنامج واحد يمكن لبريطانيا ببساطة تقديم طلب للانضمام إليه، وإنما باتجاه أوسع داخل الاتحاد الأوروبي لاستخدام الإنفاق العام والسياسة الصناعية لدعم المنتجات والتكنولوجيا المصنّعة في أوروبا.
وتدرس بروكسل إدخال معايير مرتبطة بالمحتوى الأوروبي في عدد من القطاعات الاستراتيجية، بحيث تحصل الشركات التي تنتج داخل أوروبا أو تستخدم مكونات أوروبية على أفضلية في بعض برامج الدعم والمشتريات والاستثمارات.
وتأتي هذه السياسة ضمن محاولة الاتحاد الأوروبي حماية قاعدته الصناعية في مواجهة المنافسة من الولايات المتحدة والصين، وتقليل اعتماده على سلاسل توريد خارجية في قطاعات تُعدّ استراتيجية.
لكن بريطانيا، التي خرجت من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي بعد بريكست، لا تدخل تلقائيًا ضمن تعريف «الأوروبي» في جميع هذه القواعد.
وهنا تكمن المشكلة التي تحاول الحكومة معالجتها.
لماذا تخشى بريطانيا من القواعد الجديدة؟

تعتمد قطاعات بريطانية مهمة على سلاسل إنتاج تمتد عبر القناة الإنجليزية، بحيث قد تعبر المكونات الحدود البريطانية-الأوروبية مرات عدة قبل الوصول إلى المنتج النهائي.
وتبرز هذه المشكلة بصورة خاصة في صناعات مثل السيارات والبطاريات والصلب والطاقة النظيفة.
فإذا اشترطت برامج الدعم أو المشتريات الأوروبية نسبة معينة من المكونات المصنّعة داخل الاتحاد، فقد تصبح بعض المنتجات أو المكونات البريطانية أقل جاذبية للشركات الأوروبية، حتى عندما تكون جزءًا من سلسلة توريد واحدة.
وتريد لندن، لذلك، أن تُعامَل المنتجات البريطانية، في مجالات محددة على الأقل، بالطريقة نفسها التي تُعامَل بها المنتجات المصنّعة داخل الاتحاد.
وقال هيلي قبل المحادثات إن بريطانيا وأوروبا تواجهان تحديات اقتصادية مشتركة، وإن تعزيز التجارة والاستثمار بين الجانبين يمكن أن يساعد في دعم النمو وخلق فرص العمل.
من بريكست إلى تقارب اقتصادي تدريجي
يأتي التحرك ضمن سياسة حكومة حزب العمال الرامية إلى إعادة بناء العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، دون العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي.
ومنذ وصولها إلى السلطة، سعت الحكومة إلى التوصل إلى ترتيبات قطاعية تخفف بعض الحواجز التي ظهرت بعد بريكست، خصوصًا في مجالات التجارة والغذاء والطاقة والدفاع.
وتراهن الحكومة على أن تحسين العلاقة الاقتصادية مع أكبر شريك تجاري لبريطانيا يمكن أن يساعد في خفض بعض تكاليف التجارة، وجذب الاستثمار، وتحسين النمو الاقتصادي.
لكن أي اتفاق يمنح الشركات البريطانية معاملة مماثلة للشركات الأوروبية قد يتطلب، في المقابل، قبول قواعد أو معايير مشتركة في القطاعات المعنية، وهو ما يجعل المفاوضات أكثر تعقيدًا من الناحيتين السياسية والقانونية.
السيارات في قلب المشكلة

تُعدّ صناعة السيارات مثالًا واضحًا على حجم الترابط بين الجانبين.
فالمصانع البريطانية تعتمد على مكونات أوروبية، بينما تستخدم مصانع داخل الاتحاد مكونات مصنّعة في بريطانيا. كما يمثل الاتحاد الأوروبي سوقًا رئيسية للسيارات المنتجة في المملكة المتحدة.
ومع انتقال الصناعة إلى السيارات الكهربائية، أصبحت البطاريات والمواد الخام والتكنولوجيا النظيفة جزءًا متزايد الأهمية من المنافسة الصناعية العالمية.
ولهذا، تخشى الحكومة والصناعة البريطانية من أن تؤدي قواعد تفضيل المحتوى الأوروبي إلى إعادة توجيه الاستثمارات وسلاسل التوريد بعيدًا عن المملكة المتحدة، إذا لم تحصل الشركات البريطانية على قدر من الوصول إلى النظام الجديد.
ولا تتعلق القضية فقط بالتصدير إلى أوروبا؛ إذ يمكن أن تؤثر أيضًا في قرارات الشركات الدولية بشأن الأماكن التي ستبني فيها مصانعها وتوجه إليها استثماراتها المستقبلية.
هل وافق الاتحاد الأوروبي؟
لا.
التحرك البريطاني في هذه المرحلة مطلب تفاوضي وليس اتفاقًا، ولا يوجد حتى الآن ما يضمن أن الاتحاد الأوروبي سيمنح الشركات البريطانية المعاملة التي تريدها لندن.
كما أن الدول الأعضاء نفسها لا تتفق دائمًا على مدى تشدد قواعد «صُنع في أوروبا»، أو مقدار الأفضلية التي ينبغي منحها للصناعات المحلية على حساب المنتجات القادمة من شركاء تجاريين قريبين.
ولهذا، ستكون التفاصيل حاسمة: هل يمكن اعتبار بريطانيا جزءًا من القاعدة الصناعية الأوروبية في قطاعات محددة؟ وهل ستطلب بروكسل، في المقابل، التزامًا بقدر أكبر من قواعد الاتحاد الأوروبي؟
لماذا يهم الأمر الاقتصاد البريطاني؟
تبدو المسألة، في ظاهرها، خلافًا حول قواعد المنشأ والمشتريات، لكنها ترتبط بسؤال أكبر يواجه الاقتصاد البريطاني بعد بريكست: كيف يمكن للمملكة المتحدة أن تبقى جزءًا من سلاسل الإنتاج الأوروبية وهي خارج المؤسسات الاقتصادية الرئيسية للاتحاد؟
فكلما اتجهت أوروبا إلى دعم صناعاتها المحلية وربط الأموال العامة بمكان تصنيع المنتجات، ازدادت أهمية الإجابة عن هذا السؤال بالنسبة إلى المصانع البريطانية.
ولهذا، تحمل محادثات الجمعة أهمية تتجاوز عبارة «صُنع في أوروبا». فنجاح لندن في الحصول على استثناءات أو ترتيبات خاصة قد يساعد شركاتها على الاحتفاظ بموقعها داخل سلاسل التوريد الأوروبية، بينما قد يؤدي استبعادها إلى خلق حاجز اقتصادي جديد أمام الصناعة البريطانية، بعد أكثر من ست سنوات على اكتمال بريكست.
المصدر: بي بي سي
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇